No Image
العرب والعالم

"اليونيسيف": طفل من أصل خمسة ينام جائعا

11 أكتوبر 2026
11 أكتوبر 2026

بجيوبهم المثقوبة وفواتيرهم الملغومة، لا يزال اللبنانيون ينقلون فقر حالهم الناتج عن فعل فاعلين وإهمال مسؤولين الى المقار الرئاسية، فيما ثمّة إجماع على أنّ الوجع يطالهم جميعاً، بدءاً من العتمة العابرة للكانتونات السياسيّة والمتاريس الطائفيّة، مروراً بالمستشفيات التي "تختنق"، والدواء المفقود إلا من مستودعات المحتكرين الذين لا دواء يشفي غلّ صدورهم، ووصولاً الى الخبز "المقنّن والمغمّس بالمازوت والبنزين"، و"لا أحد يلتفت الى قوت الفقراء والمساكين"، وفق تعبير السيّدة الخمسينيّة "أم ربيع"، والتي لا تتردّد في الغمْز من قناة "المنابر والسِجالات ونِزال الحصانات"، فيما "لا حصانة للقمة الفقير، ولا للحدّ الأدنى من عيْشه الكريم"، لتخلص الى القول لـ"عُمان": "لا حول ولا طاقة في بلد أصبح محاصراً بكلّ أشكال سالموت".

وكلام "أم ربيع" لم يأتِ من العدم، بل أقتضاه فعل تقديرات منظمة "اليونيسيف"، التي كشفت أحدث أرقامها حجم التداعيات التي تركتها الأزمة والنزاع على جيل كامل، إذْ أشارت الى أن أربع من كلّ خمس أسر تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية، و51% من الشباب يعتزمون الهجرة، فيما يدفع الأطفال ثمناً متزايداً يطاول تعليمهم وصحتهم الجسدية والنفسية. وذلك، بعد سنوات من الأزمات الإقتصادية والحرب والنزوح. أمّا على المقلب الآخر من الصورة، فإن ثمّة من يرى أن ليس في لبنان جوع بالمعنى التقليدي، لكنّ هناك فقراً يصل إلى درجة الفقر المدقع.

"كابوس مستمرّ"

وفي تقريرها الجديد، الذي جاء جاء تحت عنوان "كابوس مستمرّ"، رسمت "اليونيسيف" صورة أكثر وضوحاً لحجم الأزمة: 22% من الأسر اللبنانية أفادت بأن أطفالها ذهبوا الى الفراش جائعين، 10% من الأسر التي لديها أطفال دون الخامسة لا تتمكن من توفير نظام غذائي متنوّع بما يكفي، فيما 31% من أطفالها لم يحصلوا على الرعاية الصحية التي احتاجوا اليها، و14% أفادوا بأن لديهم طفلاً واحداً على الأقلّ منخرطاً في سوق العمل، أي أكثر من ضعف النسبة المسجّلة في يناير 2025. علماً أن الأسر التي تعيش دائماً تحت رحمة الإقتصاد المضطرب، وتواجه في كل لحظة إمكانية الإنتقال من حال الإكتفاء الإقتصادي إلى حال النقص ثم إلى الفقر المدقع، تعمل ضمن قطاع العمل الموسمي الذي يجعل إيراداتها غير منتظمة.

وفي هذا الشأن، أشارت مصادر وزارة الشؤون الإجتماعية لـ"عُمان" الى أن الفقراء في لبنان ينتمون إلى مجتمعات مهمّشة، وهم معزولون، إمّا جغرافياً أو إجتماعياً، في جيوب ضمن المناطق المدينيّة. أما العوامل المختلفة التي ساهمت في انتشار الفقر عبر البلاد، فتتمثل بانعدام أي نوع من الأمان الإجتماعي لمساعدة الفقراء على مواجهة الصدمات والحالات الطارئة. ذلك أن دور الدولة في الإستفادة من الإحصاءات مفقود، وهي، بحسب المصادر نفسها، لا تستطيع التحكّم بأسعار السكن أو الإيجارات، لكي تدفع الأسر الفقيرة إلى تقليص حجم إنفاقها على المسكن، وتوجيهه نحو الطعام مثلاً.

أمّا الحرب، وبحسب تقرير "اليونيسيف"، فضاعفت الضغوط. ذلك أنه، ومنذ 2 مارس الفائت، تاريخ بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان، قضى ما لا يقلّ عن 261 طفلاً وأصيب 1056، بمعدل 7 أطفال شهداء أو مصابين يومياً على مدى نحو 6 أشهر، فيما يُقدّر أن 12% من الأطفال المصابين باتوا يعيشون مع إعاقة دائمة. كذلك، أشار التقرير الى تعرّض تعليم الأطفال لاضطرابات شديدة. فقد تضرّرت أو دُمّرت نحو 436 مدرسة، ما يعرّض نحو 100 ألف طفل لخطر عدم توفّر صف دراسي لهم، فيما قُتل أو أصيب أكثر من 86 معلماً ومعلّمة. وعلى مستوى الأسر، أفادت "اليونيسيف" الى أن 46% منها إضطرّت إلى خفض الإنفاق على التعليم.

وفي السياق، تجدر الإشارة الى أنّ لبنان صادق، في العام 1990، على إتفاقيّة حقوق الطفل، وأظهر إلتزاماً بتحسين أوضاع الأطفال وحماية رفاههم. وعلى مدى الأعوام الماضية، تحققت إنجازات لا يمكن إنكارها. ولكنْ، وعلى الرغم من كلّ التقدّم المحقّق، لا يزال العديد من الأطفال يواجهون تحديات تتعلق بإتمام هذه الحقوق. وبالتالي، تقف هذه الإتفاقيّة اليوم عند مفترق طرق، بين ماضيها اللامع وإمكاناتها المستقبليّة.

فصول الوجع

هكذا، بدأ شبح الكارثة الإجتماعية يتخذ بعداً ملموساً ووشيكاً، ومعه إرتفع منسوب التحذير من أن الإنفجار اللبناني لن يكون سياسياً بالجوهر ولا حتى بالشكل، فيما لسان حال اللبنانيّين، الغارقين في مستنقعات فقرهم، يقول: هل يصبح رغيف الفقير و"منقوشته" في مصاف "الكافيار" و"السيغار"؟!

وهكذا أيضاً، فإن ثمّة من يحذّر من أعراض التحلّل المتسارع لكلّ مقوّمات الدولة، وقد تجاوزت مؤشّراتها الحيويّة كلّ الخطوط الحمر. ففي المستشفيات، يتمّ جمْع المرضى في طبقات محدّدة لتوفير مادة المازوت، في ظلّ أزمة تهدّد القطاع الصحّي وتلحق بها الأفران والمخابز، فيما البلد يعيش على "موتور موصول بجهاز تنفّس بلا أوكسجين"، يقول آخر. أمّا غياب الرقابة، فـ"جعلت من تجّار الأزمات ملوكاً على عرْش لقمة عيْش المواطن وصحّته وحقّه في الحصول على التيار الكهربائي"، يقول الرجل السبعيني "أبو مازن"، مختصراً المشهد بعبارة واحدة، مفادها أن اللبناني بات يصارع الحياة بـ"اللحم الحيّ"، من دون غذاء ولا دواء ولا كهرباء ولا استشفاء ولا مال ولا وقود، فيما وحدها العتمة تتقدّم، ولا تقدّم لـ"كيلو واط" واحد على أيّ مسار من المسارات التي من الممكن أن يتفاءل بها اللبناني، ولو بضوء شمعة!