كيف نواجه العبث الخوارزمي للنصوص؟
10 أكتوبر 2026
10 أكتوبر 2026
في نهاية يوليو الماضي لفت انتباهي الصديق عبدالرحيم بن خميس العدوي إلى كتاب نُشِرَ مؤخرا عن دار الرافدين بعنوان «دليل روتليدج للذكاء الاصطناعي والأدب» من تأليف «ويل سلوكومب» و«جينيفيف ليفلي»، وترجمته إلى العربية أسماء يوسف ديّان.
أثار العنوان حماسي لقراءته، وشاءت الأقدار أن تشارك شقيقتي الروائية شريفة التوبية بورقة عمل في معرض عمّان الدولي للكتاب، فطلبت منها البحث عن الكتاب، وجاءني الكتاب، وها أنا ذا أقطع شوطا في قراءته. يتميّز الكتاب بدسامة معرفية غنية شارك فيها عدد كبير من الباحثين، وتجاوزت صفحاته من الحجم الكبير زهاء 650 صفحة.
من عنوان الكتاب وقبل الولوج إلى داخله يمكن للقارئ أن يتصور أنه يستهدف الحديث عن الأدب وفروعه، والمتغيرات التي طرأت عليه نتيجة الغزو الخوارزمي في عالم الأدب متمثلا في الذكاء الاصطناعي، وهذا فعلا ما يتوافق مع محتوى الكتاب نفسه.
وحين نشير إلى الأدب فإن المقصود الكتابة والإبداع النصي السردي بأنواعه سواء كان مكتوبا أم مسموعا في شتى فنون المعرفة؛ إذ من المعلوم أن الذكاء الاصطناعي ونماذجه التوليدية استطاعا أن يجدا موطئ قدم في المحتويات الأدبية جميعها، فأحدث صدمة ثقافية عرّفها بعض الباحثين -في الكتاب نفسه- بالعشوائية والعبثية الخوارزمية في توليد النص والصوت.
مما يمكن أن يلحظه أيُّ قارئ للكتاب استعراض تاريخ التداخلات «الحاسوبية» -التي سبقت الذكاء الاصطناعي التوليدي- في الإبداع النصي؛ إذ ثمة محاولات منذ عقود طويلة لتطوير نماذج حاسوبية -ارتقى بعضها لاحقا إلى السلوك الخوارزمي- متخصصة في توليد النص الأدبي بما فيه القصصي والروائي.
ولعل ما ينفي الغرابة عن هذه المحاولات هو عدم انتشار أخبارها، فظلت محصورة بين نخب الأوساط الأدبية المهتمة بعلاقة الأدب والحاسوب. كذلك لم تكن في يومها محاولات تهدف إلى التستر الإبداعي والانتحال؛ فجل ما كانت تطمح إليه أن تكتشف القدرات الحاسوبية في عالم الأدب وبنيته النصية.
بعيدا عن مجريات الكتاب ومحتواه الشيّق؛ لنقترب من واقعنا الثقافي الراهن في ظل الهيمنة العشوائية والعبثية للخوارزميات التوليدية، ولنفتش عما أصاب الأدب بعمومه من صفعة خوارزمية يصفها بعضهم بالقاتلة أو المُهينة لقيمة الأدب نفسه ورجالاته المخلصين.
لتوضيح ذلك يمكننا مراجعة عدد من المشاهد التي أخلّت بالإبداع الذي عُرف بنسبته إلى الإنسان، ونكتفي بالإبداع النصي ومظاهره التوليدية الخوارزمية. ويتعلق الأمر بقضية عامة تتجاوز الحاجز الثقافي وغرفها النقاشية المخصصة؛ ولهذا آثرتُ أن أضع رأيا لهذه المشكلة يسهل إدراكه والتفاعل معه من قبل جميع طبقات القراء على تعدد مشاربهم المعرفية.
من مظاهر العبث الخوارزمي في توليد النصوص أن نرى أعمالا كتابية ولّدت بواسطة الذكاء الاصطناعي منها مقالات وتقارير وكتب، وتجاوز الأمر أن تظهر روايات وقصائد من السهل أن ترصد فيها المشاعر الخوارزمية الجافة.
بات بعضنا يدرك آلية التوليد الخوارزمي التي يمكننا تلخيصها في منظومتين: التلقين والتدريب على كم كبير من المعرفة المكتوبة، وتنتقل بعدها الخوارزمية -عبر عدد من العناصر الرياضية والبرمجية- إلى مرحلة التنبؤ النصي الذي يزداد دقة وسرعة مع كثرة التفاعلات الخارجية.
هذا ما يجعل الخوارزمية بعيدة كل البعد عن الصبغة الواعية؛ فتفتقر إلى الذكاء العاطفي في الكتابة على الأقل في وقتها الراهن؛ حيث يمكن رصد التطور السريع لهذه النماذج الخوارزمية وبلوغها مستويات متقدمة تمكنها من محاكاة العواطف؛ لينعكس على جودة مخرجاتها النصية، فيزيد من تحديات تمييزها عن النصوص البشرية الصميمة.
استنادا إلى البنية التقنية والرياضية الخوارزمية في النماذج التوليدية، وبالإضافة إلى ما يمكن استنتاجه من المخرجات النصية يتأكد لنا أن الذكاء الاصطناعي التوليدي مقلد مبدع للأسلوب البشري الكتابي، ويمكن أن نصفه بـ«دماغ بشري جمعي» اختزل تجارب ملايين البشر، ويملك قدرات محاكاتها. يقودنا هذا إلى منحى جديد فيما يتعلق بالملكية الفكرية للنص المُنتج؛ إذ ثمة من ينزع صفة الملكية والإبداع من الخوارزمية، ويفضّل أن يُرجعها إلى المجموعة البشرية المساهمة في تلقين هذا الكائن الرقمي أبجديات المعرفة وفنونها، وهذا افتراض يتردد في الكتاب المُشار إليه في مستهل المقال.
طُرحت مشكلة التوليد الخوارزمي للنص بالتزامن مع جملة من المشكلات المصاحبة لثورة الذكاء الاصطناعي، ولا أرى طائلا في الاستغراق في سرد المشكلة نفسها، وعلينا أن نبحث عن الحلول التي لا أراها تتحقق إلا عبر التقنية نفسها.
بيد أن هذه الحلول التقنية لا ينبغي أن تكون بأسلوب بدائي يفضي إلى نتائج مضللة؛ فمن غير المعقول أن نتصور منح الذكاء الاصطناعي التوليدي نفسه صلاحية فحص النصوص لتحديد منشئها -أكان بشريا صميما أم خوارزميا-؛ نظرا إلى بعض عيوبه المعروفة مثل «الهلوسة» التي تنزلق به إلى أخطاء فادحة. مع ذلك لسنا بالحلول المفترضة بعيدين عن حقل الذكاء الاصطناعي الواسع، فتكمن الحلول في رحم التقنية نفسها، ولكن عبر وسائل خوارزمية أكثر تطورا وأمانا كما سنرى لاحقا.
بدأت تظهر لنا ملامح -وإن بدت أقرب إلى البدائية في وقتنا الحاضر- لهذه الحلول، ولعل التحذيرات الأخيرة من خطر الذكاء الاصطناعي بما فيها صرخة «جاكوب» التي أحدثت حراكا تقنيا وقانونيا نجح في تحريك المياه الراكدة مثل الذي دفعت به لوائح الاتحاد الأوربي لاستعمالات الذكاء الاصطناعي وقانونه الجديد.
تزامنا مع هذه التحذيرات وقانون الاتحاد الأوروبي أعلنت بعض شركات الذكاء الاصطناعي الكبيرة مثل «أنثروبيك» المطورة لنموذج «كلاود» و«أوبن إيه آي» -وفق الأخبار المنشورة من قبل هذه الشركات نفسها- عن تدابير تقنية لمواجهة ما أطلق عليه بـ«العبث الخوارزمي للمحتوى الرقمي»، فتوجّهت إلى تفعيل منهجيات تسهم -ولو بقدر يسير- في الحد من التوليد العبثي الخوارزمي للمحتوى عن طريق توثيق المحتوى ونسبته إلى الخوارزمية بواسطة تقنية العلامة المائية الرقمية «Watermarking» التي تكون مخفية عن عين القارئ، ولكنها -مع الطلب والفحص- تكشف عن مصدر النص إن كان مكتوبا بواسطة الذكاء الاصطناعي.
تطل شركة «أوبن إيه آي» بصفتها من أبرز الشركات المهتمة بهذه التقنية، فأعلنت مطلع شهر أكتوبر الحالي عن تقنيتها «تكست جرين» «TextGrain». تتاح هذه الخدمة بشكل محدود -في الوقت الراهن- داخل دول الاتحاد الأوروبي، وتُمنح لبعض الباحثين والمنظمات.
رغم ما يمكن أن تضيفه خطوة شركة «أوبن إيه آي» من فائدة في مضمار فحص النصوص، لكنها تظل قاصرة أمام العبث البشري الذي يفوق العبث الخوارزمي خصوصا مع نقاط الضعف المصاحبة لهذا الإجراء -حسب تعليق شركة «أوبن إيه آي»- مثل تضاؤل قدرة الكشف مع النصوص القصيرة، والمعادة صياغتها، والمترجمة.
في خطوة مماثلة طرحت شركة «جوجل» ممثلة بذراعها البحثي «ديب مايند» تقنية «سينث آي دي» للعلامة المائية الرقمية المضارعة -من حيث المبدأ التقني العام- لتقنية شركة «أوبن إيه آي».
تعمل التقنية على فحص المحتوى الرقمي وللكشف عن وجود بصمة الذكاء الاصطناعي في توليده -ممتدة لتشمل النصوص والوسائط المرئية والصوتية-. وعلى غرار التقنية السابقة، لا تظهر العلامة المائية للعيان، فتكون مخفية داخل المحتوى نفسه دون المساس بجودته.
وتتميز بقدرتها على رصد المحتوى المولّد بواسطة نماذج خوارزمية تابعة لشركات «جوجل»، و«نيفيدا»، و«أوبن إي آي»، و«كاكو»، واحتمال دخول «آبل».
يتضح لنا أيضا بعض نقاط الضعف في هذه التقنية الكاشفة لمصدر المحتوى أهمها: ينحصر فحصها للمحتوى الرقمي التابع للشركات المساهمة في هذا الائتلاف التقني، فضلا -فيما يبدو- عن أن فعاليتها أكثر قوة مع الوسائط المرئية والصوتية مقارنة بالنصية.
في تقديري يسير الحراك التقني المضاد للممارسات العبثية للنصوص وفق مساره التدريجي الصحيح، ويتسارع هذا الحراك مع تسارع الأصوات المطالبة بوضع حد للعبث الخوارزمي الذي نال من أصالة الأدب وبنيته النصية.
ولتمثيل هذا المسار وتوقع قادمه، ننظر إلى تجاربنا مع الانتحال الرقمي التقليدي الذي كان بطله محركات البحث مثل «جوجل» أو المصادر الرقمية العامة، وانتهت المشكلة بتوفر حلول رقمية مضادة كثيرة تطورت تدريجيا، فأمكن لها كشف حالات الانتحال والسرقات الأدبية بدقة عالية.
هذا ما يمكن أن نتوقعه مع مشكلة العبث الخوارزمي؛ لينتهي حاله مع خوارزميات فائقة الذكاء تعمل بجودة وسرعة عالية. ورغم إدراكي للتعقيد التقني والخوارزمي في حالة نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية؛ فالفرق بينه وبين الجيل التقني السابق -محركات البحث وأدوات التوليد النصي الحاسوبي البدائية- شاسع. لذلك من المعقول أن نقول إن الحلول التقنية المضادة يمكن أن تجد مستقرها وتولد من رحم شركات الذكاء الاصطناعي نفسها؛ إذ إنها صاحبة الداء والدواء، وكما أشرنا في مقال سابق بأن علينا أن نداوي علتنا التقنية بالتقنية ذاتها متمثلين بيت أبي نواس: وداوني بالتي كانت هي الداء.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني
