ثمن المواقف العمانية المشرّفة

11 أكتوبر 2026
11 أكتوبر 2026

التقيت خريجًا عمانيًا يقول إنه تخرج بتقدير جيد جدا. بعد أن شكرني على المقاطع التي شاهدها عن الوجود العماني في شرق أفريقيا، سألني سؤالا مباشرا هو: هل يمكن لي أن أبدأ أي نشاط تجاري أو غير ذلك في زنجبار مثلا، وكيف لي أن أبدأ، وما هو المطلوب مني، وكم تقدر المبلغ المطلوب لبدء أي مشروع؟!

تحدث الشاب بفخر عن مواقف عمان المشرفة من الحرب على غزة والقضية الفلسطينية عموما، وعن السياسة العمانية الخارجية الناجحة، وموقفها من الحرب على إيران والوضع في اليمن، ثم قال: «هذه المواقف ترفع رأسنا، لكنها لن تكتمل إذا اعتراها نقص في الداخل». وحكى لي أنه يعمل بعقد مؤقت لثلاثة أشهر كسائق توصيل، بينما معظم الشركات توظف وافدين في تخصصه.

في كلمات قليلة، لخص ذلك الشاب المشكلة كلها، بما يعني أن علينا التركيز على الداخل وعلى مشاكل جيل الشباب، وهم أغلبية السكان؛ فلا معنى أن تكون سياستنا الخارجية ناجحة ويضرب بها المثل، فيما يعاني الجيل الواعد من تحديات كثيرة تؤثر على مستقبله ومستقبل الوطن، أقلها التوظيف.

كلام ذلك الشاب يضعنا أمام حقيقة هامة، هي أنه إذا كان هناك ثمن مطلوب من عمان أن تدفعه، بسبب تلك المواقف المشرفة، فإن الحماية تأتي من الاهتمام بالداخل.

وحقيقة لا غبار على السياسة الخارجية العمانية؛ فقد اختارت عمان منذ 1970 ألا تمشي مع التيار العام وتكون مجرد تابع؛ فعندما قاطع العرب مصر بعد كامب ديفيد عام 1979 كانت عمان ضمن ثلاث دول لم تقطع علاقاتها مع القاهرة. وفي ثمانينيات القرن الماضي - والحرب العراقية الإيرانية على أشدها -، حافظت عمان على علاقاتها الجيدة مع الدولتين، وعندما قاطعت دول خليجية قطر عام 2017، رفضت عمان المقاطعة وأبقت مجالها الجوي مفتوحا مع قطر. وعندما طبع البعض وذهب إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، رفضت عمان التطبيع دون قيام دولة فلسطينية. وعندما دخل البعض في مواجهة مع الحوثيين عام 2015، كانت عمان الوحيدة التي رفضت الانضمام للحملة، وكذلك حافظت على علاقات جيدة مع الجارة إيران.

ورغم كل تلك الإيجابيات، إلا أن هناك حملة كبيرة ضد عمان الآن ليس على مواقع التواصل الاجتماعي فقط، بل دخلت فيها وسائل الإعلام الإسرائيلية من قنوات فضائية وصحف ومن يواليهم من العرب، وتحدث بنيامين نتنياهو في تصريح متلفز عن موقف عمان من الاتفاقيات الإبراهيمية، مؤكدا على تحفظ الحكومة العمانية من الدخول فيها، وهذا يعني أن عمان متمسكة بموقفها الثابت، لا تطبيع بدون حل الدولتين؛ والتصريح - في محصلته النهائية - هو مدح غير مباشر، لأنه يثبت أن عمان لم تنجر وراء ضغوط الاتفاقيات الإبراهيمية، وحافظت على نهجها المستقل، ولم تفرط بالقضية الفلسطينية.

لا يمكن لأي كان أن يزعم أو يثبت أن عمان أضرت يوما بالقضية الفلسطينية في شيء. وجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، يتمسك بمبدأ لا سلام دون دولة فلسطينية، وهذا ما جعل موقف عمان من غزة منذ أكتوبر 2023 من أكثر المواقف العربية وضوحا وقوة، مما أثار ويثير البعض، وهذا الاستقلال جعل عمان عرضة لحملة شرسة اليوم، تأتي من اتجاهين، - كما سبقت الإشارة -؛ الأول، في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ظهرت حسابات منظمة تتهم عمان بأنها «لاعب مزدوج»، فيما ذهب آخرون من السذج إلى اتهامها بأنها بوابة تهريب السلاح للحوثيين. أما الاتجاه الثاني، فهو في الصحافة الإسرائيلية، مثل «جيروزاليم بوست» و«يديعوت أحرونوت»، التي نشرت تقارير متتالية تصور حياد عمان كـ «انحياز مقنع» وتشكك في دورها كوسيط، بهدف الضغط عليها لتغيير موقفها من غزة والتطبيع. والغريب في الأمر أن بعض الصحف الأمريكية التي تدعي الاستقلالية وحرية الرأي دخلت في الحملة، والتي ظهر جليا للمتابع أنها مدفوعة الأجر.

من يتابع تلك الحملة الممنهجة على عمان يعلم تماما أن الهدف منها التأثير على النسيج الوطني العماني المترابط، لذا كثر الحديث عن المذاهب، وأصبح سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي هدفا للهجوم، ولله الحمد فإن وعي الشعب العماني وتماسكه وارتباطه بوطنه يحول دون تحقيق تلك المآرب المشبوهة.

ولكي نقطع دابر مثل هؤلاء، أعتقد أن الاهتمام بوضع الحلول لمشاكل الشباب هو أنجح علاج للاختراق الذي قد يدخل من خلاله المتربصون، لأن الرسالة التي توجه للشباب العماني الآن من الخارج تقول لهم ما معناه «ما فائدة مواقفكم من غزة، ووقوفكم مع إيران، والتوسط مع الحوثيين، وأنتم بلا وظائف دائمة؟». وهنا يكمن الخطر؛ فحسب بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات ووزارة العمل حتى نهاية 2024، يشكل الوافدون نحو ثلثي العاملين في سلطنة عمان، وتتجاوز نسبتهم 90% في الوظائف الهندسية العليا بالقطاع الخاص، فيما يحمل أكثر من نصف القوى العاملة بقليل، مؤهلات تقل عن الدبلوم العام.

تلك البيانات تحتم على الدولة سرعة إيجاد الحلول العملية، وهي مسألة ليست صعبة وإنما تحتاج إلى إرادة وقرار جريء، بدون فلسفات أو تعقيدات، كيف يكون لدينا «باحثون عن عمل»، وتكون نسبة العمالة الأجنبية أكثر من الثلثين في القطاع الخاص؟!

هناك ثغرات كثيرة يمكن أن يستغلها المتربصون بنا، تتمثل في عدم وجود وظائف للشباب، ومشكلة المسرحين من العمل، إضافة إلى الغلاء المعيشي والضريبة وغيرها يعلمها أهل الاختصاص، ويحتاج الأمر إلى الاهتمام بتقوية الجبهة الداخلية، وهي التي تسقط كل المؤامرات، لأن المواطن الذي يشعر بالعدل في وطنه ويعيش فيه بكرامة، أشد حرصا على الدفاع عنه، خصوصا أن هناك بالفعل من يريد لعمان أن تدفع ثمن مواقفها المشرفة.

زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.