No Image
ثقافة

رواية "صفر فاصل خمسة".. مشاعر الإنسان المعاصر في ميزان الذكاء الاصطناعي

15 أكتوبر 2026
15 أكتوبر 2026

القاهرة "رويترز": مغامرة يخوضها رجل في الأربعينيات من ⁠عمره داخل عالم الذكاء الاصطناعي، يلتقي خلالها بشخصيات لم يكن ليقابلها في حياته العادية ويزور بلادا بعيدة لأول مرة، لكن الأمور سرعان ​ما تخرج عن السيطرة ويختلط الواقع بالخيال وتصبح ​حياته العائلية على المحك.

فما الدافع وراء مثل هذه التجربة غير محسوبة العواقب، وكيف يهرب الإنسان المعاصر من حصار أدوات التكنولوجيا المتطورة.. هذا ما تدور حوله رواية "صفر فاصل خمسة" للروائي المصري أحمد القرملاوي.

الرواية الصادرة عن دار ديوان للنشر في 167 صفحة هي السابعة لمؤلفها الحائز على جائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع المؤلف الشاب عام 2018 إضافة إلى مجموعتين قصصيتين، وتم اختيارها مؤخرا ضمن 10 أعمال روائية ستعرض على ملتقى "من الكتاب إلى الشاشة" الذي ينظمه مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لأول مرة ⁠في نوفمبر، بهدف جذب شركات الإنتاج والمنصات الرقمية نحو الروايات القابلة للتحويل إلى أعمال سينمائية.

تسرد الرواية معاناة عمر الحجاوي ⁠الذي يعمل مديرا لشؤون العاملين في شركة مملوكة لمجموعة شركات متعددة الجنسيات، راتبه سخي، ومتزوج من هانيا، التي أنجب منها بنتا واحدة، لكنه يعاني من الممل وفقد الشغف بالحياة عامة، لتتلقفه منصات التواصل الاجتماعي التي باتت تقرأ أفكار ورغبات المتابعين حتى دون أن ينطقوا بها، وتغمرهم بعروض ومنتجات لا نهائية حتى يستسلموا تحت ‌ضغط الإلحاح والإغراء.

يقول عمر في مستهل الرواية "الريلز تحاصرني، تتربص بدخولي إلى الفيسبوك أو ​الإنستجرام، فتقفز إلى الواجهة وتقول لي: ⁠لا نزال في انتظارك. عليك أن تجرب العقار الجديد. لا بد للممل من نهاية. لا بد للأرق من ​دواء ناجع. نحن نشعر بك، نعرف كم ‌تكبدك الحياة من أوجاع مزمنة تنغص عليك عيشتك، كأنها خراج عميق تحت ضرسك. لا تحمل هما؛ بيدنا إزالة العصب المعطوب، بيدنا شفاؤك من الشقاء، من اليأس المختبئ خلف البسمات المصطنعة. بيدنا خلاصك من... من ​كل شيء. نعم، كل شيء. فقط اتصل بنا على...".

ينضم عمر إلى "أخوية 0,5" وهي عبارة عن مجموعة تطوعية تسهم في تغذية مساعد جديد للذكاء الاصطناعي بالمشاعر والخبرات البشرية، لكن المشاركة تتطلب الانعزال لمدة ثلاثة أيام داخل غرفة تختارها إدارة المجموعة وفق طباع وسن وميول كل منضم جديد، فيقرر خوض هذه المغامرة سرا، ويكذب على زوجته قائلا إنه سيسافر في مهمة تدريبية خارج مصر، ويكذب في العمل قائلا إنه سيذهب للغرض ذاته لكن على نفقته ‌الخاصة، وبذلك يصبح وحيدا داخل غرفة في منزل متواضع بمنطقة المقطم، ليس معه سوى نظارة المحاكاة التي تقوده إلى مغامرة غير محددة ​الوجهة أو المعالم.

يقول مستسلما في بداية الرحلة "الحقيقة أنني لا آمل في أي شيء، ولا يعنيني أي شيء. لا أبحث عن نتائج محددة، ​ولم آت ‌هنا ⁠إلا أملا في التخلص من السأم".

تنقسم المغامرة إلى ثلاث مراحل، السفر والفقد والتيه، فيبدأ عمر بمرحلة السفر، ليجد نفسه يسافر افتراضيا إلى جمهورية الجبل الأسود (مونتينيجرو) بهوية مدير للمبيعات وتطوير الأعمال في شركة أدوية ذاهب لحضور حفل زفاف صديق قديم، وفي الطريق يتعرف على باتريشيا، فتاة في الرابعة ​والعشرين من العمر وتعمل (راقصة جوجو) في دبي، تسافر من أجل تحقيق حلمها بالمشاركة في مهرجان لفنون الشارع ⁠يقام في مدينة ​تيفات الساحلية.

يقرر عمر التخلي عن حفل الزفاف ومرافقة باتريشيا إلى المهرجان الذي تنجح خلاله في لفت الأنظار بأدائها الاستعراضي المميز وحيويتها، وبعد العودة إلى الفندق الذي نزلا فيه سويا تختفي باتريشيا ويصبح عمر المشتبه فيه الأول، فتأخذ الرواية مسارا تشويقيا وتتسارع الأحداث التي تدفعه إلى محاولة الفرار من تجربة الذكاء الاصطناعي والعودة إلى الواقع، لكن خيوط الخيال والواقع تتشابك وتظهر دوافع عائلية تجبره على استكمال المغامرة التي تقوده إلى إعادة ​التعرف على نفسه من منظور مختلف وتقييم حياته من جديد.

الرواية رغم أنها قصيرة فهي مكثفة الأحداث، تأتي ​فصولها سريعة دون عناوين، وصيغت بلغة بصرية دقيقة تحاكي مقاطع الفيديو القصيرة التي طاردت بطل العمل منذ أول سطر، لتصنع حالة من التماهي بينه وبين القارئ، الذي ربما يشعر أيضا بالممل وفقد الشغف لكنه لم يجرؤ بعد على خوض تجربة بمثل هذه الغرابة.