جزر محافظة مسندم .. ملاذ آمن لطيور الخرشنة وتنوع إحيائي فريد
تتميّز محافظة مسندم بتنوعها الطبيعي والبيئي الفريد، وتُعد من أغنى البيئات البحرية والساحلية في سلطنة عُمان، بما تضمه من جزر متناثرة، وشواطئ ممتدة، وخلجان متداخلة، ومياه بحرية تزخر بالحياة، إلى جانب موائل طبيعية تشكل ملاذًا مهمًا للعديد من أنواع الطيور البحرية والمهاجرة. وقد أسهم هذا التنوع الجغرافي والبيئي في إيجاد منظومة طبيعية متكاملة توفر للطيور مواقع مناسبة للراحة والتغذية والتكاثر والتعشيش، من بينها طائر الخرشنة الذي يرتبط وجوده بجزر مسندم ومياهها الساحلية، حيث يجد فيها بيئة ملائمة لدورة حياته، ويشكّل حضوره أحد المظاهر اللافتة للتنوع الحيوي الذي تزخر به المحافظة، وما تتمتع به من أهمية بيئية على مستوى سلطنة عمان والمنطقة.
وقال علي بن خليفة بن محمد الشحي، مشرف رقابة بيئية بإدارة هيئة البيئة بمحافظة مسندم: إن طيور الخرشنة تُعد من الطيور البحرية المميزة، وتتميز بجسمها الأبيض والرمادي، ورأسها الذي يكتسي بالتاج الأسود خلال موسم التكاثر، ومنقارها الطويل ذي اللون البرتقالي المصفر، إضافة إلى أجنحتها الطويلة وذيلها المتشعب، وهي صفات تساعد على تمييزها عن أنواع أخرى من الخرشنة والطيور البحرية.
ويتراوح طول الطائر بين 35 و37 سنتيمترًا، فيما يصل طول جناحيه إلى نحو متر تقريبًا. وينتمي هذا الطائر إلى فصيلة النورسيات، وهي الفصيلة نفسها التي تضم النوارس وطيور الخرشنة، إلا أن الخرشنة تختلف عن النورس في شكل الجسم والأجنحة وطريقة الطيران والصيد؛ إذ تتميز بجسم أكثر رشاقة وأجنحة طويلة ومدببة، وتشتهر بقدرتها على التحليق فوق سطح البحر ثم الانقضاض بسرعة لالتقاط الأسماك من المياه.
انتشار واسع
وأضاف أن طيور الخرشنة تعتمد بصورة رئيسية على الأسماك في غذائها، وتبحث عن فرائسها بالقرب من السواحل، حيث تنقض من ارتفاعات مختلفة نحو سطح الماء لاصطياد الأسماك، الأمر الذي يجعل وجودها مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بسلامة البيئة البحرية وتوافر مصادر الغذاء.
وتشير المراجع العلمية إلى أن هذا النوع ينتشر على نطاق واسع في المناطق الساحلية الممتدة من البحر الأحمر والخليج العربي وبحر عُمان، عبر المحيط الهندي وصولًا إلى مناطق من غرب المحيط الهادئ وأستراليا، مع اختلاف أنماط الهجرة والحركة بين تجمعاته الجغرافية.
تنقلات موسمية
وأضاف مشرف الرقابة البيئية أن طيور الخرشنة تُصنف إلى ثلاث سلالات جغرافية رئيسية تختلف فيما بينها بصورة محدودة في الحجم ودرجات لون الريش وبعض الصفات الشكلية. وتوجد السلالة الأولى في مناطق المحيط الهندي وشماله، بينما ترتبط السلالة الثانية بمناطق البحر المتوسط وسواحل ليبيا، في حين تنتشر السلالة الثالثة في مناطق إندونيسيا وأستراليا وما حولها.
وتورد قواعد التصنيف العالمية هذه السلالات الثلاث ضمن النوع نفسه، وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة عند الحديث عن الطيور التي تشاهد في منطقة الخليج العربي وسلطنة عُمان.
وتشير الدراسات الخاصة بحركة الخرشنة إلى أن الطيور المرتبطة بالخليج تقوم بحركات موسمية واسعة، وقد تنتقل بعض تجمعاتها بعد موسم التكاثر إلى مناطق بعيدة في المحيط الهندي، وهو ما يعكس قدرة هذا الطائر على قطع مسافات كبيرة بين مناطق التكاثر ومناطق قضاء موسم عدم التكاثر.
جزيرة البيض
وأضاف علي الشحي أن جزيرة أم الطير في محافظة مسندم تبرز باعتبارها واحدة من المواقع الطبيعية المهمة للطيور البحرية، حيث تقع الجزيرة في الجهة الشرقية من محافظة مسندم بولاية خصب، وتُعد محمية طبيعية للطيور، ولا سيما طيور الخرشنة، كما عُرفت باسم «جزيرة البيض» لكثرة الطيور البحرية المهاجرة التي تتخذها موقعًا للتعشيش.
دورة حياة جديدة
ويؤكد الشحي أن المعلومات والدراسات المستندة إلى المشاهدات والمتابعة الدورية التي تقوم بها إدارة هيئة البيئة بمحافظة مسندم كشفت أن جزيرة أم الطير تستقبل أنواعًا مختلفة من الطيور البحرية المهاجرة خلال فصل الصيف، إلى جانب الطيور المقيمة.
وتعشّش طيور الخرشنة في الجزيرة خلال الفترة الممتدة من يونيو إلى أغسطس بأعداد كبيرة، مستفيدة من طبيعة الجزيرة وتوافر المواقع الآمنة لوضع البيض وحماية الفراخ حتى تبدأ دورة حياتها الجديدة.
ويمنح الموقع الجغرافي لمسندم وتكوينها الطبيعي من جزر وسواحل صخرية وخلجان ومياه غنية بالحياة البحرية، الطيور البحرية بيئة مناسبة للتغذية والراحة والتكاثر، وهو ما يجعل المحافظة واحدة من المناطق المهمة للحفاظ على التنوع الأحيائي البحري في سلطنة عُمان.
منظومة طبيعية
ولا يمثل وجود الخرشنة في محافظة مسندم مجرد مشهد طبيعي يجذب هواة التصوير ومراقبة الطيور، بل يحمل دلالة بيئية مهمة؛ فوجود الطيور البحرية واستمرارها في ارتياد الجزر والمناطق الساحلية يرتبط بتوافر الغذاء وملاءمة الموائل الطبيعية، الأمر الذي يعزز أهمية حماية هذه المواقع من مصادر الإزعاج والتلوث والعبث بمواقع التعشيش.
ومن هنا، تشكل جزر المحافظة، وفي مقدمتها المواقع التي تقصدها الخرشنة والطيور البحرية الأخرى، جزءًا من منظومة طبيعية متكاملة تتداخل فيها البيئة البحرية مع البيئة الساحلية، وتوفر مأوى ومصادر غذاء للعديد من الكائنات، الأمر الذي يجعل المحافظة ثروة طبيعية لا تقتصر قيمتها على جمال المناظر البحرية، وإنما تمتد إلى ما تضمه من تنوع أحيائي يستحق الحماية والرصد والدراسة.
كما أن المحافظة على هذه الموائل تمثل ركيزة أساسية لتعزيز السياحة البيئية ومراقبة الطيور، خصوصًا مع تزايد الاهتمام العالمي بالوجهات التي تجمع بين الطبيعة والحياة الفطرية، إذ تمتلك محافظة مسندم مقومات فريدة تؤهلها لأن تكون وجهة مهمة للباحثين والمهتمين بالطيور البحرية والتنوع الأحيائي.
وتبقى الخرشنة، وهي تحلق فوق مياه مسندم أو تستريح على إحدى جزرها، صورة حية من صور التنوع الطبيعي الذي تتمتع به المحافظة، ورسالة بيئية تؤكد أن حماية الجزر والسواحل والموائل البحرية لا تعني الحفاظ على مكان جميل فحسب، وإنما حماية منظومة متكاملة من الحياة، تظل مسندم ملاذًا آمنًا للطيور البحرية ومحطة مهمة في رحلتها عبر البحار والمواسم.
