هل نجحت طهران في إلهاء واشنطن بمضيق هرمز؟
07 أكتوبر 2026
07 أكتوبر 2026
بسبب سوء التقديرات من جانب الإدارة الأمريكية للحرب على إيران تطاول أمدها، وتشعبت تداعياتها وآثارها على غير ما خططت له وأرادت له أن يكون.
قدرت الإدارة الأمريكية أن الحرب على إيران لن تتجاوز بضعة أسابيع على أقصى تقدير يتم خلالها تغيير النظام بالكامل بآخر يواليها، ويفتح لها أبواب إيران على مصاريعها؛ لكي تنجز أهدافها المتعلقة بالبرنامج النووي والقدرات الخاصة بالصواريخ الباليستية، والتي تقوم على تنازل إيران الكامل عن حقها في تخصيب اليورانيوم، وهو ما يعني تفكيك برنامجها النووي والقبول بمبدأ صفر تخصيب، وفوق ذلك تقوم بتسليم قرابة ٤٤٠ كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة ٦٠٪ لأمريكا، وبالنسبة للصواريخ الباليستية كانت واشنطن تريد تحديد مديات لبرنامج إيران الصاروخي؛ بحيث تصبح هذه الصواريخ غير قادرة على الوصول إلى العمق الإسرائيلي إضافة إلى حصول الشركات الأمريكية على حصة من العقود الإيرانية في مقابل رفع تدريجي للعقوبات الأمريكية على إيران.
هكذا ببساطة فائقة وضعت واشنطن أهدافها الكبيرة هذه، وأرادت لها أن تتحقق بضربات وعمليات تنفذها ضد إيران في غضون أسابيع قليلة!!
وعلى هذا الأساس شنت أمريكا وإسرائيل هجومهما المشترك واسع النطاق على إيران يوم ٢٨ فبراير الماضي بعد أسابيع من الحشد العسكري والتصريحات التصعيدية من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وعلى الرغم من أن ترامب زعم في كلمة مسجلة بُثت بعد ساعات قليلة من بدء الهجوم أن هدف العملية منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فإنه دعا الإيرانيين إلى استغلال الفرصة «التي قد لا تتكرر لأجيال» حسب تعبيره من أجل تغيير النظام وتولي زمام الأمور في بلادهم، وكانت هذه إشارة واضحة إلى أن الهدف من الهجوم هو إسقاط النظام، وكانت الإشارة الأكثر وضوحاََ والتي تلت مناشدة الرئيس ترامب الإيرانيين بانتهاز الفرصة وتغيير النظام هي الضربة الموجهة عن قصد لمقر إقامة المرشد الإيراني،علي خامنئي، والتي أسفرت عن اغتياله هو وعدد كبير من القيادات العسكرية والأمنية الإيرانية.
وإزاء هذا العدوان الأمريكي جاءت الاستجابة الإيرانية على الفور بشن هجمات انتقامية استخدمت فيها صواريخ باليستية وطائرات مسيرة في اتجاه إسرائيل ودول مجاورة فيها قواعد أمريكية، ومنشآت اقتصادية في دول الخليج العربية، والأردن، وقبرص، بهدف إشعال المنطقة؛ وبالتالي رفع التكلفة على الولايات المتحدة وحلفائها، وتكبيد الاقتصاد العالمي خسائر فادحة، وخلق أزمة في مجال الطاقة يتعدى ضررها المنطقة ليشمل العالم بأسره كأداة ضغط دولية على إدارة ترمب ومن ثم إجبارها لوقف الحرب، ودعمت هذه الخطوة بإغلاق مضيق هرمز.
والمنطق الإيراني في هذه الاستجابة والرد على الهجوم الأمريكي يقوم على أساس أن إيران لا تملك القدرة الكاملة على المواجهة العسكرية المباشرة مع أمريكا؛ فليس لديها صواريخ تطال الأراضي الأمريكية، ولا سلاح جو يمكن أن يشن غارات عليها، ولا مسيرات استراتيجية تمكنها من استهداف العمق الأمريكي؛ وهذا بسبب الفارق الكبير في القدرة الردعية بينها وبين أمريكا.
لذلك لجأت طهران إلى استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة والتي تقع في نطاق مديات صواريخها ومسيّراتها، وإغلاق مضيق هرمز واستخدامه كورقة ضغط على واشنطون.
وقد نجحت طهران في استخدام مضيق هرمز لوقف الضربات الأمريكية والحد من قدرتها على مواصلة هذه الضربات؛ لأن إغلاق المضيق وضع أمريكا بين سندان الرفض الداخلي الأمريكي للحرب ومطرقة الضغط الإقليمي والدولي الذي تأثر بتداعيات إغلاق المضيق، فسارعت إدارة ترامب إلى وقف عملياتها التصعيدية قبل أن تستأنفها لاحقاً بصورة متقطعة ومحسوبة هي أشبه بالمناوشات.
وانشغلت الإدارة الأمريكية بقضية مضيق هرمز بالكامل، وهو ما تعمدت إيران تحقيقه ضمن استراتيجية «إلهاء» وضعتها طهران لشغل واشنطن عن القضية الأساسية وهي البرنامج النووي الذي من أجله شنت الحرب، وفي هذا السياق فإنه من المتوقع أن تكون إيران قد استغلت حالة الإلهاء والانشغال الأمريكي بقضية هرمز في إعادة ترتيب بيتها الداخلي في أمور ثلاثة، هي البرنامج النووي، وشؤون الحكم والدفاع، والدبلوماسية.
بالنسبة للبرنامج النووي فإنه لا أحد يستطيع الجزم بما هو عليه وما إذا كان قد دمر بالكامل أم لا، ولا المكان الذي يوجد فيه اليورانيوم المخصب؛ حيث لا توجد معلومات مؤكدة حوله؛ لأن الضربات الأمريكية وتصريحات الرئيس ترامب المتناقضة بشأنه هي نفسها ساهمت في ضرب سياج من الغموض حول مصيره.
كذلك فإن بنية النظام في إيران لم تتصدع وظلت متماسكة إلى حد كبير رغم اغتيال المرشد وعدد كبير من أركان النظام، ورغم الغياب الظاهري للمرشد الجديد مجتبى خامنئي عن الأضواء. وكذلك فإنه وبناء على ما يعلنه قادة النظام في إيران عن تطوير قدراتهم الدفاعية كماََ ونوعاََ فإنه من الراجح أن يكون ما ظهر من قدرات دفاعية وهجومية لإيران بمثابة قمة جبل الجليد، وأن ما سيظهر لاحقاً سيكون أكبر.
وأما فيما يتعلق بالدبلوماسية فمن الواضح أن طهران قد طورت من مقدراتها التفاوضية باعتبار أنها اكتسبت خبرات تراكمية في هذا الشأن، وهو ما ظهر جلياََ في جولات التفاوض العديدة التي خاضتها مع الجانب الأمريكي من لدن عهدة أوباما حتى الآن.
وإذا أضفنا خبرتها في التعاطي مع العقوبات الاقتصادية الأمريكية وتحمل آثارها وتفادي تداعياتها تكون صورة الجهوزية قد اكتملت بينما واشنطن غارقة في انشغالها بمضيق هرمز لاهية بتنظيم المرور فيه، وإحصاء عدد السفن التي مرت عبره وعدد براميل النفط التي أفلتت ناقلات النفط بها من الرقابة الإيرانية وعدد السفن التي تم استهدافها.
غرقت واشنطن في حساب صادرات النفط عبر المضيق من أجل أن تقول للعالم: إنها في سبيلها إلى إعادة الوضع في المضيق سيرته الأولى قبل الحرب؛ ظناََ منها أن ذلك يمثل اختراقاََ يحسب لها، ويعيد أسعار الوقود لسابق مستوياتها.
وفي آخر تحديثات هذا الحساب يقول الرئيس ترمب: إن حجم صادرات النفط عبر هرمز في الآونة الأخيرة قد فاق معدلاته المعتادة قبل الحرب بفضل الحصار والسيطرة الأمريكية على المضيق!!
والحقيقة أن هذا الذي تقوم به أمريكا في مضيق هرمز هو إجراء مؤقت بطبيعته، ومحدود في أثره، ولا يمثل ورقة ضغط حقيقية ضد إيران؛ فهو وضع مؤقت بسبب أن أمريكا لا تستطيع جعله مستداما، ولن يعيد حركة الملاحة لسابق عهدها؛ لأن الحراسة بالسلاح في ظل نزاع قائم وتوتر سائد لا توفر الوضع الملائم للملاحة التجارية، وهو الأمن والأمان من أي تهديد أو استهداف محتمل.
وسيظل شبح الألغام والهجمات بالمسيرات وغيرها من الأسلحة على الناقلات قائماََ وهاجساََ مؤرقاََ للشركات، وهو وضع محدود في أثره بمعنى أن أثره الإيجابي محدود النطاق، وسيكون حصراََ على حالات معينة ضمن سياق ظرفي زماني ومكاني محدد، ولا يمثل ورقة ضغط فعالة؛ فإيران يمكنها تطوير بدائل بحكم أن أراضيها تمثل شاطئاََ للمضيق،هذا فضلاً عن عدم قدرة أمريكا من التوغل داخل المياه الإقليمية الإيرانية بأمان.
وبالتالي فإنه لا يمكن الزعم بأن واشنطن قد ملكت زمام الأمر في المضيق صحيح أن هذا الذي تفعله الآن يوفر لها سيطرة عليه في المدى القريب، لكنه لن يكون كذلك في المدى البعيد.
ولطالما تباهى وزير الخزانة الأمريكي بما حققته خطته المعروفة باسم المنبوذ الاقتصادي من آثار على الاقتصاد الإيراني؛ حيث سجل سعر الريال الإيراني رقماََ قياسياََ في التراجع أمام الدولار الأمريكي إلى أكثر من ٢،٥ مليون، وبحسب صندوق النقد الدولي فإن الاقتصاد الإيراني من المتوقع أن ينكمش بنسبة ٥،٤ ٪ خلال هذا العام، وتعاني إيران نقصاََ حاداََ في البنزين. ورغم هذا الوضع المزري للاقتصاد الإيراني إلا أنه ليست هناك مؤشرات على قرب انهيار النظام أو استسلامه وإذعانه للشروط الأمريكية، بل هناك إصرار على تحمل الألم باعتبار أن ذلك أمراََ حتمياََ لا خيار فيه، وأن الحرب هي حرب وجودية لا مفر من خوضها لآخر جندي.
إن الخطأ في حسابات الجانب الأمريكي يكمن في أن الإدارة الأمريكية افترضت أن الضربات العسكرية والخنق الاقتصادي والتحشيد العسكري تفضي بطريقة ميكانيكية مباشرة إلى استسلام إيران، ولم تضع في حساباتها أن تواجِه طهران هذه الضغوط المركبة بديناميكية تكتيكية لتفكيك هذه الضغوط وتجريدها من خواصها الضارة وعناصرها الخطيرة؛ هذا فضلاً عن تمددها الإقليمي وإمساكها بملفات أخرى في مناطق أخرى داخل الإقليم تتقاطع مع المصالح الأمريكية في بعضها، وتتماس معها في مواضع أخرى قد تحتاج فيها واشنطن إلى تعاون أو تفاهم فيها مع طهران، وتبرز في هذا الشأن المسألة اليمنية بكل تفاصيلها كمثال لهذه الحاجة.
لكل ذلك فإنه من مصلحة واشنطن أن تخفف من لهجتها الحادة تجاه طهران، وتوجهها التصعيدي الذي لم تعد موقنة بجدواه ونفعه، وتتبنى نهجاََ جديداََ يقوم على العودة إلى المسار التفاوضي بمعناه الصحيح والتخلي عن نهج فرض الشروط التعجيزية المسبقة والتركيز على القضية الأساسية، وهي القضية النووية في ضوء القانون الدولي والاتفاقيات والمعاهدات الواردة في هذا الشأن.
ولعل تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس التي أدلى بها لوكالة رويترز الإثنين والخاصة بمطالبته إيران إجراء ما سماه «خفضاََ جوهرياََ» لقدراتها في تخصيب اليورانيوم كشرط لإنهاء الحرب، لعلها تكون خطوة أولى من الجانب الأمريكي نحو تغيير النهج القديم ورغبة حقيقية في إنهاء الحرب؛ فإن جي دي فانس الذي يتطلع إلى الفوز في السباق الرئاسي القادم لا بد أنه يريد أن يُطوى هذا الملف في هذه العهدة الأخيرة لترامب قبل دخوله البيت الأبيض إذا ما قدر له الفوز بالرئاسة.
فهل سيشهد العالم تحولاََ في مسار الصراع الإيراني الأمريكي من محطة الحرب إلى محطة السلام عن طريق التسوية والتنازلات المتبادلة؟ إنها نقطة ضوء خافتة في محيط مظلم لكن يمكن أن ينداح ضياءها ليعم الأفق لو اتحدت الإرادات وخلصت النوايا.
