تمويل التنمية يحتاج إلى أكثر من عـملة واحدة

12 أكتوبر 2026
12 أكتوبر 2026
يان وانغ - جاستن ييفو لين

لا تزال فجوة تمويل التنمية العالمية شاسعة، والبلدان النامية في احتياج إلى مزيد من الخيارات.

وفقا لمنظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)؛ تواجه البلدان النامية عجزا سنويا يبلغ 4 تريليونات دولار في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. ومع ذلك؛ خلال قسم كبير من فترة ما بعد الحرب كان تمويل التنمية مقوما في الأغلب الأعم بالدولار الأمريكي، الأمر الذي جعل هذه البلدان عرضة للتغيرات في تكاليف الاقتراض وأعباء الديون الناجمة عن السياسة النقدية الأمريكية، وشهية المستثمرين في الاقتصادات المتقدمة.

ما يدعو إلى التفاؤل أن الجهود الرامية إلى تنويع عملات الاقتراض بما في ذلك الاتجاه نحو العملات المحلية حظيت باهتمام متجدد منذ أوائل عام 2025. وقد أبرزت تغييرات أخيرة في السياسات والمؤسسات الاقتصادية الأمريكية مخاطر الاعتماد على عملة تمويل واحدة.

ويعكس الارتفاع الحاد الذي سجلته عوائد سندات الخزانة لأجل 30 عاما لتبلغ أعلى مستوياتها منذ عدة عقود من الزمن، المخاوف المتزايدة بشأن المسار المالي الذي تسلكه الولايات المتحدة، وارتفاع أسعار النفط الذي يغذي التضخم المتواصل.

في الوقت ذاته ظلت أسعار الفائدة الصينية منخفضة، وسعر الصرف مستقرا، الأمر الذي أدى إلى توليد زخم جديد في التمويل بالرنمينبي (اليوان الصيني).

وقد سجلت عمليات الاقتراض الخارجية بالرنمينبي بالفعل مستوى غير مسبوق في الارتفاع بلغ 149 مليار دولار في عام 2026.

يُعد النظام المالي الصيني من أكبر الأنظمة المالية في العالم؛ حيث يتجاوز إجمالي أصوله 450% من الناتج المحلي الإجمالي، فضلا عن سوق السندات المحلية التي تبلغ قيمتها 126% من الناتج المحلي الإجمالي. وبفضل معدل ادخار مرتفع دوما وضارِب بجذوره في ثقافة «التوجه الطويل الأجل»، تمتلك الصين واحدا من أكبر مجمعات المدخرات المحلية على مستوى العالم، وهذا يمنحها القدرة على الوصول إلى رأس المال الصبور الذي ينظر إلى ما هو أبعد من التقلبات القصيرة الأجل، ويدعم الاستثمارات الأطول أجلا في الإبداع، وتحسين الإنتاجية، ورأس المال البشري.

وعلى هذا فمن منظور أولئك الذين يتطلعون إلى تنويع عملات الاقتراض ينطوي الرنمينبي على إمكانية تحقيق توفير كبير في التكاليف. ولأن السياسة النقدية الصينية تتصدى للضغوط الانكماشية في حين يمر بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بدورة تشديد نقدي مطولة؛ فقد انخفضت تكاليف الاقتراض المقومة بالرنمينبي في كثير من الحالات بشكل ملحوظ إلى ما دون المعدلات المكافئة المقومة بالدولار الأمريكي.

يظل هذا صحيحا حتى بعد وضع مخاطر أسعار الصرف في الحسبان. وتشير الأدلة إلى أن مخاطر العملة في البلدان النامية يُـبالَغ في تقديرها بشكل منهجي.

وبرغم أن ارتفاع قيمة الرنمينبي في المستقبل قد تتسبب في تآكل بعض المكاسب الصافية الناتجة عن الاقتراض بهذه العملة؛ فمن غير المرجح أن تسمح السلطات الصينية بارتفاع حاد بدرجة كبيرة؛ نظرا للتداعيات التي قد تهدد الاستقرار المالي.

وبالتالي، إذا ظلت أسعار الفائدة على الدولار أعلى لفترة أطول، فمن المفترض أن يظل الاقتراض بالرنمينبي جذابا.

في ظل تدفقات رأس المال الحرة، كانت ميزة تكلفة الاقتراض لتتلاشى عبر عمليات المراجحة، وكان تكافؤ الفائدة المغطاة ليصمد. ولكن لأن الصين تفرض ضوابط على رأس المال؛ فإن ميزة التكلفة تظل قائمة.

وتتيح الأحكام التنظيمية والموافقات التي تمنحها الحكومة الصينية على أساس كل حالة على حدة للبلدان النامية التي تقترض بالرنمينبي التمتع بميزة التكلفة وإخراج العائدات من الصين.

ينطوي هذا أيضا على عائد تنموي أوسع؛ فاستخدام الرنمينبي في تمويل التنمية يخلق حوافز لتطوير أسواق رأس المال المحلية وأدوات التحوط، سواء في البلد المقترض أو في الصين نفسها. بالنسبة للصين يتماشى هذا مع الانفتاح التدريجي على حساب رأس المال وتطوير مراكزها المالية الدولية في شنغهاي وهونج كونج.

بدأت بنوك التنمية المتعددة الأطراف والمقترضون السياديون الأفراد على حد سواء في التحرك في هذا الاتجاه.

مؤخرا زاد بنك التنمية الآسيوي إصداره الافتتاحي من سندات باندا بمقدار 2 مليار يوان صيني (298 مليون دولار أمريكي)، كما يقدم بنك الاستثمار الآسيوي في البنية الأساسية مزيدا من التمويل المقوم بالرنمينبي.

علاوة على ذلك جعل بنك التنمية الجديد التمويل بالعملة المحلية جزءا أساسيا من استراتيجيته المؤسسية. تمثل القروض بالعملة المحلية حوالي 25% من إجمالي إقراضه، ويُصدِر البنك سندات مقومة بالرنمينبي (باندا) في سوق الصرف بين البنوك الصينية، ويقرض العائدات مباشرة للمقترضين.

بين البلدان النامية أصدرت مِصر أول سندات باندا المستدامة في إفريقيا في عام 2023 بقيمة 3.5 مليار يوان صيني لمدة ثلاث سنوات بمعدل فائدة اسمي 3.51% ــ وهذا أقل كثيرا مما كانت لتدفعه في أسواق الدولار الدولية في ذلك الوقت. كما أصدرت 13 دولة ذات سيادة ومؤسسة دولية أخرى سندات باندا حتى منتصف عام 2026، بما في ذلك الفلبين، وكازاخستان، وباكستان، وإندونيسيا.

من ناحية أخرى أعادت كينيا هيكلة قروضها الصينية المقومة بالدولار إلى الرنمينبي، لتحقق بذلك تخفيضات ملموسة في تكاليف خدمة الديون من خلال استبدال أسعار الفائدة المرتفعة بالدولار بمعدلات مكافئة أقل بالرنمينبي.

والآن تستطيع إثيوبيا، وموزمبيق، وزامبيا، وباكستان، وإندونيسيا السعي إلى إجراء تغييرات على غرار ما فعلته كينيا بتحويل أجزاء من قروضها الصينية الحالية المقومة بالدولار إلى الرنمينبي.

بطبيعة الحال لا تزال بعض القيود تحول دون زيادة استخدام الرنمينبي في تمويل التنمية؛ فهذه العملة ليست قابلة للتحويل بالكامل بعد، ويتطلب الوصول إلى السوق المحلية الصينية التعامل مع إطار تنظيمي معقد.

علاوة على ذلك تدير بلدان نامية عديدة عجزا مستمرا في الحساب الجاري مع الصين، وهذا يعني أنها لا تكدس احتياطيات بالرنمينبي بشكل طبيعي؛ لذا قد يتطلب السداد تحويل عملات أخرى إلى الرنمينبي، وهذا يعني التعرض لمخاطر ثانوية تتعلق بسعر الصرف.

ولأن بصمة الرنمينبي الدولية لا تزال متواضعة؛ فمن غير المرجح أن يحل محل الدولار كعملة رئيسية لتمويل التنمية، لكن الاقتراض المقوم بالرنمينبي يوفر لعدد كبير من البلدان بديلا جديرا بالثقة، ومتاحا على نحو متزايد، وفعالا من حيث التكلفة.

التنويع لا يعني التخلي عن خيار ما لصالح آخر، بل يتعلق بخفض تكلفة رأس المال، وبناء المرونة، وإيجاد التوازن. ومن ثم فإن الحجة لصالح إدراج الرنمينبي في استراتيجيات التنويع تستحق اهتماما جادا من جانب المقترضين والمؤسسات المالية المتعددة الأطراف التي تخدمهم.