لماذا يختفي الشعراء فجأة؟
لماذا ينسحب الشعراء الجميلون فجأة من الصورة بعد طول صخب وقصائد وعلاقات؟ يخرجون من الشعر كما يخرج الأشخاص الغاضبون من بيوتهم ولا يعودون، والفرق بينهم أن الشعراء لا يُنشر إعلان بفقدهم. لم يحدث أن قرأت مثلًا: خرج الشاعر فلان من الشعر ولم يعد، بينما تمتلئ الصحف يوميًا بـ: خرج فلان من بيته ولم يعد، صفاته: أزرق العينين، طويل القامة، بندبة على جبينه، على من يجده أن يتصل بهذا الرقم -----.
لماذا يخرج الشعراء فجأة؟ ما الذي يسحبهم إلى عوالم بعيدة يتوقفون فيها عن الظهور جسمانيًا وشعريًا؟ أي قوى جبارة تلك التي تجبر شاعرًا على التوقف عن الكتابة؟ ألم يقل هذا الشاعر المختفي نفسه إن الكتابة هي حياته، وإنه لا يتخيل شكل حياته دون شعر؟ لماذا يتوقف كل شيء فجأة؟ هل هو أناني ذلك الشاعر الذي صدم قراءه وخذلهم وهرب منهم بعد أن استجاب لقوة شريرة غامضة؟ ألهذه الدرجة يعجز الشعر عن الدفاع عن نفسه وعن إقناع الخارج منه أن في الشعر ما يستحق الحياة؟ الموضوع ليس نظريًا، ولا هو مجازيٌّ ورغبةٌ في الدخول في متاهات فلسفية، الموضوع واقعي جدًا، وأنا أتحدث بمرارة عن صديقين شاعرين اختفيا من زمان، وهما معروفان عند آلاف القراء الفيسبوكيين أو الورقيين.
أتحدث عن صديقي الشاعر الفلسطيني خالد الجبور، الذي توفي قبل أسابيع في قريته يطا، قضاء الخليل، بعد صراع لشهرين مع مرض خبيث. خالد كان مختفيًا عنا وعن الشعر قبل وفاته بسنوات طويلة، كان قد خرج من صفحته الفيسبوكية التي كان يطلق على نفسه فيها (راعي الأشجار)، لم يرد على رسالة أحد، وأسرّ لصديقة له قبل اختفائه أنه استبدل الشعر بالتوحد مع الطبيعة ومحاولة التحول إلى شجرة زيتون.
خالد الجبور (1959–2026) شاعر وقاص وكاتب فلسطيني من يطا جنوب الخليل. وُلد في يطا سنة 1959، ودرس في مدارسها، ثم حصل على بكالوريوس الأدب العربي من جامعة الخليل عام 1984. عمل مدرسًا في وزارة التربية والتعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة، قبل أن يعود إلى يطا وينصرف إلى الأرض وزراعة الأشجار، وهي تجربة تركت أثرًا واضحًا في كتابته، ولا سيما في ديوانه «درويش الجبل».
تنوع إنتاجه بين الشعر والقصة القصيرة وأدب الأطفال والمسرح، ومن أبرز إصداراته الشعرية «زغب أزرق» الصادر عن دار شمس في القاهرة عام 2008، و«درويش الجبل»، و«كرنين أجراس بعيدة» الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2017 ضمن سلسلة الإبداع العربي.
وفي القصة أصدر «الحصول على الرغيف كاملًا» عن دار البيادر في القدس عام 1984، ثم «24 قصة قصيرة» عن دار الأهلية للنشر والتوزيع عام 2017. وله في أدب الأطفال أعمال منها «قرون الكباش» و«أغنيات العصافير».
وقد تركت قصيدة خالد أثرًا كبيرًا على أجيال الشعر في فلسطين، رعوية عالمه ولغته كانت نسيج وحدها، الجبال والشجر والوديان ليست مجرد خلفية لنصه الشعري، بل تشارك في التجربة وتقدم خطابها. يقول الشاعر علي أبو عجمية إن نصه بعيد عن نص خالد، لكنه تعلم منه كيف يقتنص لحظة الدخول للنص، وصدق التعامل مع المفردة، والبعد عن الثرثرة والفذلكة.
الصديق الثاني المختفي هو الشاعر الأردني محمد النعيمات، شاعر أردني من بلدة ذات راس في محافظة الكرك، وله حضور في المشهد الشعري الأردني، وكتب خصوصًا في قصيدة النثر.
صدر له ديوان «أصابع وحواف» عام 2017، ثم ديوان «كائن القسوة» عام 2021. تتسم تجربته الشعرية بالاقتصاد في اللغة، وقصر النص، وكثافة الصورة، والانشغال بالفقد والحنين والذاكرة والوحدة والأسئلة الوجودية. كما ارتبط اسمه بالنشاط الثقافي في ذات راس، وكان رئيسًا لمنتدى شباب ذات راس الثقافي.
قابلته في عمّان قبل 10 سنوات، كان ممتلئًا بهواجس الشعر وشكل القصيدة، قرأت شعره وأعجبت بالروح الصافية التي فيه وقدرته على فتح ممرات اغتراب بين الصورة والأخرى، الاغتراب هو ثيمة عالم محمد، وقصر جملته إحدى علامات نسيجه اللغوي.
قبل سنوات طويلة دعانا إلى طعام خرافي (منسف أردني) في قريته ذات راس، تقع بين الطفيلة والكرك في الجنوب الأردني. نسيان هذا اليوم غير قابل للحدوث، كنا مجموعة من الشعراء والأكاديميين، أردنيين وفلسطينيين، الأحاديث حتى ونحن نلتهم اللحم كانت عن الشعر، كان محمد لا يتوقف عن الحديث عن طموحه بكتابة قصيدة نثر خاصة.
عدنا إلى فلسطين، وتواصلت معه عبر الفيسبوك، لكني فجأة فقدته، بعد غياب مقلق، وهو حدث غريب، استمر سنة، وراح الأصدقاء يتبادلون القلق. حتى هذه اللحظة، حتى محمد نفسه غير معروفة أخباره.
لماذا يختفون؟ ما الذي يوجد في الاختفاء أهم من الشعر ومعناه الكوني؟
