ثقافة

الحرف العُمانية.. سجلٌّ بصريٌّ لتاريخ سلطنة عُمان

12 أكتوبر 2026
12 أكتوبر 2026

مسقط "العُمانية": تعد دار الحرفية في سلطنة عُمان مساحة مهمة لتعزيز حضور الحرف التقليدية في الحياة المعاصرة، والمحافظة عليها وتطويرها، من خلال دعم الحرفيين وإبراز إبداعاتهم ومهاراتهم وصون الموروث الحرفي ونقله إلى الأجيال القادمة.

وقالت زوينة بنت سلطان الراشدي، الرئيس التنفيذي لدار الحرفية في حوار خاص لوكالة الأنباء العُمانية: "الحرفة بالنسبة لي ليست مجرد مهنة أو منتج نصنعه ونبيعه، بل هي ذاكرة وهوية وقصة إنسان ومكان. ارتبطتُ بها من خلال إيماني بأن لدينا في سلطنة عُمان إرثًا غنيًا جدًا، وأن مسؤوليتنا ليست فقط المحافظة عليه، وإنما تطويره ليبقى حاضرًا في حياتنا، ومن هنا بدأت رحلتي مع دار الحرفية؛ كان هدفي أن ننتقل بالحرفة من مفهوم القطعة التقليدية إلى منتج معاصر يحمل روح عُمان ويمكن أن يكون جزءًا من أسلوب حياتنا اليومي".

وأضافت: الحرف العُمانية أشبه بسجل بصري لتاريخ سلطنة عُمان، حيث نجد رموزًا وألوانًا ونقوشًا في النسيج والفضة والسعفيات والفخار والخشب وغيرها، تختلف من محافظة إلى أخرى، وكل تفصيل منها يحكي قصة مرتبطة بالمكان والإنسان والبيئة لذلك عندما نحافظ على الحرفة، فنحن لا نحافظ على منتج فقط، بل نحافظ على جزء من الذاكرة الثقافية والهوية العُمانية.

وأوضحت: "بالنسبة لي، التطوير لا يعني تغيير هوية الحرفة، وإنما إعادة تقديمها بلغة معاصرة. حيث نحافظ على جوهر الحرفة، وتقنياتها ورموزها وقصتها، ثم نعمل على تطوير التصميم والألوان والاستخدام والتغليف والجودة بما يتناسب مع احتياجات السوق الحديث، ودائمًا أقول نحن لا نريد أن نضع التراث في صندوق ونحافظ عليه، بل نريد أن نجعله يعيش معنا".

وأكدت أن هناك تفاصيل دقيقة جدًا تمثل بصمة الحرفة العُمانية، سواء في طريقة النسج، أو تشكيل الفضة، أو النقوش، أو الخوص والسعفيات، أو حتى اختيار الألوان والخامات. كما تحرص على توثيق هذه التفاصيل وفهم معناها ومصدرها قبل استخدامها؛ لأن التطوير يجب ألا يؤدي إلى فقدان هوية القطعة أو دلالتها الثقافية، مشيرة إلى أن التوثيق اليوم أصبح جزءًا أساسيًا من حماية الحرف للأجيال القادمة.

وبيّنت أن هذا الموروث يمكن أن يدخل حياة الإنسان اليوم، لذلك تعمل المرأة في مجال الحرفية على تحويل العناصر الحرفية إلى منتجات معاصرة؛ في الهدايا المؤسسية، والديكور، والإكسسوارات، ومنتجات الضيافة، والمنتجات المكتبية وغيرها. حيث تأخذ نقشًا أو تقنية أو خامة تقليدية وتقدمها بتصميم بسيط وأنيق يناسب الجيل الحالي، مع الحفاظ على قصتها وهويتها.

وذكرت: "أؤمن أن الحرفة العُمانية لديها مقومات كبيرة للمنافسة، ليس فقط محليًا وإنما عالميًا، لكن المنافسة تحتاج إلى منظومة متكاملة: تصميم جيد، وجودة، وابتكار، وتغليف، وتسعير، وقصة واضحة، وتسويق، واستمرارية في الإنتاج. حيث إن المستهلك العالمي يبحث عن المنتج الأصيل والمستدام والذي يحمل قصة، وهذه عناصر موجودة أساسًا في الحرفة العُمانية".

وأضافت: "التسويق غيّر كثيرًا من طريقة تقديم الحرفة، حيث إنه لم يعد كافيًا أن نصنع منتجًا جميلًا؛ يجب أن نعرف كيف نحكي قصته فعندما يعرف العميل من صنع القطعة، ومن أين جاءت فكرتها، وما معنى النقش المستخدم فيها، وما الأثر الاجتماعي والاقتصادي وراء شرائها، تصبح للقطعة قيمة أكبر بكثير من قيمتها المادية. لذلك أرى أن التسويق للحرفة هو أيضًا تسويق للقصة والهوية والإنسان الذي يقف خلف المنتج".

وأوضحت أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت من أهم الأدوات التي يمكن من خلالها إعادة تقديم الموروث بصورة قريبة من الشباب، فيمكن أن تستخدم الصورة والفيديو والقصة القصيرة لإظهار مراحل صناعة المنتج والحرفي الذي صنعه ومعنى الرموز المستخدمة فيه.

وبهذه الطريقة لا يرى الجيل الجديد الحرفة كشيء من الماضي، بل يراها ثقافة حيّة يمكن أن تتطور وتواكب حياته.

وأشارت إلى أن استدامة الحرف العُمانية مسؤولية مشتركة، حيث إن الحرفي وحده لا يستطيع المحافظة على الحرفة إذا لم يكن هناك طلب حقيقي عليها. ويمكن للمجتمع دعمها من خلال اقتناء المنتجات المحلية، وتقديمها كهدايا، وتعريف الأبناء بقيمتها.

ووجّهت رسالتها للجيل القادم: "لا تنظروا إلى الحرفة باعتبارها شيئًا من الماضي، بل انظروا إليها باعتبارها جزءًا من مستقبلكم. أجدادنا تركوا لنا هذه الذاكرة في النقش والنسيج والفضة والخشب والفخار والسعف، ومسؤوليتنا أن نحفظها، ومسؤولية الجيل القادم أن يضيف إليها فصلاً جديدًا".

جديرٌ بالذكر أن زوينة الراشدية تطمح أن تصل إلى مرحلة يرى فيها العالم المنتج الحرفي العُماني فيتعرف على سلطنة عُمان من خلاله. وأن تصبح الحرفة العُمانية حاضرة في الأسواق والمتاحف والفنادق والمتاجر والمعارض الدولية، ليس باعتبارها تذكارًا سياحيًا فقط، وإنما منتجًا تصميميًا وثقافيًا معاصرًا يحمل هوية عُمانية واضحة وقادرة على المنافسة عالميًا.

وأن تكون دار الحرفية إحدى المنصات التي تأخذ إبداع الحرفيين العُمانيين من القرى والولايات في سلطنة عُمان إلى أسواق العالم.