لم أكن قد تجاوزت العشرين من عمري حين أصبحت «عجوزًا» على صفحات صحيفة رياضية مصرية شهيرة. كنت طالبًا بالسنة الثانية في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، وأعمل محررًا بالصحيفة، وكتبت مقالًا رياضيًا نقديًا قدمته إلى رئيس التحرير.
أعجبه المقال كثيرًا، لكنه قال إنه لا يستطيع نشره باسمي؛ لأن كتابة المقالات مقصورة على كبار الكتّاب، وإنه سيبحث لي عن اسم مستعار أوقّع به مقالاتي. اختار لي اسم «عجوز»، وظلت مقالاتي تحمل هذا التوقيع حتى تركت الصحيفة. كانت المفارقة أن النص استحق النشر، بينما احتاج اسم صاحبه الشاب إلى الاختفاء خلف صفة توحي بتقدم السن والخبرة.
تستعيد هذه الواقعة ظاهرة عرفتها الصحافة المصرية والعربية منذ مراحلها المبكرة، وهي الكتابة بأسماء مستعارة. ومن أشهر أمثلتها الصحفي المصري اليهودي يعقوب صنّوع، الذي ارتبط اسمه بلقب «أبو نظارة»، والذي حملته صحافته الساخرة المعارضة للخديوي إسماعيل.
وبعد مغادرته مصر إلى فرنسا عام ١٨٧٨، واصل إصدار صحافته من باريس، وكانت نسخها تصل سرًا إلى مصر رغم منع تداولها. وأصبح الاسم عنوانًا لصوت صحفي ومشروع سياسي، يتجاوز مجرد توقيع تحت مقال إلى علاقة ممتدة مع القراء.
تاريخ التخفي بأسماء مستعارة يشير أيضًا إلى عبد الله النديم، خطيب الثورة العرابية وصحفيها البارز، الذي توارى عن السلطات نحو تسع سنوات بعد هزيمة الثورة والاحتلال الإنجليزي لمصر، وتنقل متخفيًا بأسماء وصفات مختلفة.
انتقلت هذه الظاهرة إلى الصحافة المقاومة للاحتلال والصحافة المعارضة، وأصبحت حماية هوية بعض الكتّاب وسيلة لبقائهم على قيد الحياة. وعاد صحفيون مصريون إلى استخدام الأسماء المستعارة خلال فترات القمع السياسي، ومنها الفترة التي أعقبت زيارة الرئيس الراحل أنور السادات للقدس وتوقيع معاهدة السلام مع إسرائيل؛ إذ هاجر بعضهم، وشاركوا في إصدار صحف معارضة وتحريرها من لندن ودمشق وبغداد، وكان بعضهم يوقّع مقالاته بأسماء مستعارة اتقاءً للملاحقة.
وتعددت أسباب استخدام هذه الأسماء بين الحماية الأمنية، والكتابة الساخرة، والاعتبارات الاجتماعية، والأعراف التحريرية. ولهذا لا يمكن إصدار حكم أخلاقي واحد على كل استخدام لاسم غير الاسم الحقيقي؛ فالدافع والسياق والمسؤولية عوامل أساسية تؤثر في هذا الحكم.
تذكرت كل ذلك وأنا أتابع تقريرًا نشرته شركة «أوبن إيه آي» في الثامن من أكتوبر الجاري عن حملة تأثير أطلقت عليها «التوقيعات الوهمية». قالت الشركة المطوِّرة لــ«تشات جي بي تي» إنها عطّلت حسابات استخدمت سبع شخصيات صحفية مختلقة لتقديم مقالات نُشرت في وسائل إعلام حقيقية.
ورصد التقرير نحو مائة مقال منشور أو معاد نشره بتوقيعات وهمية منذ يوليو ٢٠٢٥، وأكد زيادة نشاط الحملة بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران. وظهرت هذه الشخصيات في صورة كتّاب غربيين متخصصين في السياسة والشؤون الدولية، تدعم بعضهم حسابات اجتماعية وسير تعريفية غير حقيقية تمنحهم مظهرًا مهنيًا مقنعًا.
استخدم القائمون على الحملة «تشات جي بي تي» لتوليد مقالات باللغة الإنجليزية وتحسينها، وتكييفها مع شروط النشر في المواقع الإعلامية المستهدفة، وإعداد رسائل تقديمها إلى المحررين. وأوضحت الشركة أن النشاط بدا متسقًا مع حملة تأثير مدفوعة الثمن تُنفذ لحساب جهات غير معلومة.
كان «إرفين هوسكينز» أحد الأسماء الوهمية المستخدمة في الحملة. ووصل مقال باسمه إلى صحيفة محلية في فلوريدا عبر خدمة توزيع مقالات رأي، فأسهمت الثقة بالوسيط في قبول النص دون تحقق مستقل من صاحبه.
وتتبع الباحث مارك أوين جونز ظهور الأسماء المرتبطة بالحملة في مواقع متعددة، وأوضح أن إعادة النشر والتوزيع وسّعت تداول بعض النصوص، وأن النشر السابق أصبح جزءًا من مؤهلات الشخصيات المزعومة. وهكذا يمكن أن تبدأ الهوية المصطنعة بمقال واحد، ثم تستند في تقديم نفسها إلى المقال نفسه، لتفتح أبوابًا جديدة للنشر وتراكم سجلًا يبدو حقيقيًا.
تكشف هذه الواقعة أن صفحات الرأي في الصحف قد تمنح حملة خفية ما تعجز حسابات منصات التواصل الاجتماعي عن الحصول عليه، وهو الدخول في علاقة ثقة قائمة بين مؤسسة إعلامية وجمهورها؛ فالقارئ يجد المقال داخل موقع يعرفه، وفي قالب مألوف، وتحت اسم مصحوب بتعريف مهني، فيتعامل معه باعتباره مساهمة في النقاش العام.
وتصبح سمعة المؤسسة جزءًا من قوة الرسالة، حتى لو كانت المؤسسة نفسها قد وقعت ضحية للخداع. وهذه، في تقديري، هي النقلة التي تستحق التأمل: تحويل إجراءات النشر وروابط الثقة المهنية إلى موارد تستثمرها جهة تخفي هويتها وأهدافها.
الواقع أن مسؤولية الصحف ومنصات النشر تتفاوت بحسب طريقة النشر؛ ففي موقع «ديلي كوس»، ظهرت مشاركات إحدى الشخصيات الوهمية في قسم المجتمع المفتوح للمستخدمين، الذي لا يخضع للمراجعة المسبقة من العاملين بالموقع.
وأبلغ موقع «ميدل إيست مونيتور» المعروف الإذاعة الأمريكية العامة بأنه يراجع استقبال مقالات الرأي ليعزز ضماناته التحريرية ويحدّ من نشر مقالات لكتّاب وهميين.
يطرح هذا الأمر سؤالًا يتجاوز القدرة على اكتشاف النص المولّد آليًا، وهو: من الذي يتحدث إلى القارئ؟ فالكاتب الحقيقي الذي يستخدم اسمًا مستعارًا يستطيع أن يكون معروفًا للمحرر، وأن يتحمل مسؤولية نصه، وأن يحافظ على صلة ثابتة بين توقيعه وبين تجربته وأفكاره.
وقد تكون حماية اسمه ضرورة مهنية أو شخصية. أما اختلاق صحفي ذي سيرة وخبرة وانتماء جغرافي مصطنع، لتقديم حملة منظمة باعتبارها آراء مستقلة، فيضيف إلى إخفاء الاسم ادعاءً بشأن مصدر الكلام وصفة قائله. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين سرية تحمي الكاتب وخداع يستثمر ثقة القارئ.
في تقديري، يحتاج الحكم على هذه الممارسة إلى فصل الرأي السياسي عن طريقة تقديمه؛ فنقد الحرب الأمريكية على إيران، على سبيل المثال، حق مشروع، والتعاطف مع ضحاياها موقف يمكن الدفاع عنه، واستخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين اللغة لا يجعل المقال مضللًا في ذاته.
موضع الخداع يتركز في إخفاء الجهة المتحدثة وراء شخصيات مصطنعة، وإيهام الجمهور بأن أصواتًا مستقلة تعبر عن مواقفها. نعم، قد تحمل بعض المقالات معلومات صحيحة وحججًا جديرة بالمناقشة، ومع ذلك فإن تقديمها يقوم على تضليل يتعلق بالهوية.
تحتاج الصحف، تبعًا لذلك، إلى تطوير معرفة محرريها بالكتّاب، خصوصًا أصحاب المساهمات الجديدة والمتكررة. ويشمل ذلك التحقق من السير المهنية، والتواصل المباشر مع الكتّاب، ومعرفة الجهة التي ترسل المقال، واستيضاح المصالح الخفية.
ويستحق المحتوى الموزع عبر الوسطاء القدر نفسه من العناية، لأن سلامة العلاقة مع شركات توزيع المحتوى لا تضمن سلامة كل هوية تقدمها. ويمكن حماية بيانات الكاتب والإبقاء على اسم مستعار معلن، مع معرفة المؤسسة بهويته ومسؤوليتها عن التحقق منه. فالشفافية المطلوبة أمام الجمهور لا تستلزم كشف كل معلومة شخصية أو تعريض أصحاب الآراء للخطر.
تستحق هذه الواقعة مساءلة شركات الذكاء الاصطناعي أيضًا. فإعلان تعطيل الحسابات خطوة جيدة، لكنه يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة عن سرعة اكتشاف إساءة الاستخدام، وحدود الأدلة المنشورة، وكيفية إخطار المؤسسات الإعلامية المتضررة. فمسؤولية التحقق تتوزع على المنصة والمحرر والوسيط، ولا تختزل في إعلان تقني بإغلاق حسابات.
أعود إلى توقيع «عجوز» الذي صاحب بداياتي الصحفية. كان وراء هذا الاسم طالب يعرفه رئيس التحرير ويقرأ ما يكتبه، حتى وإن رأى أن عمره واسمه لا يؤهلانه للظهور في باب المقالات.
واليوم تستطيع أدوات رقمية أن تمنح اسمًا مختلقًا ملامح وسيرة ولغة وسجلًا من المنشورات، فتجعل حضوره أكثر إقناعًا من حضور كاتب حقيقي في بداياته. قد تبقى الأسماء المستعارة جزءًا مشروعًا من الصحافة، لكن مشروعيتها تحتاج إلى مسؤولية بشرية واضحة. فحق الكاتب في حماية اسمه يقابله حق القارئ في أن يجد وراء الكلمات صاحبًا يمكن للمؤسسة أن تعرفه وتسائله.