عبد الله أبو شميس: العودة إلى قصيدة الشطرين نكوص عن منجز الشعريَّة العربيَّة
* لم تقصد المسرحية التّقليل من أيِّ شاعر لم تضمّه إلى المركب
* لو أدخلت كلَّ شاعر أحبُّه للمسرحية لأصبح أبطالها بالعشرات
* تحديت نفسي باللعب وكتابة قصائد بأسلوب الشعراء السابقين
* منجز الشعراء السّبعة هو الأكثر تأثيراً في حركة الشّعر العربيِّ
* لا أعرف شاعرة بخلاف نازك الملائكة تركت بصمةً كبصمتها
* جدار المعجم اللغوي الكلاسيكي والرومانسي هدمه نزار قباني
* جعلت الماغوط مرتاباً ومشاكساً لأن هذه شخصيته في الواقع
* شهرة عبد الصبور خارج مصر لا توازي أبداً قامته الشعريّة
* شهرة أمل دنقل المستحقّة غطَّت على معظم شعراء مصر
* أدعو الجميع لقراءة المسرحية بروح الفكاهة الّتي كُتِبت بها
* لا أفهم كيف يمكن لشاعر أن يطلب وضع القيود في يديه
يجمع الشاعر الأردني عبد الله أبوشميس في مسرحيته "قراصنة الشعر السبعة"، صلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة وأمل دنقل ونزار قباني ومحمد الماغوط على مركب. تبدأ الأحداث في 2008، بانضمام محمود درويش، بعد وفاته، إليهم، وفي يده كتاب "قراصنة الصومال". يقرأ كل منهم هذا الكتاب ويتأثر به، ويكتب بعضهم قصائد مستوحاة منه.
في هذه المسرحية الشعرية يبدو أبوشميس كأنه يلعب ويجرِّب. يكتب القصائد بلغة شعراء المركب أنفسهم، ولوهلةٍ قد تتخيل أنها مقتبسة من أعمالهم، من فرط حساسيتها وشبهها بهم وبلغتهم. كان أبو شميس باعتباره كاتب الرحلة هو ثامن الشعراء في المركب، أو قبطانها الحقيقي، الذي يحرك المركب والأحداث والحوارات الشيقة التي لا تخلو من سخرية وضحك.
يُنظَر إلى تجربة عبد الله أبو شميس الشعرية باهتمام عربياً.
لديه سبعة دواوين هي "هذا تأويل رؤياي"، "الخطأ"، "الحوار بعد الأخير"، "شهود غزة"، "كتاب المنسيِّات"، "بكائيات غزة"، "بثينة جميل". كما حصل على عدة جوائز، أبرزها جائزة البابطين لأفضل قصيدة عربية 2022، وجائزة محمود درويش الشعرية 2018، وجائزة فدوى طوقان 2014، وجائزة الشارقة للإبداع العربي 2005. هنا حوار معه حول تجربته المدهشة في مسرحيتي "قراصنة الشعر السبعة"، و"حذاء أبيض كالموج".
لماذا أطلقت على الشعراء، وكذلك على المسرحية "قراصنة الشعر السبعة"؟
السؤال يعيدني إلى شهادة قيّمة قدّمها المحامي الفلسطيني جواد بولس حول وفاة محمود درويش، حين كتب في مقال منشور له: "ما زلت أذكر ما شاهدناه عندما دخلنا بيته في رام الله لأوّل مرة بعد وفاته.. كانت الكتب مزروعة في كلّ زوايا الصالون وفي غرفة نومه. كان بعضها مفتوحاً قيد القراءة، والآخر ينتظر دوره... كان يقرأ كتاباً عن تاريخ القرصنة مفتوحاً وموضوعاً في جارور بجانب تخته".
عندما خطرت لي فكرة كتابة مسرحية عن شعراء الحداثة العرب، لمعت في ذاكرتي هذه المعلومة التي كنت قرأتها في مكان ما قبل سنين طويلة، وأشرقت في ذهني بداية المسرحية.
سألت نفسي: إذا كان آخرُ ما كان يقرأه درويش كتاباً عن القرصنة، فأيّ كتاب هو هذا؟ وأيّ قرصنة؟ ولماذا يقرأه؟ وماذا يمكن أن يحدث لو حمله معه إلى العالم الآخر؟
من هنا خطر لي أن أمنح هذا الكتاب المبهم عنواناً محدّداً هو "قراصنة الصومال"، وأن أجعل درويش يحمله معه إلى الأبديّة، حيث ستّة شعراء سبقوه إلى مركب هناك.
وكما ترى، كانت فكرة القرصنة حاضرة في الحبكة منذ البداية، ولمّا كان على المركب أيضاً شخصيّة القبطان الذي يدير أمور المركب، أصبحت استعارة القراصنة للشعراء -في ظنّي- ملائمة للمسرحية، وللصراع الذي سيدور لاحقاً بين الشعراء السّبعة وبين القبطان غريب الأطوار.
اخترت أن تبدأ الأحداث في 2008 لأنه عام وفاة محمود درويش؟
هذه ملاحظة ممتازة. اخترت أن تبدأ أحداث المسرحية من لحاق محمود درويش بالمركب، لينضمّ إلى الشعراء الستّة الذين سبقوه إلى تلك الغرفة المتخيّلة على المركب. وهم بحسب ترتيب وصولهم للمركب: بدر شاكر السيّاب فصلاح عبد الصبور فأمل دنقل فنزار قبّاني فمحمّد الماغوط فنازك الملائكة.
لا يوجد شاعر مات بعد درويش يستحقّ أن يلحق بالمركب؟
شكراً لإثارتك هذه النقطة. أدرك تماماً أنّ اختيار سبعة شعراء فقط من شعراء الحداثة ليكونوا أبطالاً في المسرحية، من شأنه أن يثير سؤالاً عن سبب إغفال زملاء لهم آخرين.
بالطبع لا تقصد المسرحية أبداً التّقليل من شأن أيّ شاعر حديث لم تضمّه إلى الشعراء السبعة فيها، فالمسرحية في نهاية المطاف عمل أدبيّ وليست كتاباً نقديّاً أو ببلوغرافيا لشعراء الحداثة العرب.
بالنسبة للشعراء العرب الأحياء أو الّذين توفّوا بعد 2008، لم يكن من الممكن فنّيّاً دخولهم إلى مركب المسرحية، أمّا الشعراء الذين توفّوا قبل 2008 فلا يسعني إلّا أن أقول، كما قال الجاحظ نقلاً عن بعض القدماء "اختيارُ المرء قطعةٌ من عقله". لا أبرّئ نفسي من قصد إغفال بعضهم، ولكنّ كثيرين من الشعراء الذين أحبّهم لم يكن من الممكن دخولهم للمسرحية وإلّا لأصبح فيها عشرات الأبطال، وهو ما لا تحتمله مسرحية بهذا الحجم.
تقمَّصتَ روح الشعراء وكتبت على ألسنتهم فكيف وجدت هذه التجربة؟
كانت تجربة ممتعة ومثيرة!
أثناء أحداث المسرحية تُكتب أربع قصائد على ألسنة أربعة شعراء هم نزار قباني ونازك الملائكة ومحمد الماغوط وأمل دنقل. هذه القصائد جزء من الدراما في المسرحية وليست زائدة عليها.
ثمّة مجازفة ومخاطرة في أن يكتب شاعر على لسان شاعر آخر يعرف الناس أسلوبه وطريقته في التفكير والتعبير وتقنياته الأسلوبية، وثمّة تحدٍّ كبير في إقناع القارئ بأنّ هذه القصيدة الجديدة كان يمكن بالفعل أن يكتبها الشاعر السابق، وفي الوقت نفسه ألّا تكون تكراراً لما كتبه الشاعر السابق في قصائد أخرى.
وهناك تحدّ آخر كذلك، في أنّ القصائد الأربع كلّها كان ينبغي أن تتحدث عن قراصنة الصّومال، كما هو الشرط في المسرحية.
ولا يخفى طبعاً أنّ في كلّ هذا الأمر قدراً كبيراً من اللّعب، ولكن ما هو الشعر في النهاية إن لم يكن لعباً في اللغة؟
ما جمع هؤلاء الشعراء السبعة على المركب هو حبّك لهم؟ هل تعتبرهم شعراء العرب الأفضل؟
بقدرٍ من التحفّظ في التّعميم، أعتقد أنّ منجز هؤلاء الشعراء السّبعة هو الأوضح والأكثر تأثيراً في حركة الشّعر العربيّ في النصف الثاني من القرن العشرين، وهي المرحلة التي أعتقد أنّها من أكثر المراحل ثراءً في تاريخ الشعر العربيّ كلّه.
لم أنتَقِ هؤلاء السّبعة عشوائيّاً، فهم في رأيي من أهمّ أعمدة الحداثة الشعرية العربيّة، ويمثّلون أبرز اتّجاهاتها سواء من حيث الرّؤى أو التقنيات.
من الممكن للقارئ بلا شكّ أن يضيف إلى هؤلاء السبعة شعراء آخرين، ولكن لا أظنّ أنّ قارئاً منصفاً سوف يستبعد أحد الأسماء السبعة.
لو أتيح مكان آخر في غرفتهم سيكون لمن؟ ولماذا؟
هناك في الواقع مكان آخر خفيّ كان موجوداً بالفعل في الغرفة، وصاحبه هو الشاعر الّذي كتب المسرحية!
لو كان السيَّاب على قيد الحياة حين علا نجم محمود درويش لماذا كان سيعجب بشعره؟
لستُ واثقاً ممّا إذا كان سيعجب بشعره أم لا؛ فآراء الشعراء في الشعراء يصعب جدّاً التنبؤ بها. لكن يمكنني أن أخمّن أنّ ما كان سيُعجب السيّاب في شعر درويش هو قدرته الفذّة على شحن العاطفة والصّورة داخل الإيقاع. وأخمّن أنّه لم يكن ليعجبه بعض ما يبدو تفلسفاً زائداً في شعر درويش أحياناً. لكن هذا مجرّد تخمين.
امرأة وحيدة على المركب هي نازك الملائكة، لماذا؟
تقصد لماذا امرأة واحدة فقط؟ أو لماذا لم يكن مكانها شاعر رجل؟!
أمزح بالطبع! أعتقد أنّ أهمّيّة نازك في الحداثة الشعرية العربية كبيرة، ولا أعرف في غيرها من الشاعرات مَنْ تركت بصمة على الشعر العربيّ كبصمتها. لكن، مرّة أخرى، ليس من هدف المسرحية حشد الشعراء وإنّما جمع طائفة مميّزة منهم يمكن أن يخدم وجودهم الدّراما في المسرحية.
كيف خطرت لك فكرة اختفائها التي تشكّل الحدث الرئيسي في المسرحية؟
في الحقيقة، لا أعرف.
هل المركب هو الأبدية؟ والبحر هو الزمن؟ والقبطان هو سلطة العالم الآخر؟
هذا تأويل معقول، لكنّي أفضّل أن أترك للقارئ أن يفكّ رموز المسرحية بعيداً عن سلطة المؤلّف.
في تقديري نزار قباني شاعر كبير مظلوم. وجوده مع القراصنة إعادة اعتبار له؟
لم أقصد أن أنتصف لنزار من أيّ ظلم، ففي رأيي أنّه يفرض نفسه بقوّة على أيّ قارئ منصف للشعر العربيّ الحديث. عاش نزار قبّاني ثلاثة أرباع القرن من 1923 إلى 1998، وفي تقديري أنّه أنجز في الثلث الأوسط من عمره عملاً مذهلاً، لم يستطع هو نفسه أن يتجاوزه في الثلث الأخير، لكنّه فتح أبواباً واسعة للجيل التالي من الشعراء.
كان هناك جداران شكليّان هائلان هدَمَهما الجيل الأوّل من شعراء الحداثة العرب، ولو لم يُهدَم هذان الجداران لما تمكّن الشعراء العرب اللاحقون من الوصول إلى ما وصلوا إليه بسهولة: الجدار الأوّل جدار الشطريْن وقد هدمته نازك والسيّاب وزملاؤهما، والجدار الثاني جدار المعجم اللغوي الكلاسيكي والرومانسيّ وقد هدمه نزار قبّاني ربما وحده، بإدخاله معجم الحياة اليومية إلى الشعر؛ فأصبح الشاعر يستخدم مفردات مثل (سيجارة وتاكسي ودردشة وقهوة وشاي وحذاء وشركة.. إلخ) بعد أن كان لا يجرؤ على التفكير بالاقتراب من هذه المفردات.
وبعد أن تمّ هدم هذين الجدارين الهائلين بشجاعة، تفتّح لشعراء الجيل الثاني إمكانيّات تعبيرية وأدوات فنّية واسعة.
لماذا جعلت الماغوط مرتاباً ومشاكساً؟
أظنّ أنّ هذه هي شخصية الماغوط في الواقع، على الأقل في فهمي المتواضع لها. والعلاقة مع السلطة السياسية ونقدها والصراع معها والسخرية منها تشكّل أهمّ ثيمة في شعر الماغوط ومسرحياته ومقالاته، وهو -في تقديري- ما يجعل ملامح شخصيته في المسرحية منطقية.
صلاح عبد الصبور ظهر في مركب العظماء بينما اختفى قاتلوه في ظلال الزمن. هل حاولت أن تعيد حقه من خلال المسرحية؟
عندما سألتني سؤالك السابق عن الشاعر الكبير المظلوم، خطر لي أنّ الأنسب أن يكون هذا السؤال عن صلاح عبد الصبور لا عن نزار قبّاني.
قد يكون لصلاح عبد الصبور شهرته الكبيرة في مصر، ولكنّ الحقيقة أنّ شهرة عبد الصّبور خارج مصر ولدى الجيل الجديد من الشعراء تحديداً لا توازي أبداً قامته الشعريّة والمسرحيّة.
لهذا الأمر أسبابه، ففي ظنّي أنّ شهرة أمل دنقل المستحقّة خارج مصر قد غطّت على ش
هرة كثيرين من شعراء مصر، ولكن من الجيّد أن نفهم أنّ شهرة دنقل ليست كلّها راجعة إلى شعره، ولكنّها مرتبطة دون ريب بمواقفه السياسية وبنماذج معيّنة من شعره، ضمن لحظة تاريخية معيّنة.
أمّا صلاح عبد الصبور فهو الشاعر الذي قدّم -في رأيي- أكثر التجارب الشعرية الحداثيّة تركيباً، من خلال مسرحه الشعريّ. فإنّك لن تجد لدى شاعر عربيّ ما تجده لدى عبد الصبور في مسرحيّاته، من أسئلة كبرى حول الحرّيّة والمسؤوليّة الفرديّة، وحوارات فلسفيّة عالية حول مفهومي الخير والشّرّ، أو السّلطة والمثقف، أو المادية والروحانية.
كان عبد الصبور مثقّفاً من الطراز الرفيع، تشهد على ذلك مؤلّفاته وترجماته، وكان أدبه ذا طابع عالميّ وإنسانيّ فريد.
أمّا في مسرحيّتنا، ففي المشهد الأوّل، يحدث تصالح نهائيّ بين السّيّاب وصلاح عبد الصبور، فالقرينان اللذان تباينا واختلفا في حياتهما، يتصالحان على المركب. ويكون سبب الصّلح بينهما هو تعرّف السيّاب على "مأساة الحلّاج" التي كتبت أصلاً سنة وفاة السيّاب (1964) واعترافه بقيمتها العالية. ويمكث الشاعران وحدهما على المركب يتناشدان الشعر، أو كما يقولان في المسرحية:
- عبد الصبور: من تلك الليلةِ، أمسيْنا، يا بدرُ، شقيقينْ
- السيّاب: ومكثنا نقرأ شعراً عامينْ
أجملَ عامينْ
لماذا كان على السيَّاب أن يتخلى عن عكّازيه ودرويش عن نظارته؟
حسب طبيعة الأمور على المركب، يبدو أنّه لا حاجة للعكّازين والنظّارة هناك. أصبح بوسع السيّاب أن يمشي على قدميه، ففرح بالتخلّص من العكّازين، أمّا درويش فأصرّ على الاحتفاظ بنظّارته فقط لأنّه لا يتخيّل شكله من دون النظّارة!
لماذا حصل الشعراء التقليديون أو الأوائل مثل المتنبي وأبي تمام على الحانة؟ ولماذا كان محرّماً على الشعراء السبعة لقاؤهم؟
هذا سؤال ذكيّ. في المركب على ما يبدو غرف وأماكن مختلفة وكلّ غرفة أو مكان له عالم منفصل عن الغرف والأماكن الأخرى. وكان حظّ الشعراء التقليديّين الحانة، وحظّ شعرائنا السبعة غرفة فيها مكاتب وسُرُر.
أظنّ -وقد يكون للقارئ رأي آخر- أنّ ما دفعني إلى ذلك، هو أنّه في تصوّرنا الحديث، أصبحت شخصيّة الشاعر أكثر مسؤوليّة من شخصية الشاعر القديم أو التقليديّ. ففيما كان يُقبل من الشاعر القديم مثلاً أن يكون مادحاً للسلطة أو هجّاءً لمن لا يعجبه، أو مستهتراً بالمجتمع، أو سكراناً طول الوقت في حانة، أصبح الشاعر الحديث مُطالباً بقدر معيّن من الانتماء إلى النخبة المثقّفة، التي تقود المجتمع.
ومن المؤسف أن نرى في واقعنا في السنوات الأخيرة نكوصاً في شخصيّة الشّاعر إلى النّموذج التقليديّ.
لماذا ظهر أمل دنقل هادئاً في المسرحية بعكس شخصيته العاصفة؟ ولماذا اهتممت بالكلام عن مرضه الأخير؟
هل يمكن أنّ المركب قد غيّر دنقل قليلاً؟ أم أنّ بعض أحداث المسرحية تشير إلى أنّه احتفظ بشخصيّته العاصفة؟ أحبّ أن أترك اكتشاف هذا الأمر للقارئ.
أمّا الكلام عن مرضه الأخير، فقد جاء في سياق حديث الشعراء عن أوجاعهم الجسدية والدنيوية السابقة، وهي ولا شكّ أوجاع ساهمت إلى حدّ بعيد في تحديد طبيعة تجاربهم الشعرية. شلل السيّاب، وسرطان دنقل، ومرض قلب درويش، وفقد نازك والدتَها، كلّها شكّلت بنيانهم النفسيّ وتصوّراتهم عن الوجود.
* يقول نزار لأمل "هل خلفت بمصر وراءك شعراء؟!".. هل ترى أنه لم يأتِ شعراء في مصر بعد عبد الصبور ودنقل؟
إطلاقاً لا أرى ذلك؛ كانت تلك مجرّد قفشة مسرحية على لسان إحدى الشّخصيّات حين كان الشعراء الستّة يحاولون تخمين الشاعر السابع القادم للمركب.
لماذا انتقدت ناظم حكمت والبياتي بعنف؟
أيضاً، إحدى الشخصيات انتقدت البيّاتي ولم تنتقد ناظم حكمت. وذلك في سياق استبعاد أن يكون البيّاتي هو القادم السابع إلى المركب.
للبيّاتي ديوان "رسالة إلى ناظم حكمت وقصائد أخرى"، وفي المسرحية تلعب إحدى الشخصيات على ربط البياتي نفسه بناظم حكمت فتقول: "كان البيّاتي ناظم.. وبلا حكمت". وهي كذلك قفشة – ربما حادّة- لكنها ترد أيضاً في سياق تخمين اسم الشاعر السابع.
وبالعموم، أدعو قارئ المسرحية إلى أن يقرأها بروح الفكاهة الّتي كتبت بها، وألّا يأخذ كلّ ما فيها حرفيّاً.
في المسرحية الثانية "حذاء أبيض كالموج" يسأل المحقّق رجلاً عن سبب وجود امرأة على مركب؟ هل كنت تخطط ليكون البحر هو البطل في الكتاب كله؟
لم أخطّط لذلك على الإطلاق. كُتبت "حذاء أبيض كالموج" قبل "قراصنة الشعر السبعة"، ولم أقصد أن يكون بين المسرحيّتين أيّ صلة. ومن الواضح للقارئ أنّ المركب في المسرحية الأولى يختلف عن المركب في الثانية.
في "حذاء أبيض كالموج"، القضية هي علاقة رجل وامرأة، والرجل متّهم بإغراق المرأة التي كانت بصحبته على مركبه. والمسرحية عبارة عن ثلاث جلسات استجواب للرّجل من أجل الوصول إلى حلّ لغز غرق المرأة: هل أغرقها الرجلُ أم انتحرت هي بإلقاء نفسها في الماء؟
ما جيلك عربياً؟
أنا من مواليد بداية ثمانينيات القرن الماضي. أوّل أعمالي صدر في 2006 وكان مجموعة شعرية بعنوان "هذا تأويل رؤياي". وخلال عشرين سنة صدرت لي ثماني مجموعات منها "كتاب المَنسيّات" و"بثينة جميل" و"بكائيّات غزة". فأنا أنتمي لجيل بدايات الألفيّة الثّالثة.
وكيف ترى حال قصيدة التفعيلة بجوار قصيدة النثر الآن؟
المشهد الشعريّ الحاليّ مقسوم إلى فسطاطين: فسطاط شعراء القصيدة العموديّة ذات الشطرين، وفسطاط شعراء قصيدة النثر. أمّا قصيدة التّفعيلة، فيكتبها نفر قليلون أنا أحدهم.
لست رافضاً لأيّ شكل شعريّ، وقد اخترت الماغوط ليكون في المسرحية ووضعت قصيدة نثريّة على لسانه. لكنّ لي رأيي في العودة إلى قصيدة الشطرين، وأراها نكوصاً عن منجزات كبيرة حقّقتها الشعريّة العربيّة في النصف الثاني من القرن العشرين سواء في قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر.
الشعر-كما أفهمه- مغامرة لغوية وجمالية ومحاولة مستمرّة لاكتشاف المجهول والتحرّر من المألوف، لذلك لا أفهم كيف يمكن لشاعر أن يمدّ يديه الاثنتين مطالباً أن توضع فيهما قيود كان آباؤه من الشعراء قد تحرّروا منها وكسروها ورموا بها بعيداً!
