مراحل انهيار أمريكا السبع
14 أكتوبر 2026
14 أكتوبر 2026
ترجمة: أحمد شافعي
عندما ذهب دونالد ترامب إلى قاعدة أندروز المشتركة في الثالث والعشرين من سبتمبر لاستقبال شي جينبنج، لم يغب ذلك عن أعين المحللين الاستراتيجيين.
فالرؤساء الأمريكيون نادرا ما ينتظرون القادة الأجانب الزائرين على المدرج ما لم يكونوا راغبين في قول شيء. ولم تكن تلك الإشارة محض شذوذ غير مألوف أو تعبيرا عن مودة شخصية وإنما كانت إشارة إلى أن واشنطن تتعامل مع الصين الآن بوصفها ندا، ومنافسا يقف معها على قدم المساواة.
كيف للبلد الذي وضع نفسه موضع «القوة العظمى» الوحيدة في العالم، والقوة التي لا غنى عنها لنظام ما بعد الحرب، أن يبلغ هذا المبلغ؟ ليس بوسع أرقام إجمالي الناتج الوطني، وميزانيات الدفاع، وتصنيفات الجامعات، والابتكارات، والموازين التجارية، أن تحكي إلا طرفا من القصة.
لكنها لا تفسر حالة الأمريكيين المزاجية. ومن أجل ذلك، تنفعنا الاستعارة من علم النفس.
الحزن من أكثر المشاعر شيوعا بين البشر. ومن شأن الوفاة أو انتهاء علاقة أو المرض الجسيم أو فقدان مكان بعد شقاء في نيلها أن تترك المرء في حالة من البلادة وفقدان الاتجاه.
في عام 1969، وضعت عالمة النفس إليزابث كوبلر روس خمس مراحل للتأقلم في كتابها «عن الموت والاحتضار» هي: الإنكار والغضب والمساواة والاكتئاب والقبول. ثم جاءت من بعدها الكاتبتان إيريس لين ونهِي يو هواينه في كتابهما «مراحل الحزن السبع» فوسّعتا النموذج إلى سبع مراحل: الصدمة والإنكار والغضب والمساومة والاكتئاب وإعادة البناء والقبول.
ولا يعتقد أحد ممن ذاق فقد شخص أن المراحل السبع تأتي وفق ترتيب محدد. فالناس تتراجع، وتتجاوز، وتقفز إلى الأمام، وتعيش مرحلتين في آن واحد. ويقال إن الأمم مثل ذلك.
وليس بجديد القول بأن الغرب يأسى على فقدان مكانته. فقد استعمل وزير الخارجية السنغافوري السابق جورج يو إطار كوبلر روس ليصف رد فعل الغرب على صعود الصين.
في قراءته «يمر الغرب حاليا بمرحلة المساومة، ولم يقطع بعد الطريق الصعب إلى الاكتئاب والقبول». وبعرض تشخيصه على نسخة المراحل السبع يتبين أنه يفتقر إلى مزيد من التفصيل، فضلا عنه أنه يثير الجدل، وهو ما سأعرض له في هذه المقالة.
الصدمة
على مدى عقود منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة مركزا العالم اقتصاديا وعسكريا وتقنيا وثقافيا بلا منازع.
كانت المؤسسات غربية القيادة، من صندوق النقد الدولي إلى البنك الدولي إلى منظمة التجارة العالمية، هي التي تضع القواعد.
وكانت منتجات الغرب وأنماط حياته هي التي ترسم المطامح. وبعد الحرب الباردة، أعلن البعض في الغرب «نهاية التاريخ» وذهبوا إلى أن الديمقراطية الغربية هي التي سوف ينتهي إليها كل مجتمع.
وجاءت اللطمة الأولى من نمو الصين بعدما أطلق دينج شياو بينج «الإصلاح والانفتاح» سنة 1978؛ إذ ركن الغرب لوهلة إلى اعتبار الصين ورشة العالم التي تصنع السلع الرخيصة تاركة العمل البارع للآخرين.
وبحلول عشرينيات القرن الحالي أصبحت هذه صورة غير قابلة للدفاع عنها؛ إذ حققت الشركات الصينية الريادة في المركبات الكهربائية والبطاريات والطاقة النظيفة والجيل الخامس ونافست بشدة في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات. وأصيب صناع السياسة في واشنطن وبروكسل بالذهول.
ومثل شخص مكلوم يسلك في ظاهر الأمر مسلكا طبيعيا بينما أعماقه خواء، كان الغرب بطيء الاستيعاب لحقيقة أن عهد احتكاره قد ولّى.
الإنكار
غالبا ما تنزاح الصدمة مفسحة المجال للإنكار، وقد اتبع الغرب ذلك النمط.
على مدار سنين، كان الرأي المعياري هو أن الإحصائيات الصينية مختلقة، وأن شركات الصين تنسخ لا أكثر، وأن الإبداع لا يمكن أن يزدهر في ظل دولة الحزب الواحد الاستبدادية، وأن النظام السياسي عما قريب سوف ينهار تحت وطأة تناقضاته.
وكان في كل زعم من هذه نزر من الحقيقة، فتيسر التشبث به. وكان كل زعم أيضا طريقة لرفض قبول الخسارة.
وهنا تكمن مفارقة؛ فبعد حروب الأفيون في القرن التاسع عشر، رفض بلاط تشينغ في أول الأمر أن يسلم بتفوق السفن الحربية والتكنولوجيا الغربية، فدفعت الصين ثمن هذا الرفض غاليا. والآن انقلبت الآية.
الغضب
عندما استحال رفض قوة الصين الصناعية وتقدمها التكنولوجي، آن أوان الغضب. ويعزى إليه كثير من سياسة أمريكا تجاه بكين خلال العقد الماضي.
أعربت واشنطن وحلفاؤها عن استياء شديد من انتهاك الملكية الفكرية، ودعم الدولة، وحقوق الإنسان، وتايوان، وبحر الصين الجنوبي. ووجد الغضب متنفسا له أيضا في الرسوم الجمركية وقيود التصدير على شركة هواوي وسلسلة توريد أشباه الموصلات والضغط على تطبيق تيك توك والتجمعات الأمنية من قبيل تحالفي كواد وأوكوس.
تلاحظ لين وهواينه أن الناس في هذه المرحلة كثيرا ما يوجهون آلامهم إلى الخارج، إلى عدو، لا إلى الداخل. ويسهل علينا تبين النسخة الأمريكية من هذا النمط. فقد كان تراجع التصنيع والاستقطاب السياسي واتساع فجوة التفاوت في الدخول ظواهر محلية إلى حد كبير. لكن كان الأيسر اعتبار أن الصين هي الآثمة في هذه المشكلات.
المساومة
هذا هو موضع الغرب اليوم في رأي جورج يو، والوصف ينطبق على كثير من السياسات الراهنة؛ فبعد الفشل في «الانفكاك» عن الصين، تتحدث حكومات الغرب اليوم عن «تقليل المخاطر» وتنويع سلاسل التوريد. والهدف هو الحفاظ على مكتسبات التبادل التجاري مع تقليل الاعتماد، والمشاركة في العمل التجاري وفق شروط توضع في واشنطن وبروكسل لا في بكين.
ومن وراء كل ذلك اللغو التكنوقراطي يكمن الحلم القديم بالرجوع بالزمن. ومثلما تشير لين وهواينه، فإن من يميلون إلى مساومة الفقد ينتهي بهم الحال بتعذيب أنفسهم بقولهم «ماذا لو»: ماذا لو لم نسمح للصين مطلقا بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية؟
الاكتئاب
نادرا ما تفلح المساومة؛ فلا يكاد يتبين أن الظروف لن تبطئ تقدم الصين أو تحيي النظام القديم، حتى يتسلل شعور باليأس، وثمة علامات كثيرة مشهودة بالفعل في الولايات المتحدة وأوروبا على ذلك، من انقسامات سياسية مريرة، وتطرف في تفاوت الدخول وتهاوٍ للثقة في المؤسسات الديمقراطية وتداعٍ للبنية الأساسية وجيل شاب يستبعد أن يعيش الحياة الطيبة التي عاشها آباؤه.
ما يريد جورج يو قوله هو أن الغرب لن يستطيع أن يرى الصين في صفاء إلى أن يمر بمرحلة تأمل لضعفه الخاص.
والألم، كما هو الحال في الحزن الشخصي، له نفعه؛ فما لأحد أن يعيد البناء ما لم يعترف أولا بما خسره، وهذا أمر غير مريح لمجتمع ألف أن يقال له إنه استثنائي.
إعادة البناء
تحدث إعادة البناء عندما يتوقف المرء عن التساؤل عن السبب في حدوث ما حدث، ويتساءل بدلا من ذلك عما لا يزال بالإمكان القيام به. والإدراك الأساسي هو أنه في حين لا يستطيع المرء أن يغير موقفا، فإن بوسعه أن يحدد كيف يكون رد فعله عليه.
ويعني هذا في حالة الغرب معاملة صعود الصين باعتباره حقيقة تاريخية لا خطرا وجوديا أو إهانة.
فالطاقة المهدرة على محاولات عقيمة للاحتواء يمكن إعادة توجيهها لتصبح مصادر قوة للغرب: من جامعات عالمية المستوى، وبحث أصيل، ومجتمعات مفتوحة، ومؤسسات سليمة.
ويصبح الهدف هو العثور على دور جديد متوازن في عالم متعدد الأقطاب، لا استرداد عالم ذي قطب واحد.
القبول
المرحلة الأخيرة هي الأشد نضجا، وهي الأيسر فهما. والقبول لا يعني الاستسلام، ولا يعني أن الولايات المتحدة بحاجة إلى التخلي عن القيم الغربية، إنما يعني التخلي عن غطرسة التفوق والتعامل مع العالم بما هو عليه.
تصف لين وهواينه القبول باعتباره الفهم الواقعي لوضع معين، مصحوبا بالإبداع والتكيف. ومن الناحية الجيوسياسية، هذا شرط للتوازن الدائم القائم على القواعد بين واشنطن وبكين.
فحينئذ فقط يمكن للقوتين أن تتعاونا تعاونا جديا في المشكلات التي لا يمكن لأي من البلدين أن يحلها منفردا، من قبيل تغير المناخ، والأوبئة والاستقرار التمويلي والأمن النووي والمخاطر المصاحبة للذكاء الاصطناعي.
أين تقف الولايات المتحدة فعليا؟
تختلف رؤيتي بعض الشيء عن رؤية جورج يو. إذ أعتقد أن الولايات المتحدة تجاوزت أكثر مما يراه، وأن استقبال قاعدة أندروز المشتركة دليل ذلك.
لكن هذا الزعم بحاجة إلى إيضاح. فمرحلتا الاكتئاب وإعادة البناء ـ بحسب وصفهما في ما سبق ـ لم تكتملا. وتظل السياسة الأمريكية ابنة الغضب، فلن يصف كثيرون من أعضاء الكونجرس سياستهم تجاه الصين بالمساومة، ناهيكم بمرحلة القبول. لكن الحزن لا يمضي في مسير منتظم.
بوسع مجتمع أن يساوم في ما يتعلق بسياسته التجارية، وأن ييأس في ما يتعلق بسياسته الداخلية، وأن يقبل في دبلوماسيته، في آن واحد. وقيام رئيس باستقبال نظيره الصيني في المدرج، مع كل ما يصاحب ذلك من طقوس المجاملة الرسمية، إنما هو يفعل شيئا لا يستطيع أن يفعله بلد لا يزال في حالة الإنكار.
إنما هو يعامل الطرف الآخر معاملة الند. وهذا هو التحول السيكولوجي الأساسي، بغض النظر عن النزاعات الخفية المتعلقة بالرسوم الجمركية والرقائق.
لكن إذ كان هذا التفسير دقيقا، فليست المشكلة في وقوع واشنطن أسيرة الحزن، ولكن في ارتباكها بين الأمرين. فالقبول البادي في بادرة القاعدة الجوية، وإن لم يصدق في مناح سياسية أخرى، لا يمكن وصفه بالقبول، إنما هو تفاوض في هيئة أخرى.
دورة لا مؤامرة
كثيرا ما يصوِّر الغرب صعود الصين الحديث باعتباره خدعة أو شذوذا؛ في حين أنه أيسر فهما باعتباره جزءا من دورة تاريخية طويلة. ويوضح جورج يو أن الصين مرت بأمر مماثل خلال «قرن المذلة» ـ منذ حرب الأفيون سنة 1840 حتى ثورة 1949 - عند مواجهتها للقوة والتكنولوجيا الغربيتين.
ففي البداية، كافحت الصين الغزاة وسمحت لغضبها أن يتجلى في أحداث من قبيل ثورة الملاكمين. لكن الصين عرفت لاحقا ضعفها وتبنت سياسة إصلاح، وقبلت الرأسمالية والتكنولوجيا الغربية ابتداء بعام 1978.
والآن على الغرب أن يتعلم الدرس الذي تعلمته الصين بعد عنت طويل: وهو أنه ما لقوة أن تدوم إلى الأبد، وأنه كلما سارعت أمة خائرة بالتكيف، كان ذلك خيرا لها.
مستقبل مشترك
الغرض من الحزن، في الحياة الخاصة والعامة، هو التخلي عن الحنين والعيش في الحاضر. ولو أن الولايات المتحدة وحلفاءها قادرون على بكاء تفوقهم المتلاشي في هدوء ودونما ذعر استراتيجي، فيمكن أن يكون القرن الحادي والعشرون أكثر استقرارا واحتواء مما كان عليه في عقوده الأولى.
وإن عجزت، وبقيت تعامل صعود الصين باعتباره محض خطر، فسينجرف العالم إلى مواجهة، وإلى حرب كارثية وفقا لأسوأ السيناريوهات.
لعل استقبال ترامب لشي في قاعدة أندروز خطوة دبلوماسية إلى القبول، ولعله غير ذلك. لكن الأكيد هو أنه مما ينافي الحكمة أن نفرط في تأويل محض لحظة مراسم واحدة.
لكن التاريخ علمنا مرارا الدرس نفسه: وهو أن سيطرة امبراطورية أو حضارة لا تدوم. والمجتمعات التي تزدهر هي التي تتعلم التعايش مع التغير.
