أسرار المعرفة
رحلة الحياة هي رحلة المعرفة، الأفراد والجماعات بل والحضارات، وكلّ وتجربته، وللتاريخ الخاصّ والعام تجاربه الموثّقة على المسلّات والجدران والكتب.
ولي، ولك تجاربنا مع المعرفة في بساطتها في الطفولة وما بعدها، في البيت والمدرسة، ولعلها تبدأ بالظهور في أول اتصّال وتواصل مع الآخرين خارج البيت بشكل خاصّ، كونه يُبنى على المصالح، حتى في عمر الطفولة البريئة.
لذلك، ونحن نتحدث عن المعرفة والفلسفة، فإنه من الضرورة العودة إلى البدايات التي تكوّنت فطريّا، ثم بدأت تأخذ منهجا نفسيّا واجتماعيّا، لتتطور لتكون منهج حياة، خصوصا في مجال المصالح الاقتصاديّة. ثم ليأتي دور المفكّرين والفلاسفة ليؤطروا ذلك حسب مراحل التاريخ والحضارات.
اليوم وأنا أهمّ بالتفكير والكتابة، عدت لطفولتي، كان بيتنا حنونا ومحبا، فلم تظهر لديّ مسألة التعامل مع المعلومة إخفاء وإظهارا، ولكن خارج بوّابة بيتنا القرويّ بدأ تكويني النفسي والاجتماعيّ، حيث بدأت ألاحظ تصرفات الأطفال، التي تحولت لظاهرة هي إخفاء مصدر معلومة، أو فاكهة ذات طعم مميّز، أو معلومة تفيد في جلب رضا الكبار أو تجنّب العقاب، كذلك الحال بالنسبة للأطفال حولي، حتى انتهى بنا الشارع الصغير الذي بطول 100 متر إلى المدرسة على بعد 400 متر أو أكثر.
في الصفّ الأوّل، بدأت الرحلة مرة أخرى، ولم تقتصر المعلومات على من يحصل على العلامة الكاملة أو العليا، بل صار لها اتجاهات داخل المدرسة وخارجها، لدرجة لومنا لمن يخفي المعلومة، ثم لنتقدّم في العمر، من صفّ إلى آخر، فالجامعة، والعمل والحياة، ليتعمّق ما كان بسيطا إلى ما يتعلّق بالمنصب والمال، ثمّ ليخفّ الّلوم، كوننا صرنا ندرك المنطلقات النفسية لدينا، التي لا تقف عند الحرمان من الفائدة بل جرّنا للأذى.
وهنا، ومع البدء بالكتابة الاحترافية، عن الأدب والفن، القادمين من الحياة وتحوّلاتها، تعمّقت النظرة، ثم لننتقل إلى عالم الفكر والفلسفة، وهو ما بدأناه في السنوات الأخيرة، لا للحكم على البشر حولي أو في الروايات والأفلام، بل للفهم والتعبير من أجل الخلاصين الشخصيّ والعام.
المعرفة قوة، ليس في مجال الاستخبارات على أنواعها، بل هي رحلة التنافس العلميّ التي وصلت إلى سرقة الدول الكبيرة للعقول المميّزة من الدول الصغيرة النامية! في هذه العجالة سنتحدث عن المعرفة داخل المجتمع فيما يخصّ الحاكم والمحكوم، كذلك عن فلسفة الظاهرة من خلال تراثنا العربيّ الفلسفيّ، تاركين تكملة الموضوع في الفلسفة العالمية لمتخصصين أساتذة لنا.
إن ممارسة حقّ الوصول إلى المعلومات وضمان ذلك، يصبّ في ممارسة العدالة خصوصا في تكافؤ الفرص، أكان ذلك في المؤسسات الحكومية أو الأهلية أو ما يعرف بغير الحكومية، وهذا له علاقة بالمؤسسة، والتي نطمع ونطمح أن تسود، وتتقوى بالتربية الأسريّة والعامة باتجاه محبة الخير والتعاون، تلكما القيمتان اللتان تزيدان من الانتماء والالتزام لنتذكر قوله عليه السلام "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه".
في العقدين الأخيرين، نشطت المؤسسات غير الحكومية في بعض الدول العربية وغيرها، وعملت تشبيك فيما بينها، وللأسف تمّ ذلك بتمويل أجنبي، حول مسألة حقّ الحصول على المعلومات، وبالرغم من الأهمية القانونية والأخلاقية، إلا أنه كان يتمّ للضغط على الحكومات لتقديم المزيد من التنازلات، وليس من أجل النزاهة والحكم الصالح.
والآن، لنحاول الاشتباك مع فلسفة الظاهرة المعرفية، وليس مجرد المعلومات والمعرفة، علما أن الأصل في الفلسفة هو وجود المعرفة أولا.
أبدأ بسؤال قرأته مؤخرا: لماذا حذر ابن خلدون من تعليم الفلسفة لعامة الناس؟ يرى ابن خلدون أن استقرار المجتمعات والعمران يعتمد على منظومة من العقائد والأساطير واليقينيات التي يؤمن بها الجمهور دون تمحيص عقلي، لها وظيفة في ضبط الجمهور من خلال الطاعة، لذلك فهو ينصح بعدم إقحام الفلسفة وما فيها من تفكير نقديّ في حياة العامّة، يؤدي إلى خلخلة المجتمع. وقد يتسرّع مفسرو النص في نقد ابن خلدون، لكن لو نتأمل قليلا فسنجد أنه يستند إلى تدرّج المعرفة لا إخفائها.
لذلك، فإنه من خلال تغيّر الزمن، وانتشار وسائل الاتصال الجماهيريّ، من المهم ضمان الشفافيّة والحكم الصالح، من خلال خطاب واضح يجمّع ولا يفرّق، يثير الفكر لا الفوضى والفتنة. وهكذا فإنه في العمق يدعو للعيش بين الناس، ليتعرّف على تفاصيل حياتهم واتجاهاتهم وخياراتهم. ولو عاش ابن خلدون زماننا لعدّل في خطابه فيما يتعلّق بالمعرفة ما بين النُخب والشعب.
على أرض المعرفة، ثقافيّا وسياسيّا واجتماعيّا واقتصاديّا، فإن الأمر مختلف؛ ففي البلاد التي تستند إلى المؤسسة، فإنّ ما يتعلق بحقّ وصول الناس-الشعب للمعلومات فهو حقّ مكفول بشكل عام، بالرغم من محاولة أهل الحكم والمال والعلم إخفاء المعلومات كونها قوّة، من باب التنافس، إلّا أنه بشكل عام ليس هناك فوبيا فيما يتعلّق بمعرفة الجمهور للمعلومات التي تخصّه، كون العلاقة بين المواطنين والحكم تخضع لقوانين ناظمة.
لذلك، ونحن نتأمل التعامل مع المعلومات، أكان التعامل فرديّا يخصّ بضعة أشخاص زملاء علم أو وظيفة خاصة أو حكوميّة، فإنه موضوعيا علينا فهم الظواهر الفردية والجماعية ضمن السياق العام الذي نعيشه.
ثقافيّا، وتربويّا وأخلاقيّا، لا نبتعد كثير عن المنظور القانونيّ، بل نؤسس له، حيث كانت الثقافة قديما وحديثا دينامو الحضارات، بل وسببا فيها كونها مؤسسة لها. وهذا ما يقودنا إلى ما افتتحت به المقال، فيما يتعلّق بالانتقال خارج البيت، أي في رياض الأطفال والمدارس بشكل خاص، حيث ستظل التنشئة الأولى هي الأكثر حسما في تكويننا.
وحتى نحقّق ذلك، فإننا نحتاج وعي الحاكم والنخب خصوصا النُّخب السياسية، ومن ثمّ وعي التربويين في تعليم التفكير النقديّ، وإشاعة الشفافيّة داخل المدرسة، حيث يشكّل المجتمع المعرفيّ كلّا متجانسا فيه من المسافات اللازمة بين المعلمين والمتعلمين، وفيه النديّة الإنسانية.
وهكذا، فمن أسرار المعرفة إلى معرفة الأسرار، نكون قد بدأنا مرحلة تتحقّق فيها القيمة الكبرى التي تزدهر البلاد بها: التعاون، تلك التي حرص خالقنا على نصحنا بها، فلعلّنا نلبي فنتعاون على البرّ والتقوى، ولا نتعاون على الإثم والعدوان.
