ثقافة

الروائي د. تيسير خلف: رواية "المسيح الأندلسي" لا تنتمي لموجة الروايات العربية التي كُتبت عن تاريخ الأندلس

07 أكتوبر 2026
07 أكتوبر 2026
أكد أن موضوعها يمس التجربة البشرية والوجود الإنساني بأكمله

يحتل الروائي والباحث الدكتور تيسير خلف موقعا رياديا في المشهد الثقافي والروائي العربي المعاصر، إذ يُعد من أبرز الذين قدموا تجارب أدبية أعادت صياغة الرواية التاريخية برؤية تفكيكية تتجاوز النمطية التقليدية عبر رصيد غني ومتنوع يربو على أكثر من خمسين عملا بين الروائي والتحقيق التاريخي، لعل أبرزها مذبحة الفلاسفة، وعصافير داروين، وملك اللصوص ودفاتر الكتف المائلة وموفيولا، وصولا إلى أحدث أعماله "المسيح الأندلسي" حيث استطاع أن يبني مشروعا سرديا مختلفا، مستندا إلى مهارته البحثية الدقيقة في تتبع المخطوطات والوثائق الدفينة، وتكمن أهمية المشروع في أنه يعيد النظر في وظيفة الكاتب أمام الماضي من منظور إنساني، عبر استعادة أزمنة وشخصيات وتجارب لم تكن صورتها المتداولة دائما قادرة على احتواء تعقيدها الإنساني والثقافي.

حول رواية المسيح الأندلسي كان الحوار مع د. تيسير خلف..

*هناك عدد من الروايات العربية التي صدرت في السنوات الأخيرة التي تناولت تاريخ الأندلس، ومأساة الترحيل ومحاكم التفتيش، أظن أن روايتك "المسيح الأندلسي" هي الرواية العربية الأحدث ضمن هذه الموجة، ما الذي دفعك لكتابتها؟

- رواية المسيح الأندلسي لا تنتمي بأي شكل من الأشكال إلى تلك الموجة من الروايات العربية التي كُتبت عن تاريخ الأندلس؛ فمع احترامي وتقديري لجميع الكتّاب، روايتي لا علاقة لها بالأندلس كتاريخ عام، بل هي معنية بشخص أندلسي من لحم ودم هو عيسى بن محمد الأندلسي.

إن التصورات التي بُنيت عليها الروايات الأخرى هي بمعظمها تصورات غير حقيقية ومتخيلة، ساهم في تكريسها تاريخ زائف لا يعكس حقبة ما بعد مأساة غرناطة وسقوط الأندلس في القرن السادس عشر والسابع عشر. لقد ذهبتُ في هذه الرواية بعيدا إلى تلك المرحلة لاستعادة الحياة الحقيقية، وطريقة التفكير، واللغة، والهواجس، والمشكلات التي واجهت هذا الإنسان والشخصيات المرتبطة به.

لذلك، من الطبيعي أن يُصاب بعض القراء بالصدمة عندما يجدون أنفسهم أمام عمل لا يشبه تصوراتهم المسبقة؛ وأكثر ما يزعجني هو عقد المقارنة مع رواية تتحدث عن الأندلس، هذا الأمر مزعج لأن القارئ لم يلتقط أهم ما في رواية المسيح الأندلسي، وأعتقد أن الموضوع قصة رومانسية تستدر البكاء عن مأساة مسلمين أجبروا على تغيير دينهم أو الهجرة والاقتلاع، نعم هذه هي التصورات البسيطة والساذجة لمأساة الأندلس، أما روايتي فهي شيء آخر، هي مشغولة بالأسئلة الحقيقية التي أنتجت المأساة، وبالتأثير العميق لهذا الشرخ على ذات الإنسان، ليس هدفها تمجيدا أو شيطنة لأحد، هي مشغولة بسؤال عن المعنى معنى أن تكون أندلسيا في فترة تُجبر فيها على ألا تكون إنسانا آخر لمجرد الاستمرار؟ إنها خصوصية معقدة ومركبة من مستوى آخر من الصراع الديني المعقد والمركب، لا يمكن إسقاطها على أي مكان آخر، ولا يمكن مقارنتها بأي موجة.

*هل الرواية التاريخية عندك قناع آمن لتمرير أسئلة الفلسفة والسياسة الحارقة التي نعجز عن طرحها في واقعنا الراهن؟

- أولا، لا توجد أسئلة نعجز عن طرحها في الوقت الراهن، والمسألة أبدا ليست ارتداء قناع للاختباء وراء التاريخ. الموضوع أعمق بكثير، إنه مرتبط بتلك الأسئلة الكونية الكبرى التي رافقت الإنسان منذ وعيه الأول، منذ ملحمة جلجامش، النص الإنساني الأبكر الذي واجه المصير البشري وعلاقته بهذا الكون.

ثانيا، في كل عمل تاريخي أكتبه، هناك سؤال مركزي من هذه الأسئلة الكبرى التي يحاول الإنسان الإجابة عليها بمعطياته وأفكاره. لكن الغاية ليست الهروب لطرح قضايا معاصرة، بل هي أسئلة تاريخية ومعاصرة في آن واحد. والفرق الجوهري يكمن في أن التجربة التاريخية تجربة مكتملة زمنيا لها بداية ووسط ونهاية مما يجعل فهمها وتحليلها أيسر. أما تجاربنا المعاصرة فلم تأخذ شكلها النهائي بعد، وما زلنا نعيش في مراحل القلق والأسئلة المفتوحة.

لهذا السبب، فإن لجوء الإنسان حين كتب نصا أدبيا منذ جلجامش، إذا اعتبرنا أن جلجامش أول نص أدبي معروف، إلى الماضي ليس هروبا، إنه أصل من أصول الأدب كوسيلة لتعليم البشر وتثقيفهم، والكتابة عن الأحداث المعاصرة ظهرت متأخرة نسبيا؛ ربما مع «ألف ليلة وليلة». لكن الأصل هو الكتابة عن التجارب المكتملة التي تمنحنا عدسة أوضح لرؤية الوجود.

*في «المسيح الأندلسي» يعيش الموريسكي حالة قاسية من الانقسام: اسم وهوية ودين في الظاهر، وذاكرة مختلفة في الداخل، حين استحضرت هذه التجربة، كيف تعاملت مع سؤال الهوية المتشظية؟ وهل وجدت في مأساة الموريسكي ما يضيء شيئا من تجربة الإنسان العربي المهاجر وقراءة يفرضها الحاضر؟

- ليس الأمر بهذه الصيغة، فتجربة العرب المعاصرين لا علاقة مباشرة لها بمأساة الأندلسيين، وإن وجدت بعض التقاطعات القوية والأسئلة المتشابهة مع تجربة فلسطينيي الداخل ممن بقوا في أراضي 1948 ورفضوا النزوح.

لكن السؤال هنا يبدأ من المصطلح نفسه، فمصطلح «الموريسكيين» -الذي يعني أنهم قوم غزاة قادمون من بلاد المور بشمال إفريقيا، بحسب المصطلح الروماني القديم والمستعاد- شاع مع أنه في الأصل مصطلح استعماري عنصري أطلقه المستعمرون القشتاليون القادمون من شمال شبه الجزيرة الإيبيرية على أندلسيي الجنوب الذين كانت تجمعهم دول متعددة بثقافة هويتها عربية إسلامية أندلسية ذات خصوصية، بغض النظر عن تنوع أصولهم (عرب وأيبيريين وبربر وقوطيين، وصقالبة).

لم يكن لقشتالة أي مشروعية في الأندلس سوى ادعاءات دينية لفرض الكثلكة، ولذلك لا نجد هذا المصطلح في الوثائق الأندلسية أبدا، حيث كانوا يسمون أنفسهم أندلسيين، ومن الخيانة لقضيتهم الاستمرار في استخدام هذا اللقب الاستعماري.

أما على مستوى الجوهر، فإن قضية فرض الهوية والإكراه على تبني ثقافة ودين آخرين كمنع التحدث بالعربية، أو التدين بالإسلام، أو تداول الكتب هي مشكلة إنسانية كبرى تتكرر عبر التاريخ، وغالبا ما تمارسها الإمبراطوريات والكيانات العدوانية الكبرى لمحو هويات الشعوب المستضعفة.

والملاحظ أن بعض الإمبراطوريات لم تستخدمه؛ فالفرس لم يفرضوا شيئا على الشعوب التي خضعت لهم، وكذلك الإغريق الذين أغرت ثقافتهم الشعوب المنضوية في دولهم على تبني ثقافتهم طوعا، ويمكن الحديث عن شيء مشابه لذلك في الثقافة العربية الإسلامية، لكن هذه النزعة العدوانية أسست لها الحضارة الأوروبية التي نشأت مع عصر النهضة. هذا ما فعله الأوروبيون البيض في القارتين الأمريكيتين، وما يفعله الصهاينة حاليا في فلسطين، وما حاول المستوطنون الأوروبيون فعله في جنوب إفريقيا.

إذن، هي قضية إنسانية بالدرجة الأولى نشأت مع العصر الاستعماري الغربي بدرجة رئيسة، ولا تخص العرب أو المسلمين وحدهم، بل تتقاطع مع إشكاليات الشعوب التي خضعت لهذا الاستعمار، بدءا بالأندلسيين، مرورا بالسكان الأصلين للقارة الأمريكية، وصولا على الجزائر وجنوب إفريقيا ثم فلسطين، وأعتذر إن نسيت شعوبا أخرى.

ولذلك، فإن مضمون «المسيح الأندلسي» إنساني، وإن كانت تفاصيلها وتجلياتها مصاغة بلغة وثقافة عربية إسلامية، بل ربما أكون دقيقا إذا قلت إن الموضوع يمس التجربة البشرية والوجود الإنساني بأكمله، أكثر بكثير من ارتباطه الضيق بتجارب العرب المعاصرين.

*من أكثر المناطق إثارة في «المسيح الأندلسي» مسألة المخطوطات التي صُنعت لتقديم صيغة توفيقية بين الإسلام والمسيحية، في محاولة لإنقاذ الوجود الموريسكي. كيف تعامل الباحث فيك مع هذه المنطقة التي يتداخل فيها التاريخ بالتلفيق، ويصبح اختلاق الوثيقة نفسه فعل مقاومة وبحثا عن النجاة؟

- الجماعة التي قررت البقاء في الأندلس بذلت أقصى جهدها للبحث عن مشروعيات لبقائها، معتقدة أنها تخوض جدلا فكريا حقيقيا.

من هنا جاء اختراع نصوص مثل إنجيل برنابا ووثائق «خندق الجنة»، في محاولة لإثبات أن الوجود العربي ذو جذور مسيحية امتدت منذ زمن السيد المسيح، وهو في نظرهم شكل من أشكال المقاومة الفكرية، وليس مجرد اختلاق لوقائع عابرة، إنه تشبث بالوجود في مواجهة مستعمر يرفع ادعاءات دينية محضة.

ويمكننا أن نرى ردود الفعل هذه مجسدة في أدوات سردية عدة، مثل نص الملك رودريغو الرواية التي كتبها جد بطل الرواية وهي حقيقية إضافة إلى القصص التي تتناول الفترة المبكرة لوجود العرب في الأندلس، وقصة ألواح «خندق الجنة» التي تناقشها الرواية.

كل هذه العناصر وُضعت ردا على الوصمة الاستعمارية التي وصمتهم بأنهم «موريسكيون» وغزاة أتوا من وراء البحار. لقد أرادوا إثبات أن جذورهم قديمة بأشكال مختلفة وبليغة تفهمها السلطة القشتالية، ومن وراء بابا الفاتيكان، فعندما غاصوا في صلب العقيدة المسيحية عبر انتحال إنجيل برنابا واختراع القصص المرتبطة بالسيد المسيح، كان هدفهم الدفاع عن الوجود في مواجهة رواية استعمارية ساحقة وماحقة تصر على أنهم موريون طارئون يجب أن يعودوا من حيث أتوا. إن الرواية بأكملها تطرح هذه الإشكالية بوصفها حرب سرديات بامتياز.

*تبدو المرأة حاضرة في قلب التحولات وليست شخصية هامشية، كيف تنظر إلى موقع المرأة في «المسيح الأندلسي»؟ وهل تمنحها مساحة لاستعادة أدوار غابت عن كتب التاريخ التي كتبها الرجال بعد أن شوهت الدراما أدوارها؟

- حضور المرأة ناتج عن طبيعة المجتمع الإنساني القائم على الرجل والمرأة معا، بمعزل عن أي تدخل مفتعل. فالمرأة موجودة بطبيعتها في كل مكان وزمان وفي كل حدث، ولا يمكن لأي رواية أو نص أدبي أن يخرج عن إطارها أو يتجاهلها. ولذلك، أرى أن هذا الوجود طبيعي تماما ولا يحمل أي خلفية أيديولوجية أو استعراضية، بل هو انعكاس بديهي لواقع الكينونة البشرية.

*هل الرواية نتجت عن العثور على وثيقة أو واقعة صادفتها وكانت الشرارة الأولى لولادة الرواية أو غيّرت الطريقة التي كنت تنظر بها إلى شخصية أو حدث تاريخي؟

- فكرة «المسيح الأندلسي» نشأت أساسا حين كنت أقيم في إسطنبول، ولفت نظري هناك وجود مسجد باسم «مسجد العرب» المبني بطراز أندلسي، وتحديدا نوافذه وبواباته وعناصره المعمارية.

من هذه الشرارة بدأ البحث، حتى عثرت على دراسة أكاديمية حول أندلسيي غلاطة في إسطنبول، وهو ما تقاطع مع قراءتي السابقة لرسائل الرحالة الأندلسي أبو القاسم الحجري المعروف باسم أوفوقاي الموجهة إلى أندلسيي إسطنبول. هكذا انطلقت الفكرة من إسطنبول، لكونها تمثل محورا أساسيا في الرواية وفي ذلك الزمن، وهو دور محوري نابع أصلا من مكانة السلطنة العثمانية وعلاقتها المعقدة مع أوروبا حينها.

وكعادة البحث التاريخي، كانت الوثيقة تقود إلى أخرى حتى اكتملت الأرضية الوثائقية والتاريخية بالكامل، ولم يبقَ سوى نسج الحبكة والسرد الروائي المرتكز على المنطق التاريخي للأحداث، مع الاستعانة بشخصيات حقيقية كانت معروفة في تلك الحقبة.

*البحث في الأرشيف ليس مهمة سهلة، وثائق متفرقة، مخطوطات بلغات مختلفة، مصادر متناقضة، وأحيانا مواد يصعب التحقق من أصالتها، ما أصعب عقدة واجهتك خلال هذه الرحلة في الوصول إليها وفك شيفرتها...؟

- الموضوع ليس مجرد فك شفرات أو قراءة وثائق، فمعظم هذه الوثائق مقروءة ومدروسة أساسا، بل الصعوبة الحقيقية تكمن في اكتشاف الوشائج والروابط الخفية بينها، وإدراك أن هذا الشخص المسمى بصيغة ما هو ذاته الشخص الآخر، خصوصا أن معضلة الأسماء في تلك الحقبة بالغة التعقيد.

لقد تذمر بعض القراء العاديين من هذه الإشكالية، بينما تعامل معها القارئ المتدبر بعمق أكبر، رغم أن تعدد الأسماء واختلافها بحد ذاته يعد واحدا من المضامين الجوهرية لهذه الرواية. فشخصيات عديدة تمتلك اسمين أو ثلاثة أو أكثر، وهذا استدعى جهدا بحثيا دقيقا يشبه العمل بالمبضع لربط كل اسم بصاحبه الحقيقي.

على سبيل المثال، يظهر محمد بن أبي العاص الذي يُفترض أنه والد بطل الرواية بأربع صيغ مختلفة. هذه الصيغ المتعددة تجاوزت كونها مجرد إشكال أرشيفي، لأنها تحولت إلى حبكة روائية قائمة بذاتها قادتني إلى فهم أعمق وأشمل لهذه الشخصية مقارنة بالفهم التقليدي المعتاد.

*كثير من الوثائق التاريخية تصلنا من جهة السلطة أو المنتصر، فيما يغيب صوت المهزومين والمهمشين. عندما تبني روايتك على هذه المادة، كيف توازن بين أمانة الوثيقة وحاجتك إلى استعادة الأصوات التي لم تترك وثائقها؟ وهل يمكن للروائي أن يكون أكثر إنصافا من المؤرخ في هذه المساحة؟

- أظن أن هذه بالضبط هي إحدى أهم وظائف الأدب، فهو يتيح للكاتب أن يرى ما وراء الوثيقة، أن يتخيل، وأن يحاكم. بينما تقتصر الوثيقة على تقديم قرينة أو معلومة جافة قد يتم توظيفها بأشكال مختلفة حسب غاية الباحث.

أما الأدب فهامشه أوسع بكثير، وبحكم اشتغاله بالنفس البشرية والأسئلة الكبرى، تكتسب الوثيقة لديه نكهة وقيمة خاصة تمكنه من رؤية ما وراء السطور وقراءة طريقة تفكير ذلك الإنسان.

على سبيل المثال، حين قرأت ملف التحقيق مع محمد بن أبي العاص أحد الأبطال التاريخيين للرواية في أرشيف محاكم التفتيش، أذهلني هذا الرجل تماما.

لقد كان يتبنى هوية في محضر التحقيق تختلف جذريا عن هويته الحقيقية في نصوصه ومخطوطاته العربية، ففي دفاتر محكمة التفتيش كان يمثل باسم ألونسو دي لونا، وكان يجيب المحقّقين والقضاة بمنطقهم الخاص ببراعة جعلتهم يعجزون عن إثبات تهمة الإسلام عليه، فاكتفوا باتهامه بالجنون أو الهرطقة، في حين أنه كان يعبر عن نفسه في نصوصه الخاصة بكل وضوح كمسلم باسمه الصريح.

هنا يظهر بوضوح ذلك الهامش الواسع والرحيب الذي يمكن للروائي أن يتحرك فيه ليملأ فراغات التاريخ.