No Image
العرب والعالم

حقنة الأنسولين .. معركة أخرى في خيمة النزوح

04 أكتوبر 2026
04 أكتوبر 2026

تمسك الحاجة انشراح سدر، 56 عامًا، بعلبة الأنسولين التي بقيت معها، وتقلبها

بين يديها. لا تنظر إليها كدواء عادي، بل كشيء يتوقف عليه بقاؤها آمنة من مضاعفات مرض مزمن يرافقها منذ سنوات.

اقتربت صلاحية الدواء من نهايتها، لكن انشراح لا تستطيع التخلص منه. لا تعرف متى ستجد عبوة أخرى.

في خيمة صغيرة وسط تجمع مكتظ بالنازحين، تحاول المرأة التي فقدت منزلها واثنين من أفراد أسرتها خلال الحرب أن تعيد ترتيب ما تبقى من حياتها. تعيش هنا برفقة

اثنتين من شقيقاتها، بعدما نزحن من منطقة الصبرة شرق مدينة غزة.

الخيمة بالنسبة إليها ليست مكانًا للنوم فقط؛ فيها ركن للفراش، وآخر لبعض الأثاث والمقتنيات التي نجت من الحرب، وزاوية صغيرة تستخدمها مطبخًا. كل شيء متلاصق، كما لو أن مساحة الخيمة تختصر حياة كاملة اضطرت الحرب إلى حشرها في بضعة أمتار.

لكن ما يؤرق انشراح أكثر من ضيق الخيمة هو مرض السكري.

قبل نحو عامين ونصف، أخبرها الطبيب أن مستوى السكر لديها أصبح يحتاج إلى حقن

الأنسولين بدلًا من الحبوب. قبل الحرب، كانت تذهب إلى مستوصف الأونروا في

الصبرة، وتحصل بصورة منتظمة على حقن الأنسولين والأنابيب اللازمة لها.

كان العلاج جزءًا من روتين حياتها ، أما اليوم، فأصبح الحصول عليه معركة.

منذ اشتداد الحرب، بدأت انشراح رحلة طويلة بحثًا عن حقن الأنسولين. توجهت إلى

المستوصفات والعيادات الحكومية والمستودعات الطبية والصيدليات والمستشفيات،

وفي كل مرة كانت تعود بالإجابة ذاتها تقريبًا: الدواء غير متوفر.

حتى عندما توجهت إلى عيادة مسقط الحكومية، أُبلغت بأن الحقن التي تحتاج إليها

غير موجودة.

لم تجد انشراح أمامها سوى ما لديها، حتى لو كان قليلًا، وحتى لو اضطرها ذلك

إلى إعادة استخدام نفس الحقنة " الإبرة" مرات عديدة.

تعرف أن إعادة استخدام الحقنة قد يعرضها لمخاطر صحية، لكنها، كما تقول، لا

تملك خيارًا آخر.

وفي بيئة النزوح، تصبح المخاطرة أكبر. الخيام متلاصقة، والنظافة صعبة،

والحشرات والذباب والقوارض تنتشر في المكان، بينما تتفاقم مشكلة الصرف الصحي

والنفايات.

تقول انشراح إنها تبحث عن حقن الإنسولين في كل مكان، لكنها في كثير من الأحيان

لا تجد شيئًا.

وحين فتحت علبة العلاج الموجودة معها، تجد أن تاريخ الصلاحية يقترب من نهايته

ومع ذلك تستخدمها.

في قطاع غزة، يقدَّر عدد المصابين بالسكري بنحو 71 ألف شخص، وفق بيانات للجهاز

المركزي للإحصاء الفلسطيني نُشرت خلال الحرب، ضمن نحو 350 ألف شخص يعانون

أمراضًا مزمنة. وتأتي هذه الأرقام في ظل انهيار جزء كبير من منظومة الرعاية

الصحية وصعوبة حصول المرضى على الأدوية والعلاجات المنتظمة.

وتشير بيانات صحية فلسطينية إلى أن السكري يمثل عبئًا واسعًا على المجتمع

الفلسطيني، إذ أظهرت بيانات المسح الوطني لعوامل الخطورة ارتفاع نسبة الإصابة

بين الفئة العمرية 40-69 عامًا، وهي الفئة التي تنتمي إليها انشراح.

لكن الأرقام لا تشرح وحدها ماذا يعني أن يكون مريض السكري في غزة اليوم.

لا تقول كم مرة يضطر المريض إلى البحث بين الصيدليات، ولا كم ساعة يقضيها في

انتظار دواء قد لا يصل، ولا ماذا يفعل عندما تنتهي العبوة ولا يجد بديلًا.

ولا تقول شيئًا عن الخوف الذي تحمله انشراح معها كل يوم، فمرض السكري في

عائلتها ليس مجرد تشخيص طبي؛ إنه ذاكرة مؤلمة.

تقول إن معظم إخوتها وأخواتها مصابون بالمرض، وإنهم يواجهون هم أيضًا صعوبة في

الحصول على حقن الأنسولين.

أما والدتها، فقد عاشت النهاية التي تخشاها انشراح. بدأت المشكلة بجروح

والتهابات متكررة في القدم، ثم تحولت الجروح الصغيرة إلى جروح غائرة، قبل أن

تتطور إلى غرغرينا مرتبطة بمضاعفات السكري، وانتهى الأمر ببتر القدم.

لهذا، عندما تنظر انشراح إلى علبة الإنسولين التي شارفت على الانتهاء، لا ترى

مجرد دواء.

ترى قدم أمها ، وترى احتمالًا تخشى أن يتكرر.

تقول إن ما تريده ليس أكثر من علاجها بصورة منتظمة، وأن تجد الإنسولين عندما

تحتاج إليه، بدل أن تضطر إلى البحث عنه في كل مكان أو إعادة استخدام الإبرة

في غزة، أصبح المرضى يخوضون حربًا أخرى لا تقل قسوة؛ حربًا مع نقص الأدوية،

وانهيار الخدمات الصحية، والنزوح، والفقر، والخوف من مضاعفات أمراض كان يمكن

السيطرة عليها في ظروف طبيعية.

أما انشراح، فتعود إلى خيمتها، إلى الركن الذي وضعت فيه أشياءها القليلة.

تضع علبة الأنسولين في مكان آمن، رغم اقتراب انتهاء صلاحيتها.

ثم تنتظر أن تجد عبوة جديدة قبل أن تنتهي القديمة، وألا تضطر إلى الاختيار مرة أخرى بين دواء تعرف أنه لم يعد صالحًا للاستخدام طويلًا، ومرض تعرف جيدًا إلى

أين يمكن أن يقودها.

في خيمة النزوح، لا تبحث انشراح عن حياة أفضل، إنها تبحث فقط عن جرعة علاج

تحفظ لها قدمًا تخشى أن تفقدها، وعن فرصة ألا تنتهي قصتها كما انتهت قصة أمها.