نعمل لبناء منظومة مستدامة.. وطموحنا يتجاوز زيادة البطولات
تسير اللجنة العُمانية لألعاب المضرب بخطوات متدرجة نحو توسيع قاعدة ممارسة ألعاب المضرب في سلطنة عُمان، واضعة الفئات السنية في مقدمة أولوياتها، من خلال سلسلة من البرامج والبطولات والمراكز التدريبية التي تستهدف اكتشاف المواهب في سن مبكرة وصقل قدراتها، وصولًا إلى تكوين منتخبات وطنية قادرة على الحضور في المشاركات الإقليمية والقارية والدولية. وشهدت الفترة الماضية نشاطًا لافتًا للجنة، خصوصًا في لعبة الريشة الطائرة، تمثل في تنظيم البطولات المخصصة للفئات السنية، وإقامة برامج لاكتشاف اللاعبين، إلى جانب الاهتمام بتطوير المدربين والحكام والكوادر التنظيمية، في توجه يعكس رغبة اللجنة في بناء قاعدة متكاملة لا تقتصر على زيادة عدد البطولات والممارسين، وإنما تمتد إلى إيجاد مسار واضح يستطيع من خلاله اللاعب الانتقال من مرحلة الاكتشاف إلى التدريب والمنافسة، ومن ثم تمثيل المنتخبات الوطنية. وفي ظل هذا الحراك، تبرز تساؤلات عدة حول مستقبل ألعاب المضرب في سلطنة عُمان، والخطط التي تعمل عليها اللجنة لتوسيع انتشارها في المحافظات، والتحديات المرتبطة بالمنشآت والإمكانات والكوادر الفنية، إلى جانب استراتيجية المشاركات الخارجية واستضافة البطولات الإقليمية والدولية، ومدى انعكاسها على تطوير مستويات اللاعبين العُمانيين.
«عُمان الرياضي» حاور الدكتور عبدالرحيم بن مسلم الدروشي، رئيس اللجنة العُمانية لألعاب المضرب ونائب رئيس الاتحاد العربي للريشة الطائرة وأستاذ الإدارة الرياضية وسياسات الرياضة المشارك بجامعة السلطان قابوس، للحديث عن ملامح المشروع الذي تعمل عليه اللجنة، ومستقبل الفئات السنية، وخطط الاستضافة والمشاركات الخارجية، والأهداف التي تسعى إلى الوصول إليها خلال السنوات المقبلة.
منظومة متكاملة
في بداية حديث الدكتور عبدالرحيم الدروشي عن تقييم المرحلة الحالية وما تسعى اللجنة إلى تحقيقه على المدى البعيد، أوضح الدروشي أن اللجنة تنظر إلى ما يحدث خلال هذه المرحلة باعتباره بناءً لمنظومة متكاملة أكثر من كونه مجرد زيادة في عدد البطولات والأنشطة، وقال: «منذ عام 2023 وضعنا رؤية طموحة للريشة الطائرة تحديدًا، وهي أن تكون الرياضة الفردية الأكثر ممارسة في سلطنة عُمان بحلول عام 2030، ولذلك فإن معظم البرامج التي ننفذها اليوم تصب في تحقيق هذه الرؤية». وأضاف: عملنا يقوم على عدة مسارات متوازية أهمها توسيع قاعدة الممارسة، والوصول إلى الفئات السنية الأصغر، واكتشاف الموهوبين وتطويرهم، وتأهيل المدربين والحكام والمعلمين والكوادر التنظيمية، وبناء منتخبات وطنية، إلى جانب رفع جودة البطولات المحلية والتدرج في المشاركات والاستضافات الدولية. وأشار الدروشي إلى أن الأرقام التي تحققت خلال فترة قصيرة تقدم للجنة مؤشرات إيجابية، موضحًا أن اللجنة قامت خلال ثلاثة أعوام بتنظيم 18 حدثًا رياضيًا، من بينها أحداث دولية، كما افتتحت ثلاثة مراكز تدريبية، ووصلت إلى شرائح مختلفة من المجتمع من خلال برامج المدارس والمرأة والفعاليات المجتمعية. وشدد رئيس اللجنة العُمانية لألعاب المضرب على أن هذه الأرقام ليست الهدف الرئيس، وإنما الأهم بالنسبة للجنة هو أن يتحول هذا الحراك الرياضي إلى ثقافة ممارسة مستدامة، وقاعدة بشرية وفنية قادرة على صناعة مستقبل ألعاب المضرب العُمانية.
صناعة المواهب
وحول الاهتمام المتزايد بالفئات السنية، أكد الدروشي أن هذه الفئات تمثل القلب النابض للمشروع الذي تعمل عليه اللجنة، لأن بناء لاعب قادر على المنافسة إقليميًا وقاريًا لا يبدأ عند سن المنتخب الأول، وإنما قبل ذلك بسنوات عديدة، موضحًا: أتحدث هنا عن الاستثمار في لاعبينا في أعمار بين الثامنة والعشر سنوات تقريبًا، لذلك نحاول بناء مسار واضح يبدأ من الممارسة الواسعة، ثم الاكتشاف، فالانتقاء، فالتدريب المنتظم، ثم البطولات والمعسكرات، وصولًا إلى المنتخبات والمشاركة الدولية. وبيّن أنه لهذا السبب استثمرت اللجنة، بدعم من وزارة الثقافة والرياضة والشباب، في إنشاء مراكز إعداد الرياضيين، مضيفًا: افتتحنا ثلاثة مراكز خلال عامي 2025 و2026م، ونعمل على افتتاح مركزين إضافيين خلال العام المقبل، بما يوسع التغطية الجغرافية ويمنحنا فرصة الوصول إلى مواهب لم تكن متاحة لنا سابقًا. ولفت الدروشي إلى أن هذه المراكز بدأت تنتج فعليًا، حيث شكل لاعبوها نحو 85% من لاعبي المنتخبات الوطنية المشاركين في الاستحقاقات الدولية الأخيرة، كما أن المشاركة الأولى خارجيًا لمنتخب ناشئي الريشة الطائرة في بطولة غرب آسيا بالعراق عام 2025 جاءت بعد بطولات للانتقاء وتجمعات ومعسكرات متدرجة، وليس من خلال اختيار عابر للاعبين. وأكد أن هذا هو النموذج الذي تطمح اللجنة إلى ترسيخه، بحيث يعرف اللاعبون وأولياء أمورهم منذ اكتشافهم أن أمامهم مسارًا واضحًا يستطيعون من خلاله الوصول إلى المنتخب الوطني إذا امتلكوا الموهبة والانضباط والاستمرارية.
تحديات مترابطة
وعن أبرز التحديات التي تواجه انتشار وتطور ألعاب المضرب في سلطنة عُمان، أوضح الدروشي أن التحدي لا يكمن في جانب واحد، لأن اللجنة تتعامل مع منظومة مترابطة، وقال: المنشآت مهمة، والكوادر الفنية مهمة، وقاعدة الممارسين مهمة، لكن التحدي الأكبر في تقديري هو بناء سلسلة متكاملة ومستدامة تربط بين هذه العناصر جميعًا، وتابع: في الريشة الطائرة على سبيل المثال يمكن نشر اللعبة بسهولة نسبية، ولكن تحويل الممارس إلى لاعب منافس يحتاج إلى مدرب مؤهل، وتدريب منتظم، ودعم أولياء الأمور، ومنافسات مستمرة، ومتابعة طويلة الأمد، أما في الاسكواش، فهناك تحدٍ إضافي مرتبط بتوافر الملاعب المتخصصة وانتشارها جغرافيًا. وأوضح أن اللجنة لم تنتظر اكتمال المنشآت أو الإمكانات، وإنما حاولت العمل من خلال الشراكات مع وزارة الثقافة والرياضة والشباب، والأندية، والمدارس، والأكاديميات والقطاع الخاص. وشدد على أن مستقبل ألعاب المضرب في عُمان سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة اللجنة على تحويلها من نشاط مرتبط بموقع أو بطولة إلى ممارسة متاحة ومستدامة في المحافظات المختلفة.
توسع جغرافي
وفيما يتعلق بخطط توسيع قاعدة ممارسة ألعاب المضرب في مختلف محافظات سلطنة عُمان، أكد الدروشي أن التوسع الجغرافي يمثل أولوية رئيسة للجنة، موضحًا أنه إذا كان الهدف أن تصبح الريشة الطائرة من أكثر الرياضات ممارسة في سلطنة عُمان، فلا يمكن أن يتركز النشاط في مسقط أو في عدد محدود من المنشآت، وقال: لدينا ثلاثة مراكز تدريبية، ونعمل على افتتاح مركزين إضافيين خلال العام المقبل، كما أن توجهنا يقوم على الشراكة وليس على أن تقوم اللجنة بكل شيء منفردة.
وأشار إلى أن المدارس بالنسبة للجنة تمثل بوابة أساسية للوصول إلى الأطفال، فيما توفر الأندية الاستدامة المحلية، وتوفر الأكاديميات بيئة تدريب متخصصة، بينما تساعد المراكز التي تدعمها اللجنة بالتعاون مع الوزارة على ربط هذه المسارات ببرامج اكتشاف وإعداد الرياضيين، وأوضح أن برامج اللجنة سبق أن امتدت إلى محافظات مختلفة، كما شهدت بطولة عُمان للأندية في عام 2025 مشاركة قياسية بلغت 15 ناديًا من محافظات متعددة، معتبرًا ذلك مؤشرًا مهمًا على اتساع الاهتمام باللعبة، وأكد الدروشي أن اللجنة تريد في المرحلة المقبلة أن تصبح لديها نقاط ممارسة وتدريب أكثر انتشارًا، بحيث لا تكون المسافة الجغرافية عائقًا أمام الطفل الموهوب.
استثمار بشري
وعند الحديث عن المدربين والحكام والكوادر الوطنية ودورها في مشروع تطوير ألعاب المضرب، أشار رئيس اللجنة إلى أن القناعة منذ البداية كانت واضحة بعدم إمكانية بناء لعبة قوية بلا رأس مال بشري مؤهل، ولذلك كان الاستثمار في الإنسان أحد أكبر مسارات عمل اللجنة، وقال: تم تأهيل نحو 80 معلمًا و20 محاضرًا، بما يساعدنا على نشر اللعبة بطريقة علمية داخل البيئة المدرسية، وارتفع عدد المدربين العُمانيين الحاصلين على المستوى الأول من الاتحاد الدولي للريشة الطائرة من ثلاثة إلى تسعة خلال عامين فقط، وأضاف: وعلى مستوى التحكيم أصبح لدينا أكثر من 44 حكم خط و16 حكم ساحة، بينهم تسعة حكام ضمن التصنيف الدولي والإقليمي، وأوضح الدروشي أن اللجنة تحاول بناء منظومة قادرة على إعادة إنتاج نفسها، حيث أصبح بعض من تلقوا التأهيل في برامج «وقت الريشة» لاحقًا محاضرين يقدمون التدريب لدفعات جديدة. وشدد على استمرار اللجنة في هذا النهج، لأن اللاعب وحده لا يصنع منظومة رياضية، وقال: نحن في أمس الحاجة إلى مدرب جيد، وحكم مؤهل، وإداري محترف، ومتطوع قادر على التنظيم، ولذلك ننظر إلى تطوير الكوادر باعتباره استثمارًا طويل الأمد وليس نشاطًا تدريبيًا مؤقتًا، مشيرًا إلى أن المبالغ التي تستثمرها اللجنة في دعم هذه الكوادر تمثل ما لا يقل عن 40% من موازنتها السنوية.
استضافات دولية
وحول خطة اللجنة لاستقطاب وتنظيم البطولات الإقليمية والدولية في سلطنة عُمان، بيّن الدروشي أن الاستضافة الدولية جزء أساسي من الخطة، لكن اللجنة تتعامل معها بتدرج، وقال: نريد أن نبني أولًا سجلًا تنظيميًا وثقة لدى الاتحادات الإقليمية والقارية والدولية في قدرة سلطنة عُمان على تقديم بطولات بمستوى مرتفع، وأشار إلى أن استضافة بطولة غرب آسيا للريشة الطائرة للناشئين 2024 في مسقط شكلت محطة مهمة جدًا، حيث شاركت 12 دولة في الحدث إداريًا، وشارك فعليًا 58 لاعبًا ولاعبة يمثلون ثماني دول، كما حظيت البطولة بإشادة تنظيمية واسعة، وأتاحت في الوقت نفسه الفرصة للكوادر الوطنية للعمل في بيئة بطولة دولية.
وعن الخطوة المقبلة في ملف الاستضافة، قال الدروشي: طموحنا مستقبلًا هو الانتقال بصورة مدروسة إلى استضافة أحداث أكبر في الريشة الطائرة والاسكواش، بالتنسيق مع الاتحادات الإقليمية والآسيوية والدولية، وبما يتناسب مع إمكاناتنا وأهدافنا الفنية. وشدد رئيس اللجنة على أن الهدف لا يتمثل في زيادة عدد البطولات المستضافة فحسب، وقال: نحن لا نسعى إلى استضافة بطولة من أجل الاستضافة فقط، بل نبحث عن البطولات التي تحقق قيمة فنية وتنظيمية وتسويقية حقيقية لألعاب المضرب في سلطنة عُمان.
وعن انعكاس استضافة البطولات على تطوير مستويات اللاعبين العُمانيين، أوضح الدروشي أن هذا الجانب يمثل أحد أهم أسباب اهتمام اللجنة بالاستضافة، وقال: عندما نستضيف بطولة دولية فإننا لا نستورد حدثًا رياضيًا فقط، وإنما نستورد المنافسة والخبرة والملاعب والتجهيزات الحديثة إلى داخل سلطنة عُمان، وبيّن أن ذلك حدث بالفعل بعد استضافة بطولة غرب آسيا للناشئين في عام 2024م، والتي استطاعت اللجنة من خلالها توفير مجموعة من الملاعب والتجهيزات العالمية للعبة، بالإضافة إلى تأهيل 60 شابًا عُمانيًا بين منظمين وحكام وحكام خطوط. وكشف أن اللجنة تقوم حاليًا بدراسة استضافات دولية للعامين القادمين بما يخدم أهدافها التطويرية، مؤكدًا أن اللجنة تنظر إلى الاستضافة باعتبارها أداة تطوير فني بقدر ما هي حدث تنظيمي.
وحول المشاركات الخارجية، كشف الدروشي عن ملامح البرنامج المستقبلي للمشاركات، موضحًا: نعمل في خطتنا 2026-2030 على خريطة مشاركات خارجية متدرجة، تبدأ بالبطولات الإقليمية المناسبة للفئات السنية، ثم غرب آسيا والبطولات العربية والآسيوية، وصولًا إلى مستويات أعلى كلما تطور اللاعب.
رؤية 2030
وفي ختام حديثه عن الصورة التي تطمح اللجنة إلى الوصول إليها خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، أكد الدروشي أن الطموح كبير، لكن اللجنة تريد قياس نجاحها بمؤشرات واضحة وليس بالشعارات فقط، وقال: في الريشة الطائرة تحديدًا وضعنا منذ عام 2024 رؤية بأن تكون الريشة الطائرة الرياضة الفردية الأكثر ممارسة في سلطنة عُمان بحلول عام 2030، وهذا هدف كبير يتطلب أن تصل اللعبة إلى المدارس والأندية والمحافظات والأكاديميات ومختلف فئات المجتمع، وأضاف: أما خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، فنريد أن نرى قاعدة ممارسة أكبر بكثير، ومراكز إعداد منتشرة جغرافيًا، وعددًا أكبر من المدربين والحكام والمحاضرين العُمانيين المؤهلين، وبطولات محلية منتظمة للفئات السنية، ومنتخبات وطنية مستقرة في مختلف الأعمار، وحضورًا عُمانيًا مستمرًا في البطولات الإقليمية والقارية.
وشدد الدروشي على أن المؤشر الأهم سيكون استمرارية هذا العمل واستكمال المسار، وهو أن تستطيع اللجنة اكتشاف طفل في مدرسة أو فعالية مجتمعية، ثم ينتقل إلى مركز إعداد، ومنه إلى بطولة للفئات السنية، ثم إلى معسكر ومنتخب وطني، وصولًا إلى تمثيل سلطنة عُمان خارجيًا، مؤكدًا أنه عندما يصبح هذا المسار منتظمًا ومستدامًا يمكن القول إن المشروع نجح مؤسسيًا.
وأوضح أن ما تقوم به اللجنة حتى الآن يمثل 50% من هذا العمل، وأنها تسعى إلى إكمال المسار، مضيفًا: في الجانب التنافسي نطمح بطبيعة الحال إلى الميداليات والنتائج، ولكننا نؤمن بأن الإنجاز الدولي المستدام هو نتيجة لمنظومة قوية وليس بديلًا عنها، واختتم الدروشي حديثه بالإشارة إلى أن ما تحقق حتى الآن، من وصول مخرجات المراكز إلى 85% من لاعبي المنتخبات في المشاركات الدولية الأخيرة، وبدء المشاركات الخارجية لناشئي الريشة الطائرة، يعطي اللجنة مؤشرات بأنها تسير في الاتجاه الصحيح، مؤكدًا أن طموحها للمرحلة المقبلة أكبر بكثير.
