نوافـذ :زمن استدرار العـــــواطف
أحمد بن سالم الفلاحي -
shialoom@gmail.com -
في فترة الثمانينيات - على ما أذكر - تسامع الناس، أو تناقلوا فيما بينهم، أن هناك في دول ما، يقدم على من وقعت عندهم مصيبة فقدان أحد أفراد الأسرة، أنهم يستأجرون من يقوم بالنواح عنهم في مجلس العزاء، بدلا عن أصحاب المصيبة، وذلك لإعطاء الجو بيئة من الحزن، لأن أسر تلك الدولة أو الدول، لم تعد عندها تلك الـ«حنية» للنواح والصياح على من غادر هذه الحياة، فهو قد غادرها وانتهت المسألة، وهي ذات الصورة التي تتكرر في الأعمال الدرامية التي نراها، عندما يحضر قارئ للقرآن الكريم في مجلس العزاء، حيث نفس الهدف، وإن اختلفت الصورة بين النائحة وبين قارئ القرآن الكريم لجلب خشوع الناس من أثر الموت عن طريق القراءة.
يتكرر نفس المشهد اليوم من خلال أعمال درامية أخرى أيضا، ولعل برنامج الـ«صدمة» واحد من سلسلة طويلة سوف تتكرر في صورة مختلفة، والهدف منها كلها هو كيفية استدرار عواطف الناس، ورِدّات فعلهم تجاه الموقف المخزي الذي يحدث أمام ناظريهم، ولأنها مواقف شاذة، ومعيبة، وتفتقر إلى الإنسانية في هذا المجتمع أو ذاك؛ ترى رِدّة فعل الناس المساكين، الذي تعمد صاحب العمل أن يضربهم في خاصرتهم الاجتماعية من غير أن يدروا، تراهم ينفعلون، ويرتفع ضغطهم، وربما قد ينهارون حزنا على وصول واحد من أبناء مجتمعهم إلى هذه الدناءة والحقارة في الخلق والسلوك، فإذا بالمسألة لا تخرج إلا عن موقف سعى من خلاله صاحبه إلى إضحاك الناس، والواقع لا يؤدي إلى إضحاك الناس، بقدر ما يؤدي إلى احتقار هذا العمل أو ذاك، وإلى الترحم على صاحبه، وإلى الشعور بالخزي والعار، على أعمال تضع الناس بكامل أخلاقهم وتماسكهم وقناعاتهم في مواقف ينسلون من كل ذلك، وقد تصل المسألة إلى عراك بالأيدي مع من أوقعهم في هذا الشرك السخيف.
تنمو هذه الثقافة اليوم في وسط جيل، يفترض أن يكون أكثر وعيا في قضايا مجتمعه، وأن يكون أكثر قربا من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع، ولا أخص مجتمعا بعينه، فكل مجتمعات الوطن العربي متشابهة، وبدلا من أن تذهب جهود هذه الأعمال «التافهة» في موضوعات لا طعم لها ولا لون، كان من الأجدى أن يسخر كل ذلك في معالجة الكثير من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تئن منها كل المجتمعات العربية، وأن يبتعد مسافة الألف ميل عن الاقتراب من الأعمال التي تسعى إلى استدرار العواطف بهذه الطرق المهينة لشخصية الإنسان، والى تكامله الأخلاقي، وإلى استحكاماته النفسية، فهذا الابتذال الذي يمارس على المتلقي «المشاهد» لا يؤسس قواعد للوعي ولا للثقافة، ولا للتسلية، المغلوب على أمرها، لا تحققها مثل هذه الأعمال، وإنما تكرس أكثر وأكثر الجهل المزدوج، وأقول المزدوج لأن «مفكري» هذا النوع من الأعمال، على درجة كبيرة من المستوى الثقافي، فكيف يتنازلون عن ذلك كله؟ فهل قلت الأفكار، أما أن الهدف مادي بحت، وهذا هو ما يعنيهم.
تروج منذ زمن بعيد عبارة «الفن للحياة» وليس الفن للفن، ولكن الواقع غير ذلك تماما، وهؤلاء المنظرون في هذا الجانب على ما يبدو، عندما تصل المسالة إلى ضرب مصالحهم المادية، عندها لا يهتمون إن كان الفن للفن، أو الفن للحياة، المهم أنهم كم يجلبون من المال في جيوبهم بعد خروج العمل إلى العامة في نهاية المطاف، وهذا مما يؤسف له حقا، ويندى له جبين الأخلاق، وإن كانت الأخلاق تباع منذ زمن بعيد في سوق الـ«نخاسة» ولا يزال الربح من أثر هذا البيع مغريا، وكثيرا، وصور هذا البيع كثيرة ومتعددة.
