عمان اليوم

23 ألف طلب صلح تؤكد تجذر ثقافة السلام في المجتمع العُماني

10 أكتوبر 2026
10 أكتوبر 2026
مدير دائرة التوفيق والمصالحة بمسقط لـ"عمان":

تشكل لجان التوفيق والمصالحة ملاذاً هادئاً لإنهاء الخلافات وإصلاح ذات البين بأقل الخسائر الممكنة. في هذا الحوار يكشف لنا الدكتور إبراهيم بن سليمان العميري- مدير دائرة التوفيق والمصالحة بمسقط كواليس العمل الإنساني داخل هذه اللجان، مستعرضاً قفزة الأرقام الإيجابية في طلبات الصلح، ويتطرق خلال حديثه إلى قوة المجتمع العُماني في إرساء ثقافة الصلح، وكيف أسهم التحول الرقمي وبرنامج التسوية الإلكتروني في تسهيل الإجراءات وفتح آفاق جديدة للعدالة الناجزة.

دكتور إبراهيم.. لو فتحنا نافذة على أروقة التوفيق والمصالحة اليوم، كيف تصفون طبيعة العمل داخل هذه اللجان بعيداً عن لغة الأرقام الصماء؟

نحن عندما نفتح نافذة على غرف الخلافات، لا نتعامل مع ملفات قضايا وأرقام صماء، بل نعمل في جوهر الأمر كمختبرات هادئة لأنفس أضناها الشقاق والخلافات على تعددها وتنوعها، هذه الأنفس تبحث عن طوق نجاة وحل ناجع وسريع يتضمن رأب صدع الخلاف بأقل الخسائر الممكنة.

بالحديث عن لغة الأرقام، كيف تنظرون إلى حجم الإقبال المتصاعد على لجان التوفيق والمصالحة خلال السنوات الأخيرة؟

وإذا تعمقنا قليلًا في لغة الأرقام، فإننا نصل إلى ما يمكن تسميته تجاوزًا بالصدمة الإيجابية، من حيث التصاعد الكبير في الإقبال على هذه اللجان، فلو ذكرنا، على سبيل المثال لا الحصر، مقارنة بسيطة تكشف حجم الإقبال المتصاعد على هذه اللجان، ففي عام 2007 م كان عدد الطلبات المقدمة لهذه اللجان لا يتجاوز ستة آلاف وستة وأربعين طلباً في عموم السلطنة، بيد أن الأمر تخطى عتبة الثلاثة والعشرين ألفا في آخر إحصائية موثقة في نهاية العام المنصرم 2025، وهو ما نأمل زيادته حسب المؤشرات الأولى في العام الحالي 2026.

ما هي نسبة النجاح المحققة لديكم في قضايا الصلح عند حضور أطراف النزاع؟

من أبرز مصاديق هذه الأرقام أن نسبة الصلح عند حضور الأطراف بلغت 87% من النزاعات المعروضة على اللجان عند حضور طرفي الخصومة، وهذا مؤشر رائد في الوسائل البديلة للتقاضي عالميًا، والتي من ضمنها لجان التوفيق والمصالحة.

ما هي أكثر أنواع النزاعات شيوعاً التي تأتيكم لتحل ودياً وفقاً لما أقره القانون؟

حددت المادة الرابعة من قانون التوفيق والمصالحة نوعية النزاعات التي تُعرض على لجان التوفيق والمصالحة، التي حصرها المشرع في ثلاثة أنواع من النزاعات، هي: النزاعات التجارية والمدنية ومسائل الأحوال الشخصية، والمدنية هي أكثرها شيوعا.

هل تلاحظون أي تفاوت في نسب حضور هذه القضايا على أرض الواقع؟

بالنسبة لخارطة النزاعات لدينا في اللجان، فإن النزاعات المدنية تستأثر بالنصيب الأوفر حسب ما ذكرت سابقا، حيث شكلت ما يقرب من 50% من الطلبات المسجلة بآخر إحصائية في آخر إحصائية موثقة للعام المنصرم، تلتها القضايا الشرعية ثم التجارية، ومما يجدر بالذكر أن هذا الأمر يختلف باختلاف الرقعة الجغرافية التي تغطيها اللجنة. ففي بعض اللجان، يختلف التوزيع لاختلاف البيئة الموجودة في نطاق عمل اللجنة.

بحكم اطلاعكم المباشر على كواليس الخلافات، هل واجهتكم حالات بدت مستحيلة في بدايتها ثم تحولت إلى قصة نجاح إنسانية؟

نعم. فالحديث عن البعد الإنساني في عمل اللجنة حديث أساسي يمثل دورًا ذا أهمية كبيرة في تعاملاتها. فبناءً على ذلك، نحن نتعامل مع حالات إنسانية تؤثر في العاملين باللجان، كما تؤثر في المتقدمين لها. ولعل من القضايا التي تبقى في الذهن بعض القضايا التي طرقت باب القضاء لسنوات دون حل، ولكن بتوفيق المولى تعالى، تم حل القضية التي كان يتجاذبها جانبان في جلستين من جلسات الصلح: الشق القانوني والحقوق، والبعد الأسري المتمثل في انقطاع صلة الرحم بين أطراف الخصومة، التي للأسف الشديد وجدت طرقًا متعددة لتأجيجها. وبعد جسر هذه الهوة وإذابة الجليد الذي كان يطغى على هذه العلاقات، بدأت الصورة تتجلى. فالإنسان حين يكون في قلب الحدث لا يرى إلا ما يريد، كما قالت العرب قديمًا: صاحب الحاجة أعمى لا يرى إلا حاجته. فهو في خضم النزاع لا يرى إلا ما هو من حقه حسب تصوره. ويغض الطرف عامدًا أو غافلًا عن الصورة الكاملة للنزاع، والتي عملت اللجنة على توضيحها، ليبدأ تفكيك المشكلة وصولًا إلى حل مرضٍ إلى حد كبير لجميع الأطراف، على قاعدة الكل فائز عند حل النزاع الذي طال أمده كثيرًا.

في المحاكم، يرتدي الخصوم دروعاً من التحدي والتشدد. متى يسقط هذا القناع عادةً داخل غرفة التوفيق والمصالحة؟

أتفق كثيرًا مع صيغة السؤال، فالخصوم بدايةً، في أي خصومة، يكونون متحفزين للظفر بما يرونه حقًا أصيلًا لهم، لا يمكن أن يطرحوه ولو طرحًا للنقاش. فالكل يرتدي ثوب الحفاظ على الكرامة والكبرياء المزعومين والحفاظ على الحقوق، وينسى أو يتناسى أن الأمر له أكثر من زاوية للنظر، وقد يكون اختار الزاوية الضيقة للنظر. وهنا يأتي دور اللجنة في فتح آفاق أرحب لعدة مسارات لحل القضية، تحفظ للطرفين مكانتهما، وبالمقابل تبصر الطرفين بعواقب استمرار الخلاف والنزاع، الذي يطول بطبيعته مع إطالة أمد التقاضي والإجراءات الروتينية. ففي أحايين كثيرة، يكون النزاع المبدئي في حقيقته عرضًا لأمر أصعب، وهو الألم النفسي. فمكمن الداء في القلب والمشاعر، لا في الجيب والمال. وحين تلامس اللجنة هذه النقطة، تبدأ الدروع بالتلاشي؛ لأن اللجنة وجهت البوصلة إلى مكمن الداء، لا إلى العرض الواضح للعيان، بما يلامس مبضع الجراح الذي لا يرى عرض الحمى، وإنما يذهب لتشخيص الداء الحقيقي وراء ظهورها. وعندها يرتدي الخصوم نظارة تريهم الخلاف على حقيقته، فبدلًا من البحث عن الانتصار بأي ثمن، يبحثون عما يريح ضمائرهم ويوصلهم إلى السلام الداخلي، بدلًا من المناكفات، طمعًا في جني ثمرات الصلح دنيويًا وأخرويًا.

إلى أي مدى يمتلك المجتمع العُماني اليوم "ثقافة الصلح" والتنازل المرن؟

لعل من الملاحظ، حتى على المستوى الدولي، ما يملكه المجتمع العُماني من قوة ناعمة متمثلة في جنوحه للسلم والبعد عن الاستقطابات متى كان ذلك ممكنًا. وهذا في حقيقته انعكاس لطبيعة الشخصية العُمانية المستلهمة من دينها الحنيف قيم التسامح، والتي تبهر غيرهم، قريبًا كان أم بعيدًا. ولعل هذا الجانب هو ما التقطه المشرع العُماني بتشريعه لقانون التوفيق والمصالحة قبل أكثر من عشرين عامًا، مستغلًا هذه الخاصية. والناظر إلى نصوص هذا القانون يجد أن أبرز خصائصه هي المرونة الغالبة على جل مواده؛ لأن المشرع أراده خطًا دفاعيًا أولًا لتحقيق العدالة الناجزة الودية.

كيف تمكنتم من التطوير الفعلي لأدواتكم لتسريع وتيرة التواصل مع أطراف النزاع في ظل التحول الرقمي؟

يشهد العام الحالي العمل الفعلي ببرنامج التسوية الإلكتروني الذي أطلقته وزارة الداخلية، وقد أتى على كثير من المعوقات التي كانت تعترض عمل اللجان. فأصبح من السهولة بمكان التقدم لأي لجنة في السلطنة عن طريق الهاتف النقال، وطالب الخدمة في منزله، فلا يتكلف عناء الانتقال إلى مقر اللجنة. فأصبحت اللجان، منذ مطلع العام الحالي 2026، لا تستقبل الطلبات يدويًا، وإنما إلكترونيًا، وكذا بالنسبة لصرف نسخ محاضر الصلح أو الصيغة التنفيذية لها، مما جعل العمل أكثر انسيابية في اللجان.

دكتور ..ما هي تطلعاتكم وخططكم المستقبلية لتوسيع نطاق الجلسات الرقمية عن بُعد ؟

ومن المؤمل أن تُستكمل هذه الطفرة بتوفير الغطاء القانوني للجلسات التي تُعقد عن بُعد أو عبر المنصات الرقمية، مما يساهم في تعزيز التحول الرقمي على أرض الواقع في عمل لجان التوفيق والمصالحة.

Image