عمان اليوم

الطيار مريم الهوتي لـ "عُمان": طموحي زرعني في قمرة الطائرة والناقل الوطني منحني أجنحة للتحليق إلى أبعد نقطة في السماء

17 أكتوبر 2026
17 أكتوبر 2026
حلقت بالحلم بمسؤولية وانضباط لا يعرف المستحيل

حين يُلفظ لقب "كابتن طيار"، فإن الصورة الذهنية الراسخة لدى الكثيرين غالبًا ما تتجسد في رجل بزي رسمي داكن اللون، لكن الزمن يتغير والطموح والعزيمة الشغوفة قادران على حفر مسارات جليّة.

في إحدى قاعات "الطيران العماني"، التقيت بمريم بنت محمود الهوتي مساعدة طيار، تُحلّق في مطلع مسيرتها الواعدة على متن طائرات عملاقة، فتاةٌ لم تكتفِ بكسر القوالب النمطية، بل ارتقت بجدارة واستحقاق إلى قمرة القيادة، لتكون مسؤولة عن أرواح المئات من المسافرين عبر المدى المفتوح.

Image

بدأنا الحوار بمجموعة من الأسئلة حول رحلتها الأولى، وبدايات شغفها المبكر، وتفاصيل التحاقها بهذا العالم الاستثنائي، لكن عندما بدأ الحديث وتكشّفت تفاصيله انزاح السطح سريعًا ليأخذ الحوار مسارًا أكثر عمقًا وإلهامًا؛ غصنا فيه معًا نحو فلسفة القيادة تحت الضغط، وآلية إدارة الخوف، وكيفية إيجاد التوازن الدقيق بين هيبة كابينة الطيران ودفء الحياة الإنسانية والاجتماعية.

متى بدأ شغفكِ الحقيقي بعالم الطيران، وهل كان حلمًا طفوليًا رافقكِ أم وليد صدفة أو موقف ملهم في حياتك؟

بدأ شغفي بعالم الطيران من موقف عابر، لكنه ترك أثرًا جميلًا في نفسي، بحكم طبيعة شخصيتي وأسلوب حديثي وطريقة تعاملي مع الأمور، قالت لي جدتي ذات يوم إنني أمتلك صفات تؤهلني لأكون كابتن طيّار، كانت كلمات بسيطة، لكنها جعلتني أنظر إلى هذا المجال من زاوية مختلفة، وربما كانت بداية فكرة تحوّلت مع الوقت إلى شغف وطموح، وفي مرحلة الثانوية، نسّق والدي لقاءً مع أحد الكباتنة لتعريفي بنظام الطيران والدراسة، ونصحتُ حينها بالتركيز على جلب أعلى نسبة لتأمين مقعد جامعي أولًا ثم السعي نحو الطيران.

كيف استقبلت عائلتك ومحيطك الاجتماعي خبر رغبتك في دخول هذا المجال، وما الدعم الذي تلقّيتِه أو التحديات التي واجهتِها في بداياتك؟

الحمد لله وبفضل الله، حظيت بدعم كبير من عائلتي ومحيطي الاجتماعي، وخاصةً والديّ وإخواني وأخواتي وصديقاتي، كان لدعمهم أثر كبير في تعزيز ثقتي بنفسي وتشجيعي على مواصلة السعي لتحقيق حلمي. فإيمان الأهل بقدرات أبنائهم يمنحهم دافعًا أكبر لمواجهة التحديات والاستمرار في بذل الجهد، وأنا ممتنة لهم من أعماق قلبي، لأنهم آمنوا بقدرتي على الوصول إلى هدفي، وكانوا دائمًا مصدر دعم وتشجيع لي في رحلتي نحو تحقيق هذا الحلم.

ما الخطوة الأولى الحقيقية التي شعرت عندها بأنك تجاوزت حاجز الخوف وبدأت فعليًا طريقك نحو قمرة القيادة؟

كانت الخطوة الأولى الحقيقية عندما تقدّمت بأوراقي إلى مكتب الطيران العُماني، وبدأت مرحلة الاختبارات التقييمية التي استمرت قرابة شهرين في تنافس مع مئات المتقدمين، كانت هذه المرحلة محطة مهمة في رحلتي؛ إذ إن اجتيازي للاختبارات بامتياز منحني ثقة كبيرة بنفسي وبقدراتي، وجعلني أؤمن أكثر بأنني قادرة على المضي قدمًا وتحقيق طموحي، ومنذ تلك اللحظة بدأت أشعر بأن حلم الوصول إلى قمرة القيادة لم يعد مجرد فكرة، بل أصبح هدفًا أقترب منه خطوةً بعد أخرى.

هل تُعد مرحلة التدريب والدراسة الأكاديمية للطيران شاقة ومليئة بالضغوط؛ وما أصعب محطة أكاديمية أو عملية واجهتك خلال تلك الفترة؟

نعم، يُعدّ التدريب والدراسة في مجال الطيران من المراحل الشاقة التي تتطلب الكثير من الجهد والصبر والمثابرة والاجتهاد المستمر، فهذا المجال لا يتوقف فيه التعلّم عند مرحلة معينة، بل يتطلب من الطيار الاطلاع المستمر على الكتب والمراجع، ومواكبة المستجدات، وتطوير المعرفة والمهارات طوال مسيرته المهنية وحتى التقاعد، وقد أجرينا الدراسة النظرية لمدة عام في مدريد بإسبانيا، تليها الدراسة العملية في "خيريز" الإسبانية، وكانت مرحلة الدراسة النظرية هي الأصعب نظرا لما تتطلبه من تركيز عالٍ واستيعاب دقيق، لكنها كانت تجربة مهمة علمتني أن النجاح يحتاج إلى الانضباط والإصرار.

صفي شعورك خلال لحظة الإقلاع الأولى لكِ كـ"مساعدة طيار" أو "قائدة رحلة" تعلو في السماء لأول مرة رسميًا.

كان شعورًا استثنائيًا ومختلفًا يصعب وصفه بالكلمات، خاصةً في لحظة الإقلاع لأول مرة على متن طائرة (Boeing 737) وعلى متنها ركاب، في تلك اللحظة شعرت بأن سنوات من الجهد المتواصل والتعب والمثابرة بدأت تؤتي ثمارها، وأن الحلم الذي طالما انتظرته أصبح واقعًا أعيشه، لقد كانت لحظة انتظرتها طويلًا بأن أكون في قمرة قيادة الطيران العُماني.

كامرأة في قطاع طيران يُهيمن عليه الرجال تاريخيًا، هل شعرت يومًا بوجود تحديات إضافية تفرض عليكِ إثبات كفاءتك بمضاعفة الجهد؟

قد تواجه المرأة في قطاع الطيران بعض وجهات النظر أو التوقعات المختلفة، لكنني أؤمن بأن الكفاءة المهنية والاستعداد المستمر هما الأساس في هذا المجال، فالطيران يتطلب معرفة دقيقة، وتدريبًا متواصلًا، وانضباطًا عاليًا، وقدرة على العمل بروح الفريق. لذلك، أحرص دائمًا على تطوير مهاراتي وتعزيز خبرتي لأكون على قدر المسؤولية، وأرى أن وجود المرأة في قمرة القيادة هو بحد ذاته رسالة تؤكد أن الطموح لا تحدّه الصور النمطية، وأن النجاح يتحقق بالجدارة والإصرار والاجتهاد.

هل لاحظتِ يومًا انطباعات أو ردود أفعال معينة من المسافرين عندما رأوا أن الطيار امرأة؟

على صعيد الحوار المباشر لم يحدث، لكنني ألمس ذلك أحيانًا من خلال نظرات الركاب التي تحمل مزيجًا من المفاجأة أو القلق لوجود فتاة داخل القمرة، ولكن مع الوقت لاحظت أن الناس بدأوا شيئًا فشيئًا يدركون ويعتادون على الأمر أكثر مع تطور حضور المرأة العمانية في مختلف المجالات.

ما الموقف أو الطارئ الجوي الأكثر حدة أو خطورة الذي مررت به في الأجواء، وكيف أسهم تدريبك في إدارة الأزمة بهدوء؟

السلامة هي الأولوية الأولى في عالم الطيران، ولذلك نتدرب باستمرار على التعامل مع مختلف الحالات الطارئة وغير الاعتيادية، ويساعدنا هذا التدريب على التصرف بهدوء، والالتزام بالإجراءات المعتمدة، والتواصل الفعّال بين أفراد الطاقم لاتخاذ القرار المناسب وضمان سلامة الجميع. وعلى سبيل المثال، واجهت أثناء التدريب العملي قبيل الاختبار النهائي تعطلًا في عدم ارتفاع عجلات الطائرة عند الإقلاع، مما استدعى العودة لهبوط اضطراري بسبب استهلاك الوقود، وتم التعامل معه بحرفية تامة.

ماذا عن المطبات الهوائية؟ وهل يلقي المسافرون اللوم عادة على الطيار؟

كثيرًا ما نسمع تعليقات طريفة من المحيطين بنا عند حدوث مطبات واهتزازات بالطائرة. والحقيقة أن الجو متغير، وهناك نوع يُعرف بـ (Clear Air Turbulence) أو المطبات الصافية التي لا تستطيع رادارات وأجهزة الطائرة التنبؤ بها فتحدث فجأة دون أن يتوقعها الطيار أو الراكب، وأحيانًا في مدارات الهبوط ذات الطبقات المائية، قد يتعمد الطيار الهبوط بقوة محسوبة لتخترق العجلات طبقة الماء وتصل لمدرج الاحتكاك لضمان الأمان والثبات.

كيف تبدو تفاصيل روتينكِ اليومي والساعات التي تسبق الإقلاع، وما طقوسك الخاصة لضمان أعلى مستويات التركيز والجاهزية الذهنية والجسدية؟

أحرص على الحصول على قسط كافٍ من النوم والراحة الجسدية والنفسية قبل الرحلة، ثم أبدأ بالتحضير من خلال مراجعة خطة الرحلة (Flight Plan)، والاطلاع على الأحوال الجوية والمسار المحدد، بالإضافة إلى مراجعة معلومات المطارات والأنظمة المتوفرة فيها ومطارات البدائل للطوارئ، فالتخطيط الجيد والاستعداد الذهني والجسدي عوامل أساسية لضمان رحلة آمنة وناجحة.

كيف توازنين بين طبيعة عملكِ القاسية، وكثرة السفر، وتغيير التوقيتات المستمر، وبين تفاصيل حياتك الشخصية والأسرية؟

طبيعة عمل الطيار تتسم بالتغيّر وعدم ثبات الأوقات بين صباحية ومسائية، لكن وجود جدول شهري (يتم الاطلاع عليه مسبقًا) يساعدني على تنظيم وقتي والتخطيط لحياتي الاجتماعية والأسرية والتهيئة النفسية، كما أن أيام الاستعداد (Standby) تتطلب جاهزية تامة لأي استدعاء طارئ، وأؤمن بأن لكل مهنة إيجابياتها وتحدياتها، ومن المهم أن يكون الإنسان على دراية بها حتى يتمكن من تحقيق التوازن.

ما الرحلة أو الوجهة التي تملأ قلبكِ بالفخر والاعتزاز كلما تذكرت تفاصيلها ضمن مسيرتك المهنية؟

أشعر بالفخر بكل رحلة ناجحة تُنجز بأعلى معايير السلامة والمهنية، فكل رحلة تمثل مسؤولية كبيرة وعملًا جماعيًا متكاملًا، وأعتز برحلات صلالة لكون معظم مسافريها من أبناء الوطن، وأعتز بتمثيل سلطنة عُمان في قطاع الطيران والمساهمة في إبراز كفاءة الطيار العُماني.

بالنظر إلى التطور المستمر في قطاع الطيران والتكنولوجيا الحديثة، كيف تحافظين على تحديث مهاراتك ومعرفتك المستمرة بأنظمة الطائرات؟

أحرص على تطوير مهاراتي ومعرفتي من خلال القراءة المستمرة للكتب والمراجع الدورية، والاطلاع على أحدث التطورات التكنولوجية وأنظمة الطائرات، ومتابعة التحديثات في مجال الطيران، فالتعلّم المستمر جزء أساسي لا ينتهي بحصد الرخصة، بل هو بدايتها الفعلية مع توسع المسؤوليات.

ما طموحاتكِ وخطواتك القادمة في عالم الطيران؟

أطمح إلى مواصلة التطور والتقدم في مسيرتي المهنية من خلال الاجتهاد والتعلّم المستمر ومواكبة تطورات قطاع الطيران، فالطيار المحترف يدرك أن الحصول على الرخصة ليس نهاية رحلة التعلّم، بل بدايتها؛ فمع مرور الوقت تزداد الخبرة وتتوسع المسؤوليات للتنقل بين الخطوط المختلفة، ويظل الطموح نحو أبعد مكانة مهنية ممكنة هو الدافع لتحقيق المزيد من النجاح والتميز.

ختامًا، ما الرسالة التي توجهينها لكل فتاة تحمل حلم الطيران؟

رسالتي لكل فتاة تحلم بالطيران هي: لا تدعي الخوف يقف عائقًا أمام طموحكِ، بل ابدئي بالتعلّم والبحث وثقي بقدراتكِ، فالوصول إلى هذا المجال يتطلب الاجتهاد والصبر والانضباط، لكنه ليس مستحيلًا، وتذكري دائمًا أن الأحلام تتحقق بالإصرار والعمل المستمر، وأن المرأة العُمانية قادرة على تحقيق الإنجازات.