No Image
روضة الصائم

فتاوى يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان

08 أكتوبر 2026
08 أكتوبر 2026

ما هو مقدار الفاصل الذي تفسد فيه الصلاة إذا سلّم ثم تذكر أن عليه ركعة باقية، وما هي الطريقة الصحيحة لأدائها؟

المصلي إذا سلّم سهوًا ولمّا يكمل صلاته بعد، إذ عليه أن يأتي بركعة أخرى، فإنه يُرخّص له أن يكمل صلاته، فيأتي بالركعة إن تذكر أثناء تسليمه أو بعد التسليم، ولم ينصرف عن أمر الصلاة بكلام أجنبي، بحديث أو بانتقال من مكانه أو بالتفات عن توجهه للقبلة، فإن لم يحصل منه شيء من ذلك، فله أن يقوم مكبرًا ليأتي بالركعة الباقية عليه، ثم يسجد من بعد للسهو.

وإنما اختلفوا إن أتى بإشارة، على سبيل المثال، أو أتى بذكر، فالذكر الخلاف فيه أهون؛ لأن طائفة من أهل العلم رأوا أن الذكر إنما هو من شأن الصلاة، فلا يفسد عليه إن لم يطل، وأما الإشارة، فهل هي قول أو ليست بقول؟ هذا هو منشأ خلافهم في الإشارة.

فمن وقع في ذلك، فالأسلم له أن يعيد الصلاة، أما إن لم ينصرف عن القبلة، ولم يشتغل بحديث جانبي، ولم يطل الفاصل، فلا حرج عليه في أن يقوم فيأتي بالركعة الباقية عليه، والله تعالى أعلم.

كثيرًا ما يرد في كتب الفقه: «حدود الصلاة»، «إذا لم يتجاوز الحد»، فما المقصود بالحدود؟

الحدود يقصدون بها الواجبات التي يؤتى بها في الصلاة، كالقيام والقراءة والركوع والسجود، مع خلاف في تفاصيلها، فهل القيام من الركوع، على سبيل المثال، حد منفصل، أو هو تابع للركوع نفسه؟ فالركوع حد واحد، هل القيام، هل السجود أيضًا يسري عليه في الهوي والرفع، هل السجدتان حد واحد أو حدان؟ هذا فيها خلاف، لكن هذا هو المقصود.

ولذلك فإن الفقهاء حينما يبنون بعض الفروع الفقهية تجد أنهم اختلفوا في ضبط هذه الحدود، ولكن هذا الخلاف، يعني، يمكن أن يكون باب سعة للمصلي، لا سيما بعد فراغه من العبادة نفسها، إذا أتى بالأركان والواجبات، فإن كثيرًا من هذه الهفوات التي تكون على سبيل السهو والخطأ في الصلاة مما لا يؤثر على الصلاة إبطالًا، والله تعالى أعلم.

مصلٍّ في جماعة، سجد وخرج منه دم وأصاب فراش الصلاة، كيف يتصرف؟ لأنه لو خرج لأصاب الدم، فمن سيسد الفرجة؟

أولًا، هنا مسألة ينبغي أن نقررها، وإن كانت من الفروع، لكنها يترتب عليها الجواب عن هذه المسألة، وهو أن موضع النجاسة أو الدم لا يجاوز الموضع الذي أصابه، هذا هو الصحيح، بقطع النظر عن نوع الفرش أو السجاد، هل هو متصل أو غير متصل، إذن فالنجاسة في ذلك الموضع الذي أصابته.

الأمر الثاني الآن سنبني عليه: كيف يتصرف؟ هو مأمور بالخروج إن أمكن له أن يزيل النجاسة، فذلك حسن، إن لم يمكن، فإن المطلوب من المصلين عن ميمنة هذه الفجوة التي ستحصل وعن ميسرتها أن يضيقوا الفجوة، بحيث إنهم لا يصلون في موضع الدم، أو إن كانت نجاسة، ففي موضع النجاسة، لكنهم يضيقونها قدر المستطاع، فلا يبقى إلا موضع الدم في الفرش أو في السجاد، أو موضع النجاسة فقط، فحينئذ صلاتهم صحيحة.

فكل ما يُطلب منهم أن يضيقوا فقط، أن يوسعوا أقدامهم قليلًا بحيث تضيق، فلا تتسع لمصلٍّ، فهذه حالة ضرورة تُراعى وتُقدّر بقدرها، والصلاة بإذن الله تعالى صحيحة.

ما قولكم فيمن يقيم الصلاة وهو يتحرك، أي إنه غير واقف وقوفًا صحيحًا للصلاة، إنما كان يمشي؟

إقامته صحيحة، لكن الإقامة كالأذان لها آداب، هذه الآداب ينبغي أن تُراعى فيها سكينة ووقار، لأنها إعلام بالصلاة، ونداء في ذكر الله تبارك وتعالى بخير الأذكار، فينبغي أن يوقر المؤذن والمقيم هذا المقام، وأن يستشعرا السكينة، وأن يوليا هذه العبادة، رفع الأذان والإقامة، حقهما من جميل الرعاية.

فلا ينبغي أن يكون في اشتغال أو انصراف عن القبلة أو سعي ومشي، إلا لسبب معتبر شرعًا، إن وجد سبب فلا حرج، كما قلت، هي الإقامة صحيحة مجزئة، ولكن نريد للمؤذنين والمقيمين أن يكونوا أكثر مراعاة، كما قلت، لآداب رفع الأذان وإقامة الصلاة، وأن يكونوا في حالة من السكينة والخشوع والوقار ومراعاة هيبة المقام الذي هم فيه، والله تعالى أعلم.

هل ما يسمى بالألفاظ الاهتزازية في القرآن الكريم ودلالتها في الفعل نفسه يمكن قبولها؟ في سورة الحاقة وردت: «بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ»، فدلت على أن الريح أتت من الجهتين، وفي سورة آل عمران وردت: «كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ»، وتدل على أن الريح أتت من جهة واحدة؟

هنا مسألتان: المسألة الأولى، ما ذكره مما يسمى «الألفاظ الاهتزازية»، وهذا المصطلح وافد غريب على علوم القرآن، وعلى علوم إعجاز كتاب الله عز وجل، يعني أنا لم أطلع عليه، وإن كان لا مشاحة في المصطلحات، لكن من السؤال يتبين المراد، وهذه جزء من الظاهرة الصوتية في القرآن الكريم، من الإعجاز البلاغي والبياني في كتاب الله تبارك وتعالى، وجود ألفاظ، أي تتكرر أجزاؤها فتعطي معنى إضافيًا، كالمثال الذي ذكره في سؤاله، وأظن أننا تعرضنا في مناسبات سابقة لمثل هذا في مثل قول الله تبارك وتعالى: «إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا»، فـ»فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ».

فهذا التكرار لجزء الفعل، أم، يساعد في إبلاغ المعنى وتوفيته حقه، وفي التأثير على المتلقي السامع، لتصور المعنى مع اللفظ نفسه، هذا ملحوظ عند علماء العربية، وقد تكلموا فيه، فمن أوائل من تكلم فيه بتمحيص وتدقيق ابن جني في «الخصائص»، ويعني في الهامش أقول: إنه مما يؤسف له أن طلبة العلم اليوم يقرؤون ولا يدرسون كتب اللغة الأولى، يكاد يكون من النادر أن تجد من يقرأ ويتعلم «الكتاب» لسيبويه أو «الخصائص» لابن جني، مع أن فيها وأمثالها فوائد كثيرة تعين على فهم كتاب الله عز وجل وعلى تفسيره وتدبره.

والبعد عن مدارسة هذه الكتب وقراءتها ومطالعتها أحدث فجوة من صعوبة وعدم تمكن من التعامل معها بسهولة ويسر، وكأنها مستغلقة على الفهم؛ لأن الشقة بعدت عنها فلم تُقرّب، ولم تُحقق، ولم تُسهّل ألفاظها وما فيها من معلومات، وفي هذا الاستطراد دعوة إلى إعادة النظر والاشتغال من أهل الاختصاص وأهل الدراية بهذه الكتب؛ لأن فيها فوائد كثيرة.

وابن جني سمى هذه الظاهرة «إمساس الألفاظ أشباه المعاني»، الآن هذا العنوان يحتاج إلى شرح، مع أنه هو جعله بابًا مستقلًا، قال: «باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني»، يعني المقصود بأن الألفاظ فيها مسيس صلة بالمعاني التي يحملها التركيب اللفظي نفسه، وقال إن هذا الباب باب خفيف ظريف، وأن الخليل وسيبويه وجماعة النحاة قالوا به، بمعنى أنه يكاد يكون محل اتفاق.

وضرب أمثلة منها «صرصر»، ضرب هذا المثال، لكن ضربه في سياق مختلف عن الآية الكريمة، كيف أن العرب في أصل وضعها اللغوي لاحظت أن الصوت إذا كان ممتدًا قالوا: «صر»، وإذا كان متقطعًا قالوا: «صرصر»، فيه تقطع، وضرب بعد ذلك هو أمثلة، وتعقب بعض كلام المتقدمين، لكن الحاصل أن هذه الظاهرة الصوتية المتعلقة بما نعرفه نحن اليوم بإيقاع الكلمة، مما يعين على توفية المعنى وفهمه، ظاهرة موجودة في كتاب الله عز وجل، وهي جزء من الإعجاز البياني البلاغي للقرآن الكريم.

بشرط ألا يُتكلف فيها، وأن تخرج عن قواعد التفسير، لا سيما قواعد اللغة، هذا أمر بالغ الأهمية، إذًا مسألة تسميتها بالألفاظ الاهتزازية، كما قلت، أنا لا أعرفه في علوم القرآن.

تعرض الرماني لهذا أيضًا، والرماني تعرض لهذا في باب التلاؤم في كتابه «النكت في إعجاز القرآن»، وهذا أيضًا من الكتب المختصرة التي زكيت تعلمها وقراءتها فيما مضى، كتاب الرماني مع كتاب الخطابي وكتب الجرجاني، جعله في باب التلاؤم.

والتلاؤم في الألفاظ يتحدث عن التراكيب اللفظية، هو قسمه إلى ثلاثة أنواع: استراد، هذا إذا كان الوقت، يسمع التنافر، وقال هذا موجود في كلام العرب، في كلام الناس غير البلغاء، غير الفصحاء، وتلاؤم في الطبقة الوسطى، وضرب له أمثلة من كلام الشعراء، قال: وتلاؤم في الذروة العليا، وكلام الله تعالى في كتابه الكريم كله من هذا النوع، كله من هذه الطبقة، ثم ذكر بعض الأمثلة، لذلك فإذا هذه الظاهرة الصوتية موجودة في القرآن الكريم، وهي متعلقة بجرس اللفظ أو إيقاع اللفظ، وما يحققه من توفية للمعنى، دون تكلف وفي قواعد اللغة والتفسير.

المسألة الثانية، أن الأمثلة التي ذكرها غير صحيحة، المعاني التي ذكرها غير صحيحة، في قول الله تبارك وتعالى: «وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ»، أنا لم أطلع على قول عند المفسرين بأن «صرصر» تعني أن الريح كانت تأتيهم من كل مكان، أم كل جانب، كما قال، إنما الريح الصرصر هذا المعنى ملحوظ بناء على القاعدة، لا بمثل ما ذكره، وإنما لقوة هذه الرياح وشدتها وسرعتها، ولأن فيها دويًا، فيها أصوات صفير مثلًا، فيها أصوات دوي، فهي، يعني، تحدث الأثر العظيم، هذا المعنى يوحي به أن الصيغة، صيغة، يعني، «صرصر»، وتكررت الكلمة في كتاب الله عز وجل، وصفت بها الريح التي أصاب الله تعالى بها قوم عاد في موضعين أو ثلاثة غير الحاقة، وسماها الله عاتية.

فهي لشدة قوتها، وما فيها من دوي مرعب، استعمل لها هذا الوصف، أما فيها «صر»، فالصر أي البرد الشديد الذي من شدته يكون كالجليد، فيهلك الحرث والزرع، وكأنه أحرقه، هذا هو قول أكثر المفسرين.

فهي ليست هذه «صر» وتلك «صرصر»، هذه مختلفة، فالصر يطلق لغة على البرد الشديد، وهناك قول عند بعض المفسرين نقله البغوي، وإن كان قال إن أكثر المفسرين على ما تقدم، وهو أن الصر يقصد به أنها ريح فيها برد شديد كالجليد، يؤدي إلى إتلاف الزرع والحرث وإهلاكه، وكأنها أحرقته.

لكن هناك قولًا بأن «الصر» هنا أيضًا هو أن لها صوتًا شديدًا، وقيل إن فيها نارًا تحرق، وهذا القول نُسب إلى ابن عباس، لكن الجمهور على القول الأول، إذا تبين أن هناك فارقًا بين المفردتين، فهما ليستا من نفس الباب، إلا عند من يرى بما يُعرف بالاشتقاق الكبير، وابن جني الذي ذكرته فيما مضى يميل إلى هذا، متابعة لأبي علي، ولكن أكثر علماء اللغة على غير هذا.

هذا باب آخر، يعني المقصود باختصار شديد، الاشتقاق الكبير أن جذر المفردة من فعلها الثلاثي، كيفما قُلبت التراكيب التي يتصرف إليها ذلك الجذر، فإنها تدور حول معنى واحد، وما وجد أنه بعيد عن ذلك المعنى فإنه يُقرّب إليه بلطف، فجذر الكلمة يتقلب إلى ستة أبنية، هذه الأبنية كلها تدور حول معنى مشترك، من هذه المعاني لهذه المباني ما يكون قريبًا في الصلة، ومنه ما يكون بعيدًا، ما كان بعيدًا، فإن هؤلاء يعملون إلى أولًا ضبط المعنى المشترك ليكون صالحًا لكل الأبنية، ثم تقريب، هو استعمل عبارة «بلطف»، تقريب هذا المعنى لهذا المبنى البعيد إلى المعنى الأصلي الذي يدور حوله الجذر، لكنه صرح -يعني ابن جني- بأن هذا قلة من علماء العربية قالوا به، وإنما قال به أبو علي، وأما الخليل وسيبويه وعامة علماء اللغة فلم يقولوا به، قالوا بما يُعرف بالاشتقاق الصغير، وهو أن كل مبنى يدل على معنى قد يكون مختلفًا عن المبنى الآخر، ولو كانت المباني تشترك في الجذر اللغوي، هذا أيضًا استطراد لتشويق طلبة العلم إلى العناية بهذه الكتب الأولى، والله تعالى أعلم.