التصوير في الأماكن العامة .. بين توثيق اللحظة وانتهاك الخصوصية
أفرز الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، وتزايد إقبال الأفراد على توثيق يومياتهم وتصويرها ونشرها، جملةً من التحديات الاجتماعية والأخلاقية والقانونية، التي قد تنعكس على راحة الآخرين وتمس الذوق العام. فقد تجاوز التصوير في الأماكن العامة كونه وسيلة سهلة لتوثيق اللحظات العائلية والذكريات المميزة، ليتحول في بعض الممارسات إلى ظاهرة مقلقة قد تنتهك خصوصية الآخرين وحرمة حياتهم الشخصية.
وتستعرض «عُمان» أبعاد هذه الظاهرة، وتأثيرها على راحة الأفراد، ومسؤولية كل فرد في تحقيق التوازن بين توثيق اللحظات واحترام خصوصية الآخرين، وصون قيم المجتمع، والاستمتاع الحقيقي باللحظة بعيدًا عن الانشغال بتصويرها ونشرها.
مراعاة الذوق العام
ويوضح سالم بن خليفة الجاسري أن التصوير في الأماكن العامة ينبغي أن يلتزم بالسمت العُماني، وأن يراعي خصوصية الآخرين، من خلال اختيار زوايا مناسبة تحول دون ظهور الأشخاص في الصور دون رضاهم، لما قد يترتب على ذلك من مساس بخصوصياتهم وشخصياتهم. ويؤكد أن التصوير، وإن كان متاحًا في الأماكن العامة، لا ينبغي أن يتجاوز حقوق الآخرين أو يتم دون مراعاة خصوصيتهم، محذرًا من أن بعض الممارسات قد تقود إلى خلافات تتطور إلى قضايا أمام المحاكم، وتُدخل أصحابها في متاهات قانونية وأخلاقية يمكن تجنبها بالوعي واحترام حقوق الغير.
ويضيف الجاسري أن التطور المتسارع في ظل العولمة وانتشار البرمجيات والتقنيات الحديثة جعلنا نفتقد شيئًا من حلاوة التصوير بالكاميرات القديمة، التي كانت توثق اللحظات الجميلة وتحتفظ بخصوصيتها ونقائها.
أما سعيد بن محمد الرويضي، فيقول: إن الكاميرا كانت يومًا ما أداة بريئة لتوثيق الذكريات والاحتفاظ بالصور العائلية ولحظات المناسبات السعيدة، غير أن ثورة الهواتف الذكية وانتشار منصات التواصل الاجتماعي غيّرا طبيعة استخدامها، لتتحول في كثير من الأحيان إلى وسيلة لانتهاك خصوصية الآخرين في الأماكن العامة. ويوضح أن التصوير العشوائي بات يسلب الأفراد شعورهم بالراحة والطمأنينة؛ فما إن يدخل المرء إلى مركز تجاري أو حديقة أو سوق أو شاطئ أو فعالية عامة، حتى يجد نفسه أمام عدسة مجهولة، توثق تحركاته ومحيطه، وتنشر مقاطع قد يظهر فيها دون علمه أو رضاه. ويؤدي هذا السلوك إلى إزعاج كثيرين، ويدفعهم إلى التساؤل عما إذا كانوا قد ظهروا في تلك المقاطع، وأين ستُنشر، ومن سيشاهدها.
ويضيف الرويضي أن وجود الإنسان في مكان عام لا يعني أن خصوصيته أصبحت مباحة، فليس الجميع راغبين في الظهور أمام الكاميرات؛ فقد تكون هناك امرأة لا ترغب في التصوير، أو طفل يبكي، أو شخص يمر بظرف صحي، أو مسؤول يشغل منصبًا معينًا. وحين يتحول هؤلاء إلى محتوى متداول عبر منصات التواصل الاجتماعي، فإن ذلك قد يشكل تعديًا على خصوصيتهم وحرمة حياتهم الشخصية، لا سيما أن المحتوى المنشور قد يصعب استرجاعه أو الحد من انتشاره، فضلًا عما قد يترتب عليه من مشكلات أسرية أو مهنية.
ويشير إلى أن التصوير، في مثل هذه الحالات، يتحول من وسيلة لتوثيق الذكريات إلى مصدر للمضايقة والإزعاج. والأخطر من ذلك، بحسب قوله: إن بعض الأشخاص باتوا يستغلون التصوير في الأماكن العامة ذريعةً للمضايقة أو الابتزاز، من خلال تصوير الآخرين خلسة أو علنًا بقصد لفت الانتباه أو فرض حديث غير مرغوب فيه. ويؤكد أن مثل هذه الممارسات تتنافى مع الأخلاق والقيم، وتزرع الشعور بعدم الأمان في أماكن يفترض أن تكون مريحة وآمنة للجميع، فضلًا عن إمكانية أن تترتب عليها تبعات قانونية.
ومن جانب آخر، يرى سعيد الرويضي أن الإفراط في التوثيق أفقد الناس متعة عيش اللحظة؛ إذ بات كثيرون يتابعون الفعاليات من خلف شاشات هواتفهم، منشغلين بجودة الصورة واختيار المرشحات والفلاتر المناسبة، على حساب متعة اللحظة بما تحمله من ضحك وتصفيق وتفاعل حقيقي مع ما يدور حولهم. وهكذا، تتراجع قيمة التجربة الحية، بينما تبقى الصورة وحدها، شاهدةً على لحظة لم تُعَش بكامل تفاصيلها.
وترى سهى الوهيبي أن الظهور العابر وغير المقصود في خلفيات مقاطع الفيديو يعد أمراً طبيعياً بحكم طبيعة الأماكن العامة، إلا أن الوضع يختلف تماماً عندما يتم التركيز على شخص محدد أو على عائلته؛ ففي مثل هذه الحالات يصبح الاستئذان أمراً واجباً، وشخصياً لا أتردد في الابتعاد أو مغادرة أي مكان إذا شعرتُ أن هناك من يصور بطريقة قد تسبب لي أو لعائلتي إحراجاً أو تنتهك خصوصيتنا.
وعلى المستوى الأسري أكدت سهى بأن المبالغة في انشغال أحد الأفراد بالتصوير ونشر اللحظات تؤثر سلباً على التواصل العائلي الحقيقي وتفوّت فرصة الاستمتاع الفعلي بتلك اللحظات، ولذلك، فإن الحرص دائمًا على وضع قواعد واضحة لحماية الخصوصية، وعدم السماح للكاميرا بالاستحواذ على الوقت المخصص للعائلة وجودة التواصل بين أفرادها.
الجانب الاجتماعي
ويستعرض من جانبه زكريا بن حمدان الفارسي مشرف إرشاد اجتماعي دافع الأفراد المستمر لتصوير الأماكن العامة ونشر حياتهم وحياة المحيطين بهم، حيث أوضح زيادة إقبال الأفراد على التصوير في الآونة الأخيرة أصبحت مرتبطة بشكل كبير بزيارة الأماكن العامة وتداول مقاطعها على وسائل التواصل الاجتماعي، وحلل الفارسي هذه الظاهرة من منظور اجتماعي بأنه يمكن الاستناد إلى النظرية التفاعلية الرمزية لتفسير هذا التوجه؛ باعتبار أن الفرد يهتم بالصورة التي يقدمها عن ذاته أمام الآخرين، حيث يستخدم المحتوى كرمز للتعبير عن مكانته الاجتماعية، ورغبته في الحصول على التفاعل الاجتماعي كالإعجاب والتقدير.
وحول الإفراط في تصوير ونشر الأنشطة اليومية في الأماكن العامة، أوضح الفارسي بأنه يعتمد على التوجه الفكري للفرد نحو وسائل التواصل الاجتماعي والمحصلة التي يرغب في الوصول إليها، فقد يصل هذا السلوك إلى مرحلة الإدمان، فتجد الشخص يكاد لا يصل إلى موقع معين حتى يفتح الهاتف للتصوير. في المقابل تكتفي بعض الفئات بالتقاط بعض الصور بهدف التوثيق والاحتفاظ بلحظاتها مع المقربين، وبالتالي فإن مسألة الحصول على تقدير يمكن إسقاطه على الفئات المدمنة والتي تعمد على نشر محتوياتها في جميع منصات التواصل.
الأثر النفسي
وبين الفارسي بأن الأثر النفسي على الأشخاص الذين يجدون أنفسهم مصورين في العلن دون رضاهم، يتفاوت بين الأفراد، فقد يتجاوز البعض الموقف ويمرره بسهولة، بينما يشعر آخرون بالدهشة وعدم التقبل نتيجة هذا التصرف، بالإضافة إلى الإحراج الناتج عن انتهاك الخصوصية، أو انخفاض الشعور بالثقة أو الأمان تجاه الآخرين، كما ينعكس ذلك في صورة ضغط نفسي أو الشعور بالوصمة الاجتماعية في حال نشر الصور بطريقة ساخرة أو مسيئة.
تأثير التوثيق
وبيّن المشرف الاجتماعي أنه نتيجةً للممارسات الدائمة لمدمني التوثيق قد يجد الشخص نفسه في موقف يجعله يتجنب التواصل معهم أثناء مصادفتهم في الأماكن العامة، خشية أن يفتحوا هواتفهم لتصويره دون رغبته في إظهار نفسه أمام الآخرين عبر الشاشات الذكية.
وأفاد الفارسي بأن هناك بعض المؤشرات يمكن من خلالها التنبؤ بأن مدمني التصوير قد وصلوا إلى مرحلة الهوس، والتي من أبرزها اهتمامه بتصوير الموقع أو الحدث أكثر من الاستمتاع به، والشعور بضرورة التصوير في كل مناسبة، وإهمال الأسرة أو العمل نتيجة كثرة المشاركة في الأحداث، وتجاوز خصوصية الآخرين بغرض الحصول على الصور التي تعمل على زيادة متابعيه، وشدد الفارسي على أهمية وعي الجميع بالمواد القانونية المتعلقة بخصوصية الآخرين، والوعي بأن التصوير وسيلة وليس غاية أساسية أثناء حضور المناسبات الاجتماعية والتجمعات الأسرية على سبيل المثال، فالاستمتاع باللحظات الجميلة يفوق الاهتمام بملازمة الكاميرا، كذلك ضرورة تعزيز دور الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام في ترسيخ الاستخدام المسؤول للتصوير.
حرية التوثيق
وأوضح سرحان بن سليمان المحرزي محامي الحدود القانونية للتصوير في الأماكن العامة، والفرق بين توثيق المشهد وانتهاك الخصوصية، في ضوء التشريعات العُمانية، مبيناً بأن وجود الإنسان في مكان عام لا يعني تنازله عن خصوصيته، ولا يمنح الآخرين إذنًا مفتوحًا لتصويره، فقد يكون المكان عامًا، بينما تكشف الصورة موقفًا شخصيًا أو عائليًا يستحق الحماية، وأوضح أن المادة (٣٣٢) من قانون الجزاء تجرّم الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة في غير الأحوال المصرّح بها قانونًا، ومن صوره التقاط صور الأفراد أو نقلها بواسطة جهاز، كما تتناول المادة (٣٣٠) نشر الأخبار أو الصور أو التعليقات المسيئة إلى الحياة الخاصة أو العائلية دون رضا ذوي الشأن، ولو كانت صحيحة، مضيفاً لا يكفي السؤال عن مكان التصوير وحده، بل يجب النظر أيضًا إلى ما تكشفه الصورة، وظروف التقاطها، وكيفية استخدامها.
وأوضح المحرزي الفرق بين تصوير شخص بعينه أوظهوره بصورة عابرة في المشهد، وبيّن أن التركيز على شخص محدد، أو ملاحقته بالكاميرا، يختلف من حيث دلالته وظروفه عن ظهوره عرضًا ضمن مشهد واسع، لكنه أكد أن هذه التفرقة لا تكفي وحدها للحكم بالتجريم أو الإباحة، حيث إن ظهور شخص في الخلفية ليس حصانة قانونية للمصوّر، فقد تكشف اللقطة -رغم ذلك- موقفًا خاصًا أو محرجًا، وفي المقابل، لا يصح اعتبار كل ظهور عابر للأشخاص جريمة تلقائيًا، والتقدير يرتبط بظروف الواقعة ومدى توافر عناصر الاعتداء على الخصوصية، وأكد المحرزي على ضرورة الحصول على موافقة واضحة عند جعل شخص بعينه موضوعًا للتصوير، وتحديد ما إذا كانت الموافقة تشمل النشر، وعلى أي نطاق.
وعن العقوبات المترتبة على الاعتداء على الخصوصية بالتصوير أو النشر الإلكتروني، أكد أن المرجع الأساسي حاليًا هو المادة (٣٦) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (٦١/٢٠٢٦) مع مواد قانون الجزاء التي أشرنا إليها، مضيفاً بأنه تقرر المادة، عند توافر شروط تطبيقها، السجن من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وغرامة من ألف إلى خمسة آلاف ريال عُماني، أو إحدى هاتين العقوبتين، وتشمل صور الاعتداء التي تعالجها التقاط الصور وبعض أوجه تداولها واستخدامها، ولا تقتصر على النشر وحده، وأشار إلى أن النص يتناول كذلك نشر الصور والمعلومات الصحيحة بقصد الإضرار بالشخص، والتعديل على الصور أو المقاطع بقصد التشهير أو الإساءة، ولذلك فإن صحة الصورة لا تمنح ناشرها حماية تلقائية من المساءلة، وأشار إلى أن اقتران المحتوى بالسب أو القذف الإلكتروني قد يثير تطبيق المادة (٤٩) بشأن العلانية، أو المادة (٥٠) عند وقوعه بغير علانية، بحسب عناصر الواقعة.
وحول سؤال متى يجوز التصوير دون طلب إذن، أفاد: لا يمكن وضع قائمة عامة تجعل كل تصوير أمني أو إعلامي أو علمي مباحًا دون شروط، فالعمل الذي تجريه جهة مختصة يستند إلى صلاحيات وإجراءات قانونية، ويظل مقيدًا بحدودها، أما تصوير المشاهد العامة والفعاليات، فيجب تقييمه بحسب طبيعته وظروفه، مع احترام الخصوصية والقيود المنظمة للمكان، ومجرد وصف التصوير بأنه توثيقي أو صحفي لا يمنح إعفاءً تلقائيًا من المسؤولية، وأكد ضرورة الفصل بين مشروعية التقاط الصورة ومشروعية نشرها، فالموافقة على التصوير لا ينبغي فهمها تلقائيًا على أنها موافقة على إتاحته للجمهور أو استخدامه في سياق مختلف.
كما تطرق المحرزي الضوابط المتعلقة بتصوير الأطفال والمصابين، حيث أشار إلى أن القانون الجديد تناول هذه الحالات بنصوص مباشرة، إذ تعالج المادة (٣٦/٤) التقاط صور المصابين أو الموتى أو ضحايا الحوادث أو الكوارث ونقلها أو نشرها دون تصريح أو موافقة ذوي الشأن، كما تتناول المادة (٣٦/٧) استغلال طفل لم يبلغ الخامسة عشرة كمحتوى إعلامي بصورة سلبية، وقال: على المستوى العملي والإنساني، ينبغي أن تكون مساعدة المصاب وصون كرامته متقدمتين على تصويره، كما أن موافقة ولي الأمر لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مبررًا لإهانة الطفل أو استغلال ضعفه، وأنصح بتجنّب نشر لحظات بكاء الأطفال أو خوفهم أو معاناتهم بقصد استقطاب المشاهدات، فما يراه الناشر لقطة عابرة قد يبقى أثره مع الطفل طويلًا.
وقد تعاملنا مع قضايا مرتبطة بالتصوير ونشر المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي، فإن الرسالة التي أؤكدها هي ضرورة التفكير في أثر الصورة قبل نشرها، وعدم افتراض أن سهولة حذفها لاحقًا تجعل نشرها أمرًا بسيطًا.
واختتم المحرزي حديثه بنصائح عدة عند توثيق مشهد عام، من خلال التقليل من ظهور الأشخاص الذين لا تستلزم اللقطة إظهارهم، والاستعانة بالقص أو التمويه عند الحاجة، مع الانتباه إلى أن الشخص قد يُعرف من صوته أو ملابسه أو سياق التصوير، وتجنب تصوير الأطفال في مواقف محرجة، وعدم جعل صور المصابين وضحايا الحوادث مادة للمشاهدة والتداول، الالتزام بالتعليمات المشروعة المنظمة للتصوير في المنشآت والفعاليات، حيث إن السماح بالدخول لا يعني السماح بتصوير كل ما فيها.
