تأويل الخوارزميات
04 أكتوبر 2026
04 أكتوبر 2026
تجاوزت الخوارزميات دورها كأدوات لتوليد النصوص واسترجاع المعلومات، لتصبح أنظمة قادرة على المفاضلة بين المبادئ؛ أي أنها تمارس التأويل، لتتجاوز بذلك اعتبارها امتدادًا للدماغ البشري، وتغدو شريكة في إحدى أهم قدرات البشر الفكرية أي إعادة توليد المعنى من النص.
وهذا الأمر لم يعد استشرافا للمستقبل، وإنما هو واقع بين ظهرانينا، يتمثل فيما يعرف بالنصوص المؤسسة لأنظمة الذكاء الاصطناعي. لا تقدم هذه النصوص قوائم من التعليمات أو المحظورات لأنظمة الذكاء الاصطناعي فحسب، وإنما تضع دساتير تتضمن مبادئ عامة، وقيماً عليا، وفوق هذا وذاك فهي تضع آليات لترتيب الأولويات عند تعارضها؛ وبهذا فهي لا تختلف كثيرا عن الدساتير البشرية أو النصوص المؤسسة التي تحكم مجتمعات البشر؛ إذ إنها لا توجه النموذج تجاه ما يجب أن يفعله في كل حالة، وإنما تمنحه مبادئ يفسر بها الحالات التي لم يسبق أن واجهها.
اعتادت الخوارزميات سابقاً على العمل وفق منطق ( إذا حدث «أ»، فافعل «ب») وهذا الأمر هو جوهر تعريفنا للخوارزمية: اتباع تعليمات محددة متسلسلة منطقيا، غير أننا نشهد تحولات تحررها من هذه الطريقة في الاتباع إلى أفق آخر، لتجعلها تفسر القواعد وتعمل وفق منطق مختلف وهو( إذا واجهت موقفاً جديداً فابحث عن المبدأ الذي يحقق أفضل توافق مع القيم المؤسسة، ثم فسر الواقع في ضوئه). وهنا لا يتعلق الأمر بقاعدة توجهها تفصيليا لتطبقها الخوارزمية حرفياً، بل بإعمال مبدأ التأويل تماما كما يفعل القاضي الدستوري حين يطبق تأويله على نص عمره قرون في سياق قضية لم تكن موجودة عند كتابته، وهذا يفتح باباً يمكن استشرافه؛ فقد تقرأ الخوارزمية التحولات العلمية والاجتماعية والسياسية على نحو حي لتقارنها بالنصوص منتجة فهما يتسم بالأصالة، وينسجم مع السياق.
وهذا الأمر يستدعي التأمل في دور البشر والتغيرات التي ستطرأ في العلاقة بين النص والقائم بفعل التأويل بعد دخول الخوارزميات كجزء أصيل من هذه العملية.
وإذا أصبحت الخوارزمية هي التي ترجح بين المبادئ، وتوازن بين القيم، وتعيد وصل النص بالواقع فلن يبقى التأويل فعلاً إنسانياً خالصاً، وبهذا لن نكون أمام تطور تقني، بل أمام تحول ينزل الإنسان من كونه الكائن الوحيد الذي ينتج المعنى إلى طرف يتشارك إنتاجه مع طرف آخر صنعه بيده، ليشاركه أكثر قدراته عمقاً وتميزاً.
إن الحديث عن التأويل كفعل تمارسه الخوارزميات لم يعد ضربا من الخيال العلمي. إنه واقع تشهده الشركات الرائدة في هذا المجال؛ إذ تبني نماذجها لتوجه الخوارزميات كي تسترشد بالمبادئ العامة لتنفيذ مهامها، وهو تحول يتجاوز القدرات التقنية إلى فلسفة بناء الخوارزميات.
ولعل منهجية شركة أنثروبيك في تدريب خوارزمياتها تقدم أوضح مثال على هذا التحول؛ إذ بنت نماذجها على ما تسميه الذكاء الاصطناعي الدستوري؛ حيث لم تكتفِ بتزويد النموذج بقائمة من الأوامر والمحظورات، بل وضعت له «دستورا» يتكون من مجموعة من المبادئ التي يرجع إليها عند استجابته للأوامر، ثم إن هناك خوارزميات تتأكد من التزام هذه الاستجابات بتلك المبادئ. إنها المرة الأولى التي يكتب فيها الإنسان نصا تأسيسيا لينظم طريقة فهم الخوارزمية للمبادئ التي يجب أن تسلكها بعد أن كانت النصوص التأسيسية تخاطب عقول البشر فحسب.
وإذا كان اختيار كلمة «دستور» يوضح طبيعة هذا النص التأسيسي الذي يعطي دلالة الاستنباط بدل الأوامر التفصيلية لكل واقعة فإن هناك نموذج تعلم آليا يجعل الخوارزمية تخطط كما تستنبط. يعرف هذا النموذج «بنموذج العالم»، وهو نظامٌ يبني تمثيلاً داخلياً للبيئة المحيطة به، ثم يقوم بعملية فهم ديناميكي للبيئة، ليتنبأ بعدها بكيفية تغيّر هذه البيئة بمرور الوقت استجابةً للأفعال المختلفة، وهو ما يمكن الخوارزميات من تنفيذ عملية تفكير أساسية مثل التخطيط تتبعها عملية تفكير ناقد مثل الاستدلال، وأخيرا تصنع قرارا من خلال اتخاذ الأفعال.
وهكذا، فإن تأويل الدستور والتخطيط وغيرها من عمليات التفكير التي كانت حكراً على البشر أضحت تنفذ على نحو متزايد من قبل الخوارزميات.
يبرز سؤال في غاية الأهمية وهو محل اهتمام المؤسسات التي تخوض سباق الذكاء الاصطناعي، وهو: كيف نجعل الذكاء الاصطناعي يحسن الحكم؟ وكيف نوازن بين قيم قد تتعارض، مثل الحرية والسلامة، والخصوصية والشفافية؟ وهي ليست أسئلة هندسية أو تقنية، بل هي أسئلة فلسفة أخلاق وتأويل؛ لأن الإجابة عنها لا تُستخرج من قاعدة بيانات، بل من عملية تفسير للمبادئ على ضوء كل استجابة تقوم بها الآلة، وهكذا تعيد تقنيات الذكاء الاصطناعي تعريف أحد أكثر المجالات أهمية للمجتمعات البشرية، مجال التأويل، بل تشارك فيه فاتحة المجال لتحول فكري لا يمكن إغفاله.
صالح الفلاحي كاتب عماني
