No Image
عمان اليوم

قدرية التوبي: الاحتواء الحقيقــي هو أعظم إنجازات الأمومة

17 أكتوبر 2026
17 أكتوبر 2026
أم في بيتها وملاذٌ آمـن خلف أبواب دور الأيتام

لا تقتصر بطولات المرأة العُمانية على الواجهات أو المنابر، بل تمتد لتصنع الحياة، حيث يخفت الصخب، خلف أبواب دور رعاية الأيتام، تتداخل خطوط الأمومة بالرسالة الإنسانية النبيلة، لتعيش نساء استثنائيات حملن على أكتافهن أمانة ثقيلة، ويدركن تمامًا أن العطاء الحقيقي لا ينتظر جزاءً ولا شكورًا.

تبدأ الحكاية من خطوة أولى تعبرها «قدرية بنت ياسر التوبي» إلى داخل الدار، بصفتها رئيسة قسم الرعاية الاجتماعية والنفسية بمركز رعاية الطفولة وبيوت الشباب بوزارة التنمية الاجتماعية، لا ترى في عملها مجرد وظيفة روتينية تبدأ وتنتهي بساعات الدوام، لكنها تؤمن أن الصباح هنا يحتاج إلى وجه مألوف وابتسامة تزرع الطمأنينة، تتفقد أطفال الدار فردًا فردًا، تطمئن على ليلتهم الماضية، وتعلم يقينًا أن البداية الدافئة هي المفتاح الذي يذيب أي قلق خفي، ويهيئ النفوس الصغيرة ليوم طويل يحتاج إلى الكثير من الاحتواء.

تخبرنا قدرية أن اللحظات الأكثر دفئا هي حين يتعلق بها طفل جديد بشدة؛ يبحث في حضورها عن مرسى أمان يعوضه عاصفة الفقد التي عاشها، تقول: «أجد نفسي أمام خيط رفيع يحتاج إلى توازن دقيق بين قلبي وواجبي المهني؛ أتعامل مع هذا التعلق بحذر حنون، واضعةً استقرار الطفل النفسي ومصلحته فوق كل اعتبار».

وحين تشتد الصدمات وتمر بالدار أزمات طارئة تخص الأطفال، تعترف التوبي أن القلق يرافقها حتى خارج أوقات العمل، لكنها لا تستسلم للحزن، وتحيل هذا الشعور فورًا إلى عمل جماعي؛ وتتعاون مع فريقها على صياغة خطط علاجية سريعة ومدروسة تعيد للأطفال توازنهم وسلامهم.

في الجهة المقابلة، تعيش «قدرية» معركة يومية صامتة بين ضغوط العمل وبيتها، فالمنزل بالنسبة لها جبهة أخرى للمسؤولية تجاه زوجها وأبنائها، والثمن هنا يُدفع من رصيد الأوقات الهادئة داخل الأسرة؛ ويلاحقها الأرق كلما مرض طفل أو بقيت مشكلة أحدهم معلقة بلا حل.

لكن وسط هذه العواصف، يبقى دعم العائلة وتفهمها هو المظلة التي تحميها من الانهيار، وحين يتسلل إليها ذلك الشعور الموجع بالذنب، تتساءل إن كانت أمًّا مقصرة أو موظفة منشغلة عن بيتها، تعود لتلتقط أنفاسها، وتدرك بحكمة أن تنظيم الوقت هو طوق النجاة الوحيد ليظل كلا الجانبين متزنًا في حياتها.

وتحكي قدرية عن أصعب لحظاتها العاطفية تلك التي تودع فيها طفلًا رعته وأحبته كقطعة من روحها، ليمضي نحو عائلة جديدة تتبناه، لحظة يعتصر فيها القلب بين غصة الفراق وراحة البال؛ تفرح له من كل قلبها لأنه وجد بيتًا مستقرًا، وفي نفس الوقت تحن بصمت لبهجة ضحكاته التي كانت تملأ عليها يومها، ولتتجاوز هذا الانكسار المتكرر، كانت تهمس لنفسها دائمًا بكلمات تبقيها واقفة: «ما أفعله عظيم، والأثر الجميل يولد من أبسط التفاصيل، التعب يزول لكن الأثر الطيب يبقى للأبد».وتبقى اللحظة الإيجابية التي تشحن روحها بالآمال المتجددة؛ حين تزورها وجوه طالما رعت خطواتهم الأولى، لتراهم اليوم أشخاصًا ناجحين ومستقلين، ومواطنين فاعلين في مجتمعهم، هنا فقط تدرك أن كل دمعة كتمتها، وكل ليلة قادتها في التفكير، لم تذهب سدى، بل أزهرت حياة وأضاءت دروبًا مظلمة، مانحة إياهن جميعًا دافعًا أزليًا للاستمرار والعطاء بلا حدود، لتبقى المرأة العُمانية نبراسًا يُحتذى به في الإنسانية والتفاني.

وتختتم حديثها أنه بعد سنوات طويلة بين أروقة الدار، تغيرت نظرتها للحياة جذريًا؛ باتت أكثر تقديرًا لنعم الله الخفية، وأكثر صبرًا ورحمة بمشاعر المحيطين، وتعلمت أن العطاء الحقيقي غالبًا يكمن في الاحتواء والكلمة الطيبة.