عمان اليوم

دعوات لبناء نمط حياة متوازن للأطفال وتقنين الشاشات وتفعيل الإشراف الأسري

09 أكتوبر 2026
09 أكتوبر 2026
حوار

Image

تتعدد القصص التي تستقبلها عيادات الأطفال، فتبدو مختلفة في تفاصيلها، لكنها تلتقي عند نقطة مشتركة، أب يتحدث عن صداع متكرر يلازم ابنه، وآخر يعبر عن قلقه من تراجع مفاجئ في مستواه الدراسي، وثالث يشكو اضطراب نوم طفله وتغير سلوكه، فيما تتابع أسرة بقلق انغماس ابنتها المتزايد في العالم الافتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي بدون توقف.

وبين هذه القصص المتعددة، تبرز حقيقة باتت أكثر وضوحًا في حياة أطفال اليوم، شاشة صغيرة تتسع مساحتها يوما بعد يوم، تحمل بين طياتها مخاطر جسيمة، مما ينتج عنه عواقب تتعلق بقلة اللعب والحركة، ومحدودية الحوار والتفاعل، وسط دعوات متكررة للرقابة الأسرية والاحتواء الآمن للأطفال.

Image

وهذا ما يؤكده الدكتور وليد الرزيقي، استشاري طب الأطفال بقوله: إن هذه الحالات لم تعد استثنائية، بل أصبحت واقعًا ملموسًا يُلحظ بصورة متكررة في العيادات، خاصة مع امتلاك أعداد متزايدة من الأطفال، ممن لم تتجاوز أعمارهم عشر سنوات، للهواتف الذكية والأجهزة المتصلة بالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

ويضيف: هذه الأجهزة أصبحت ترافق الطفل في مختلف تفاصيل يومه؛ في المدرسة والسيارة، وعلى مائدة الطعام، وحتى داخل غرفة النوم؛ إذ قد يكون الجهاز اللوحي أول ما تقع عليه عيناه عند الاستيقاظ، وآخر ما يرافقه قبل النوم.

ويشير الدكتور وليد إلى أن الهاتف الذكي لم يعد مجرد جهاز إلكتروني، بل أصبح أحد أكثر العوامل تأثيرًا في حياة الطفل المعاصر، فهو قادر على فتح آفاق واسعة للتعلم والإبداع والتواصل، لكنه في الوقت نفسه قد يفتح أبوابًا للقلق واضطرابات النوم والعزلة والاستدراج الإلكتروني، إذا استُخدم دون وعي أو إشراف.

ويضيف: الطفولة مرحلة عمرية لا تتكرر، وما يفقده الطفل، خصوصًا خلال سنواته الأولى، قد يصعب تعويضه لاحقًا مهما تطورت التكنولوجيا.

ويرى أن مسؤولية الأسرة لا تقتصر على تعليم الأبناء كيفية استخدام الأجهزة الذكية، بل تمتد إلى تعليمهم كيفية الحفاظ على صحتهم ونومهم وعلاقاتهم الاجتماعية وقدرتهم على التفكير والتعلم والاستمتاع بالحياة بعيدًا عن الشاشات، موضحا إن البعض قد ينظر إلى القلق المتزايد من الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية باعتباره مبالغة أو مجرد فجوة بين جيل الآباء والأبناء، إلا أن التقارير الصحية والعلمية العالمية تؤكد أن القضية تجاوزت حدود النقاشات الأسرية، لتصبح أحد أبرز تحديات الصحة العامة في العصر الحديث.

ويوضح الدكتور وليد الرزيقي أن الوقت الذي يقضيه الأطفال والمراهقون أمام الشاشات شهد ارتفاعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، ولم يعد استخدامها مقتصرًا على أوقات الفراغ، بل أصبحت حاضرة في حياة الطفل بشكل كبير، ومع هذا الحضور المتزايد، بدأت الأدلة العلمية تشير إلى ارتباط الاستخدام المفرط للشاشات، ولا سيما وسائل التواصل الاجتماعي، بعدد من المشكلات الصحية والسلوكية، من بينها اضطرابات النوم وضعف التركيز وقلة النشاط البدني، إلى جانب زيادة أعراض القلق والاكتئاب لدى بعض الفئات.

ويوضح أن هذه العلاقة تختلف من طفل إلى آخر بحسب العمر، وطبيعة المحتوى، ومدة الاستخدام، والظروف الأسرية، ولذلك لم تعد المؤسسات الصحية تركز على عدد الساعات وحده، بل أصبحت تهتم بجودة الاستخدام، ونوعية المحتوى، ووجود الإشراف الأسري، ومدى المحافظة على النوم والنشاط البدني والتفاعل الاجتماعي الحقيقي.

Image

ويشير إلى أن التوصيات الصحية تؤكد أهمية أن يكون استخدام الأجهزة الإلكترونية جزءًا من نمط حياة متوازن، بحيث لا يأتي على حساب النوم أو الدراسة أو الحركة أو العلاقات الأسرية.

ويرى الدكتور وليد أن القضية لا تتعلق بالشاشات وحدها، بل بما قد تستبدله في حياة الطفل، فكل ساعة يقضيها أمام الهاتف قد تكون ساعة أقل للنوم، أو القراءة، أو الحركة، أو اللعب، أو الحوار مع الأسرة.

ويقول إن المشكلة ليست في وجود الأجهزة الإلكترونية بحد ذاتها، وإنما في الطريقة التي تستخدم بها، والمساحة التي تستحوذ عليها من يوم الطفل، فالطفولة هي المرحلة التي تتشكل خلالها مهارات التفكير والانتباه واللغة والعلاقات الاجتماعية والنوم الصحي والنشاط الحركي، وحين تتحول الشاشة إلى النشاط الرئيسي في حياة الطفل، فإنها قد تحجب عنه العديد من الخبرات الضرورية لنموه السليم.

ومن أبرز الآثار التي يلاحظها المختصون، بحسب الدكتور وليد، اضطرابات النوم الناتجة عن الاستخدام المفرط للشاشات، خاصة خلال ساعات المساء، إذ قد يؤدي ذلك إلى تأخر النوم وقلة مدته، مؤكدا أن الطفل الذي لا يحصل على نوم كافٍ يصبح أكثر عرضة لضعف التركيز، وتراجع التحصيل الدراسي، وتقلب المزاج، والصداع، وهي أعراض باتت تُلاحظ بصورة متكررة.

ويضيف أن الاعتماد المستمر على المقاطع القصيرة والسريعة قد يدفع الطفل إلى الاعتياد على التحفيز المتواصل، الأمر الذي قد يجعل التركيز على الأنشطة التي تحتاج إلى الصبر والوقت، مثل القراءة وحل المسائل ومتابعة الدروس، أكثر صعوبة.

ويشدد على أن ذلك لا يعني أن استخدام الشاشات يسبب اضطراب نقص الانتباه، إلا أن الإفراط في استخدامها قد يزيد صعوبة التركيز لدى بعض الأطفال، خاصة عندما يأتي على حساب النوم والأنشطة الأساسية الأخرى.

أما على المستوى النفسي، فقد ارتبط الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي بزيادة مشاعر القلق والعزلة وانخفاض تقدير الذات لدى بعض المراهقين، خاصة عندما يصبح تقييمهم لأنفسهم مرتبطًا بعدد الإعجابات والمتابعين، أو عندما يقضون وقتًا طويلًا في مقارنة حياتهم بحياة الآخرين.

وفي هذا السياق، يشير الدكتور وليد إلى شيوع مصطلح «تعفن الدماغ» في الآونة الأخيرة، لوصف القلق المتزايد من الاستهلاك المفرط للمحتوى السريع والسطحي، موضحًا أن المصطلح ليس تشخيصًا طبيًا معتمدًا، لكنه يعكس مخاوف متزايدة من تأثير الاعتياد المستمر على المحتوى القصير في القدرة على التركيز العميق والتفكير المتأني، مؤكدا أن العقل النامي يحتاج إلى القراءة والحركة واللعب والتفاعل الاجتماعي، بقدر حاجته إلى الاستفادة من التقنية.

ويتطرق الدكتور وليد إلى التحول الكبير الذي طرأ على مفهوم الرقابة الأسرية، موضحًا أن الآباء في الماضي كانوا يحرصون على معرفة أصدقاء أبنائهم والبيوت التي يزورونها والأماكن التي يقضون فيها أوقاتهم، أما اليوم، فقد تغير المشهد، فقد يكون الطفل جالسًا داخل غرفته وتحت سقف منزله، لكنه في الوقت ذاته يتواصل مع أشخاص لا يعرف عنهم شيئًا، ويتعرض لمحتوى يصل إليه من مختلف أنحاء العالم بضغطة زر.

ومن أكثر القضايا التي تثير قلق المختصين، بحسب الدكتور وليد، ما يعرف بالاستدراج الإلكتروني، حيث قد يستغل بعض الأشخاص براءة الأطفال والمراهقين لبناء علاقة تدريجية معهم عبر الألعاب الإلكترونية أو وسائل التواصل الاجتماعي، مستخدمين الاهتمام والتشجيع لكسب الثقة قبل الانتقال إلى مراحل أكثر خطورة.

كما أصبح التنمر الإلكتروني أحد أكثر أشكال التنمر انتشارًا، إذ لم يعد ينتهي بانتهاء اليوم الدراسي، بل قد يرافق الطفل إلى منزله ويستمر عبر الرسائل والتعليقات والصور.

ولا تقتصر المخاطر على الغرباء فقط، بل تشمل كذلك التعرض المستمر لمحتوى غير مناسب للعمر، أو معلومات مضللة، أو مشاهد عنيفة، أو معايير غير واقعية للجمال والنجاح، وهي أمور قد تؤثر في نظرة الطفل إلى نفسه وإلى العالم من حوله.

ويؤكد الدكتور وليد أن الرقابة لا تعني التجسس على الأبناء أو مصادرة أجهزتهم، وإنما تعني بناء علاقة متماسكة تقوم على الثقة والحوار المستمر، بحيث يشعر الطفل بأن والديه هما الملاذ الأول الذي يلجأ إليه إذا واجه موقفًا مقلقًا في العالم الرقمي.

ويرى أن الحل لا يكمن في منع التكنولوجيا تمامًا، كما لا يمكن ترك الطفل يواجهها وحده، فالأجهزة الإلكترونية أصبحت جزءًا من التعليم والحياة والتواصل، لكن استخدامها يحتاج إلى قواعد واضحة تبدأ من داخل الأسرة.

ومن أهم هذه القواعد، بحسب الدكتور وليد، إدراك الوالدين أن امتلاك الطفل لهاتف ذكي أو جهاز متصل بالإنترنت ليس ضرورة في كل مرحلة عمرية، وأن النضج في التعامل مع التقنية لا يقل أهمية عن العمر، كما يحذر من تحويل الشاشة إلى وسيلة دائمة لإسكات الطفل أو مكافأته، لأن ذلك قد يربط شعوره بالراحة النفسية بالجهاز بدلًا من ربطه بالتفاعل الإنساني والحوار.

ويشير إلى أن الخبرة العملية تؤكد أن وسائل الحماية الأكثر فاعلية لا تقتصر على برامج الرقابة الإلكترونية، بل تبدأ بوجود والدين حاضرين في حياة أبنائهم، يعرفان اهتماماتهم، ويستمعان إليهم، ويشاركانهم الحوار، ويضعان قواعد واضحة يلتزم بها الجميع، فالطفل، يتعلم من القدوة أكثر مما يتعلم من التعليمات،

كما أن الاهتمام بنوعية المحتوى لا يقل أهمية عن مدة الاستخدام، فقد يقضي طفل ساعة في تعلم البرمجة أو القراءة أو تنمية مهارة جديدة، بينما يقضي طفل آخر المدة نفسها في متابعة محتوى يثير القلق أو العنف أو المقارنات الاجتماعية، ولهذا، فإن جودة المحتوى تشكل جزءًا أساسيًا من الاستخدام الصحي للتقنية.

وفي المقابل، يؤكد أهمية توفير بدائل حقيقية للأطفال، فالرياضة والقراءة واللعب الحر والأنشطة الفنية والوقت الذي يقضيه الطفل مع أسرته وأصدقائه ليست مجرد وسائل للترفيه، بل عناصر أساسية في بناء دماغه وشخصيته وثقته بنفسه.

ويختتم الدكتور وليد الرزيقي حديثه بالتأكيد على أن الهدف ليس تنشئة طفل بمعزل عن التكنولوجيا، بل تنشئة طفل يعرف كيف يستخدمها دون أن يسمح لها بالسيطرة على وقته أو صحته أو علاقاته، مضيفا إن التكنولوجيا منحت الأجيال الحالية فرصًا لم تكن متاحة من قبل، لكنها في المقابل فرضت مسؤولية أكبر على الأسرة والمجتمع، فالقضية ليست أن نمنع أبناءنا من استخدام الأجهزة الإلكترونية، وإنما أن نمنع هذه الأجهزة من حرمانهم من التجارب الإنسانية التي تُبنى بها الشخصية، وتنضج بها المشاعر، وتصنع بها الذكريات.

فالطفل يحتاج إلى الإنترنت ليتعلم، لكنه يحتاج إلى والديه ليعرف كيف يعيش، ويحتاج إلى الشاشة ليستكشف العالم، لكنه يحتاج إلى الأسرة كي تمنحه الانتماء والأمان والقدوة، مشيرا إلى أن التحدي الحقيقي أمام الأسر اليوم ليس في تعليم الأطفال كيفية استخدام التقنية فحسب، بل في تعليمهم متى يضعونها جانبًا، ليعيشوا الحياة بكل ما فيها من حوار وحركة وقراءة وضحك وتأمل وعلاقات إنسانية، فربما يكون أعظم استثمار يمكن أن نقدمه لأبنائنا ليس شراء أحدث الأجهزة، وإنما منحهم وقتًا من أعمارنا، واهتمامًا لا ينافسه إشعار، وحوارًا لا يقطعه رنين هاتف، وذكريات لا تستطيع أي شاشة أن تصنعه.