منصة "وثيق" تتيح للمهتمين بالتراث العُماني الوصول للوثائق التاريخية
وظفت مكتبة الشيخ محسن بن زهران العبري الأهلية العامة بولاية الحمراء بمحافظة الداخلية التقنيات الحديثة لحفظ الموروث الوثائقي، وتحويله من وثائق ورقية محفوظة في الأرشيف إلى مصادر معرفية رقمية يمكن الوصول إليها والبحث في محتوياتها بسهولة ويسر بمشروع "منصة وثيق" الذي توجت فيه بالمركز الأول في مجال الإبداع والابتكار، في حفل ختام مسابقة «إجادة» الذي نظمته وزارة الثقافة والرياضة والشباب أمس.
((عمان)) تسلط الضوء على مشروع المكتبة المبتكر «منصة وثيق»، الهادف إلى رقمنة الوثائق التاريخية وحفظها وإتاحتها للباحثين والدارسين والمهتمين بالتاريخ والتراث العُماني.
يقع مقر المكتبة الحالي في المنيزف بولاية الحمراء، وأسسها الشيخ محسن بن زهران العبري الذي كان شغوفا بسائر العلوم وكان لديه ميول أكثر بالأدب والشعر تحديدا، ومن ذلك التمس منابع العلم منذ صغره.
وجاءت منصة وثيق تتويجا لجهوده كمشروع معرفي لحفظ الذاكرة التاريخية، وهي إحدى المبادرات النوعية التي تبنتها مكتبة الشيخ محسن بن زهران العبري الأهلية العامة، انطلاقًا من إدراكها للقيمة التاريخية والعلمية للوثائق القديمة، وما تمثله من مصادر أصيلة لدراسة التاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي لسلطنة عُمان.
وتقوم فكرة المشروع على رقمنة ما يقارب 30 ألف وثيقة تاريخية تحتفظ بها المكتبة، والعمل على تصنيفها وفهرستها وإدخال بياناتها في منظومة إلكترونية متخصصة، وتتيح للباحث البحث عن الوثائق وفق الموضوعات والأسماء والأماكن والتواريخ وغيرها من المحددات البحثية.
وتتميز المنصة بقدرتها على تسهيل الوصول إلى المعلومات التي يحتاج إليها الباحث، بدلًا من البحث اليدوي في أعداد كبيرة من الوثائق الورقية، الأمر الذي يسهم في اختصار الوقت والجهد، ويفتح آفاقًا جديدة أمام الدراسات التاريخية والبحوث الأكاديمية.
كما تسعى المنصة إلى المحافظة على أصول الوثائق من التلف الناتج عن كثرة التداول، مع ضمان استمرار الاستفادة من محتوياتها للأجيال القادمة.
من الحفظ التقليدي إلى التحول الرقمي ويمثل مشروع «وثيق» نقلة نوعية في عمل المكتبات الأهلية، إذ لم تعد مهمتها تقتصر على جمع الكتب والوثائق وحفظها، وإنما امتدت إلى إنتاج المعرفة وتنظيمها وتيسير الوصول إليها باستخدام الوسائل التقنية الحديثة.
ويكتسب المشروع أهمية خاصة في ظل ما تزخر به سلطنة عُمان من رصيد وثائقي غني، يتضمن المراسلات والمبايعات والاتفاقيات والوصايا والمعاملات والسجلات وغيرها من الوثائق التي تعكس جوانب متعددة من حياة المجتمع العُماني عبر الحقب التاريخية المختلفة.
وتعمل المكتبة من خلال هذه المبادرة على بناء قاعدة بيانات وثائقية منظمة، يمكن أن تشكل مستقبلًا مرجعًا مهمًا للباحثين والمؤرخين وطلبة الجامعات ومراكز الدراسات.
الابتكار والاستدامة
ولا يقتصر الجانب الابتكاري في منصة «وثيق» على تحويل الوثائق الورقية إلى صور رقمية، بل يمتد إلى تنظيم المعلومات المرتبطة بها، وإيجاد وسائل بحث واسترجاع تساعد المستفيد على الوصول إلى الوثيقة المطلوبة وفق اهتماماته البحثية.
كما يتضمن التصور المستقبلي للمشروع تطوير نموذج للاستدامة المالية من خلال الاشتراكات الرمزية للاستفادة من خدمات المنصة، وإتاحة الحصول على نسخ من الوثائق وفق ضوابط محددة ورسوم مقررة، بما يوفر موارد مالية تساعد على تغطية تكاليف التشغيل والصيانة والتطوير المستمر، والتوسع في رقمنة المزيد من الوثائق.
وتطمح المكتبة كذلك إلى تعزيز التعاون مع الأفراد والأسر والمؤسسات التي تحتفظ بوثائق تاريخية، وتشجيعها على المساهمة في إثراء المنصة بنسخ رقمية من وثائقها، مع حفظ حقوق أصحابها والإشارة إلى مصادرها، بما يعزز المشاركة المجتمعية في صون الذاكرة الوطنية.
إنجاز
ويعكس حصول المكتبة على المركز الأول في مسابقة «إجادة» أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به المكتبات الأهلية في مجال الإبداع والابتكار، وقدرتها على تقديم مشروعات ثقافية تتجاوز الخدمات المكتبية التقليدية إلى مبادرات رقمية ذات أثر علمي ومجتمعي مستدام.
كما يؤكد هذا الإنجاز أهمية الاستثمار في التراث الوثائقي، بوصفه مصدرًا أساسيًا لفهم التاريخ وحفظ الهوية الوطنية، وإتاحته للأجيال الحاضرة والقادمة من خلال أدوات معرفية حديثة.
وتضم المكتبة علوم القرآن وتفسيره والحديث الشريف والفقه والعقيدة واللغة والأدب والمعاجم والدواوين الشعرية وكذلك التاريخ والسير والكتب والصحف والمجلات والمنشورات المنوعة.
ويضاف هذا الفوز إلى مسيرة مكتبة الشيخ محسن بن زهران العبري الأهلية العامة، التي تضم نحو 14 ألف عنوان في مختلف مجالات المعرفة، إلى جانب مجموعاتها من الوثائق والمخطوطات التاريخية، وإصداراتها البحثية والثقافية التي تسهم في توثيق تاريخ ولاية الحمراء والتراث العُماني.
تطلعات مستقبلية
وتتطلع المكتبة إلى أن تصبح منصة «وثيق» مرجعًا رقميًا متخصصًا في الوثائق التاريخية العُمانية، وأن تتوسع خدماتها مستقبلًا لتشمل مجموعات وثائقية جديدة، مع تطوير أدوات البحث والتصنيف والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في قراءة النصوص القديمة واستخراج المعلومات منها.
ويشكل هذا الإنجاز حافزًا لمواصلة العمل على تطوير المنصة وتوسيع نطاق خدماتها، بما يسهم في خدمة الباحثين، وتشجيع الدراسات التاريخية، وحماية الموروث الوثائقي العُماني من الضياع والتلف.
وبهذا الفوز، تقدم مكتبة الشيخ محسن بن زهران العبري الأهلية العامة نموذجًا عمليًا لكيفية انتقال المؤسسات الثقافية الأهلية من حفظ التراث إلى استثماره معرفيًا، ومن صون الوثيقة إلى إتاحتها للبحث والدراسة، لتبقى الذاكرة التاريخية العُمانية حاضرة ومتاحة للأجيال.
