كيف وصلت اليسارية الإسلامية إلى برلين؟

12 أكتوبر 2026
12 أكتوبر 2026
ترجمة: أحمد شافعي

برلين مدينة رائعة، حتى لو أن أجواءها العصرية تتجاوز بعض الشيء قدرة شخص تقليدي مثلي على الاحتمال. فالانغماس في الترف جزء من فتنة المدينة، والألمان ـ أو البروسيون على الأقل ـ بارعون في هذا، ولديهم القدر الكافي من حس النظام الذي يجعل الأمر كله يبدو فوضويا دون أن يفتقر إلى الأمن.

في آخر زيارة لي إلى العاصمة الألمانية في العام الماضي، بدا أن المزاج قاتم بعض الشيء.

فقد تبددت سياسات الضجر المستدام التي اتسمت بها الجمهورية الفيدرالية الناجحة في ما بعد الحرب، وبدا أن الذهنية التي أفلحت لوقت طويل قد صارت تدفع البلد إلى شفا كارثة. ولأني محب لألمانيا ومعجب بثقافتها، أجد هذا باعثا لحزن كبير، برغم أنه يلهيني أخيرا عن أوجاع بلدي.

ولن يتحسن هذا المزاج بالعمليتين الانتخابيتين الحديثتين اللتين جلبت أولاهما حزب (البديل من أجل ألمانيا) إلى مشارف السلطة في ولاية ساكسونيا-أنهالت، وتحققت في الثانية نتائج مذهلة لحزب اليسار (دي لينكه) وريث حزب شيوعيي ألمانيا الشرقية في برلين.

ما تفسير هذا التأييد لحزب البديل من أجل ألمانيا؟ ألأنه في المتناول؟ أم هو الحنين إلى عصر لم يكن له وجود، بدافع انعدام المساواة؟ أم لعله الذكاء الاصطناعي؟ ثمة فيل في الغرفة، أعني مشكلة ضخمة، لكن الناس يلجأون إلى شتى الحيل العقلية اجتنابا لذكرها.

وكل نقد لألمانيا ينطبق بالقدر نفسه على بريطانيا، وكل نقد من رجل إنجليزي يبدو أقرب إلى إسقاط، ولكن الملاحظة الشائعة في من يتكلمون إلى ساستهم أنهم يفتقرون إلى الخيال اللازم لتغيير المسار.

وكثير من الناس يجدون الراحة في فكرة أن «من يتبنى إطارا سلبيا لمسألة الهجرة، فقد بات دونما قصد في خدمة اليمين المتطرف».

ويعتمد هذا كله اعتمادا مفرطا على قوة السردية التي تؤثر على الساسة في أرجاء أوروبا الغربية ممن قبلوا بقدرة الكلمة على تشكيل الواقع، دون أن يقبلوا قدرة الواقع على تشكيل الرأي العام. وهذا ما يفضي إلى زيادة التخوف من المعلومات المضللة، والحديث عن الرقابة، والعقوبات الوحشية لخطاب الكراهية.

اقترحت مقالة في نيويورك تايمز «سياسات مبتكرة جديدة لمقاومة حزب البديل من أجل ألمانيا» من قبيل شراء «عقارات خاوية في المدن الداخلية» تكون «غرفا للاسترخاء والتخفف من التوتر»، بل واقترحت زيادة الهجرة.

فزيادة الهجرة، بمعنى ما، سوف تسحق اليمين المتطرف، على المستوى المحلي، وذلك بسبب وجود مزيد من المهاجرين الذين سيصوتون ضده. وبتلك الطريقة تمكن حزب العمال من «هزيمة الحزب الوطني البريطاني» في باركنج، ولكنكم لن تسعدوا بالمتطرفين الذين يصوت لهم المهاجرون.

يبدو غريبا أيضا بعد جيل واحد من تحطيم أبناء برلين للجدار أن يصوت ربعهم للذين أقاموا الجدار. ولكن أكبر تأييد حصل عليه حزب اليسار إنما جاء ممن لا تسمح أعمارهم الصغيرة بتذكر الشيوعية، ومن وافدين جدد علاقتهم مبهمة بماضي البلد. فقرابة نصف أبناء برلين اليوم مهاجرون أو أبناء مهاجرين حديثي العهد بالهجرة، فهم أتراك من فترة ما بعد الحرب، أعقبهم وصول العرب، فمنهم أكبر جالية فلسطينية في أوروبا الآن.

بدأت الديموغرافيا تتسبب في تأثيرات حقيقية على الغرب كله، وبخاصة في كبرى المدن. في نيويورك، ويرجع بعض الفضل في انتخاب زهران ممداني إلى دعم الشباب والمهاجرين، ومثل ذلك سوف يحدث في كل مكان في ظل تحول «النزعة العالمثالثية» [third worldism] إلى تحالف ضخم قادر على الفوز.

فليس على جماعات المهاجرين أن تشكل أغلبيات لكي يفوز المرشحون المفضلون لديها، لأن كل ما تحتاج إليه هو تشكيل تحالفات انتخابية مع الساخطين من أبناء البلد، وهم المكافئون للرومان الذين تحالفوا مع الغزاة الجرمانيين.

شأن منهاتن، تأثر تحول برلين يسارا بتغير ديموغرافي، وبعوامل أخرى من قبيل مشكلة السكن (المرتبطة أيضا بالهجرة). وقد أوردت قناة الجزيرة تقريرا متعاطفا مع مقيمة من أصول بلقانية كانت تحتفل في حي يغلب فيه المهاجرون. قالت في التقرير «إنني أريدهم أن يفرضوا الضرائب على الأغنياء ويوفروا المزيد من الفرص للجميع». وهتف آخر قائلا «سوف نأتي بامرأة من أصول مهاجرة مثلنا» وسوف يعني هذا «تضامنا مع فلسطين».

المرأة المعنية في التقرير هي إليف إرالب، وهي تركية الأصل بافارية المولد، حصلت لجوء من ألمانيا بعد أن اضطر أبواها إلى الفرار من وطنهما.

وقد يكون لدى الأتراك اليساريين سياسات أقرب للتراث الأوروبي من عالم الشرق الأوسط، لكن مثل هذه الحركات يمكن أن تعتمد على تصويت مضمون من المسلمين للأحزاب اليسارية في أوروبا، في حين أن أولئك الناس أنفسهم يصوتون للرجعيين في أوطانهم؛ فالحق أن المسلمين في ألمانيا يختارون السياسات شديدة التقدمية مع دعمهم في الوقت نفسه للمؤسسة الثيوقراطية. ويصدق هذا على بريطانيا حيث لا يكترث الكثير من أعضاء حزب الخضر الجدد بقضايا البيئة اكتراثا كبيرا، ناهيكم بقضايا أدق من قبيل الهوية الجندرية.

ولو أن هذا التحالف يبدو غير متماسك، فإن من يسميهم الفرنسيون بـ(اليساريين الإسلامويين) يفهمون تماما قول كيفين فيليب بأن «سر السياسة كله يكمن في معرفة من يكره من». ف

كلا جناحي الكتلة ينتميان إلى ثقافتين متعارضتين تعاديان المؤسسة في بلديهما الأوروبيين، وتعاديان المكانة المعنوية للحضارة الأوروبية. وإسرائيل ـ من منظور الاستعمار الغربي برغم التاريخ المعقد ـ هي الملاط الذي يحافظ على صمود هذا التحالف، وهو أكثر تماسكا من القومية السوداء بالوكالة التي تبنتها الصحوة في نسختها الأولى والتي لا يكاد أغلب الشرق الأوسط يكترث لها.

القانون الأساسي في التحالفات السياسية هو أن الناس لا يصوتون للقيم، لكنهم يصوتون لمن يقفون معهم صفا واحدا. وفي مجتمع متعدد الثقافات، يخضع هذا لتأثير كبير من الأصل والدين.

ولقد كانت حجة تشيع ذات يوم مفادها أن على الأحزاب اليمينية أن تتودد إلى أوساط المهاجرين لكي تفوز بالسلطة، وكان هذا يعني حتما مناصرة المزيد من الهجرة لأن غير ذلك فيه إضرار بكرامة المهاجرين الذين استقروا بالفعل. وهذه نصيحة سيئة ـ وعمدية في بعض الأحيان ـ وقد فقدت هذه النصيحة أي قيمة لها بسقوط اليمين الأساسي وحلول الشعبويين القوميين محلهم.

ولم تكن النصيحة جيدة للغاية بالنسبة ليسار الوسط أيضا، لوجود مخاطرة دائمة بأنه في حال وصول كتل تصويت المهاجرين إلى أحجام كبيرة بالقدر الكافي فإنها سوف تختار الأحزاب التي تتودد إليها بالمزيد من المصالح الفئوية الأشد سفورا، أو أن تشكل أحزابها الخاصة وتتخلى عن رعاتها. ولقد صوت الناخبون الألمان من المهاجرين تاريخيا ليسار الوسط في أكثر الحالات، وفي برلين دعمت أغلبية المسلمين حزب اليسار. فشكرا لكم على المساعدة، لكن بوسعنا أن ندبر أمورنا بأنفسنا.

هذه الكتلة الدينية لا تنال التنازلات من خلال ترويج قانون الشريعة أو غيره من عناصر الدول الإسلامية، والحق أن أغلب الساسة الطائفيين ليسوا «إسلاميين» بأي معنى حقيقي، لكنهم يناضلون فقط من أجل مصالح جماعتهم وكرامتها، وغالبا ما يكون ذلك بإطار لغة اليسار.

ويبدو حزب اليسار ـ شأن أمثاله ـ يساري المظهر، إذ يتكلم في العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة، ويستحضر أعداء طبقيين تقليديين من أمثال المُلَّاك والمصرفيين، ولكن هذه القضايا لها دائما جاذبية اجتماعية في المجتمعات متعددة الثقافات، لأن الجاذبية العاطفية للتضامن العرقي والديني أقوى من الطبقة. ومثلما قال (لي كوان يو) فإنه «خلافا للشيوعية، التي تستوجب دراسة الديالكتيك قبل أن يتحقق الولاء لها، فإن للنزعة الجماعية جاذبية بدائية مباشرة تجتذب الولاءات وتكون الاستجابة لها فورية ومباشرة».

في روسيا، وفيتنام، وأفريقيا وأمريكا اللاتينية في ما بعد الاستعمار، غالبا ما كان للمطالبة بإعادة توزيع الثروات طابع عرقي، فعندما كان المحرضون يتحدثون عن «البرجوازيين» و«الرأسماليين» كان الشعب يسمع «الألمان» أو «الصينيين» أو «الآسيويين».

وفي بعض الأحيان لا يحتاج الشعب أصلا إلى تمييز اللغة، مثلما تكلم ممداني عن فرض ضرائب أعلى على المناطق البيضاء. وفي قرية القرون الوسطى العالمية التي نعيش فيها الآن، بصحبة خرافات وأوهام ما بعد الأمية العابرة للحدود، غالبا ما ينصب العداء على الهدف المعهود لدى الفلاحين الأوروبيين: أي اليهود.

بالنسبة للجناح اليساري المناهض للوطنية، قد يبدو هذا مألوفا للاشتراكية المتطرفة. فحزب اليسار يريد الاستيلاء على شركات الإسكان الكبرى. وتعهد الحزب أيضا بمصادرة مائتي ألف منزل. ودعا أحد ممثليه إلى مغادرة المستثمرين للعاصمة، وإلى أن تستولي الحكومة على امبراطورية أكسل شبرينجر الإعلامية.

وشأن ممداني، ترشحت إرلاب بحملة انتخابية تقوم على وضع سقف للإيجارات ـ بل إنها تضع هذا الشعار على قلادتها الذهبية ـ والاستيلاء على المنازل من مالكيها.

وإذا لم يكن هذا ناقوس خطر، فإن بعض أفكار حزب اليسار للمدينة أفكار راديكالية بلا شك، فمنها تقليص دور الشرطة، وحظر أنشطة حزب البديل من أجل ألمانيا، وإنهاء الترحيل القسري وغرامات التهرب من دفع الأجرة والمزيد من التحرر في ما يتعلق بتعاطي المخدرات.

برلين مدينة عظيمة، أحب زيارتها دائما، لكن لا يمكنني القول إنها تخلو ممن يتعاطون المخدرات علنا. والشرطة غير سعيدة بذلك. ويهود المدينة محبطون بشدة، ولا عجب في هذا لمن يعلم أن الحزب الشعبي المنتصر استضاف شخصا معروفا بتأييده لحماس.

هذا هو مستقبل أوروبا الآن، وليس برلين وحدها. ففي الشهر الماضي في السويد، خسر ائتلاف يميني الانتخابات بفارق ضئيل، وذلك جزئيا لأن أحزاب يسار الوسط حصلت على قدر من أصوات المهاجرين أكبر منه.

وقد رُصدت «اختلافات لافتة» في أنماط التصويت بين السويديين الأصليين ومن يطلق عليهم «ذوو الخلفية المهاجرة»، ولوحظ أن سخاء الائتلاف اليميني السابق في ما يتعلق بالتجنيس كان عاملا حاسما. فانتصر اليسار، في الوقت الراهن.

وفي بريطانيا يسعى حزب الخضر إلى التصويت الطائفي، وبذلك هو يلعب بالنار. ففي الانتخابات الفرعية في هولبورن وسانت بانكراس، حصل الحزب على تأييد منظمة «صوت المسلمين»، وهي جماعة ضغط تهدف إلى تعظيم مصالح فئات معينة، على الرغم من أن زاك بولانسكي واجه منافسة على الترشح لأنه لا ينتمي إلى «الأغلبية العالمية»، وهو ما ينذر بتطورات قادمة.

وقد تبنى حزب الخضر الآن اقتراحا صريحا ينص على أن الصهيونية عنصرية، وهو اقتراح قدمته فلسطينية ولدت في بريطانيا سبق أن صرحت قائلة: إننا سنواصل العمل إلى أن نفكك الصهيونية في العالم، في كل دولة. سيتم نبذهم، وسيأتي الوقت الذي يتعرضون فيه للمطاردة التي تعرض لها القاهرون النازيون من قبل... ولن يحدث ذلك بغير القوة».

لا شك أن حلفاءها سيشيدون بالتزامها بالعدالة الاجتماعية، وإنهاء الاستعمار، وجميع القيم التي يعتزون بها. لكن ربما كان (لي كوان يو) ليرى الأمر بعين مختلفة.