No Image
العرب والعالم

الشهيد طوباسي.. وزّع المساعدات ورحل!

04 أكتوبر 2026
04 أكتوبر 2026

في كل يوم يودّع الفلسطينيون حبيباً مجللاً بثياب الدم الطاهر الزكي، الذي تنطلق منه رائحة الورد والياسمين تحفها الرفعة والطهارة، وربما لا يسمح القدر لعائلاتهم لرؤيتهم قبل الرحيل.

وعائلات الشهداء قد لا تصدّق أنه الرحيل الأبدي، فتبقى في أذهانهم اللحظات الأخيرة مرتسمة وإن بصورة وردية حزينة، يتخيلونهم يسيرون في الطرقات، وربما يرون صورهم وهي ترتسم على وجه القمر، أو جذوع الزيتون المعمد بالدم الأرجوان، وربما على خارطة الوطن.

في قرية حجّة شرقي مدينة قلقيلية شمال الضفة الغربية، لم يعد الشاب الوسيم عمر طوباسي (20) عاماً، يحنّ إلى قهوة أمه الصباحية، فأنى له ذلك، وقد غادر عائلته إلى غير رجعة، لكن روحه ستظل تطوف في الأرجاء، وسيشعر كل أفراد أسرته بها تحوم حولهم، ليتذكروا أيامه وذكرياته الجميلة التي قضاها بينهم، إذ كان ينشر الفرح وينثر البهجة في كل مجلس يلم به.

أين عمر؟.. وماذا فعل لكي يقتلوه؟.. أسئلة متكررة يطلقها ببراءة، صغار عائلة الطوباسي، في وجه والدهم، ليستقبلها كسهام مصوّبة إلى قلبه المكلوم، فتراه يتحامل على جراحه، محاولاً أن يقنعهم ويرضيهم بالإجابة: "لقد انتقل للعيش في الجنة".

ترفع والدته يديها إلى السماء، وتقول والدموع تنهمر على وجنتيها: "كان عمر محبوباً من أبناء قرية حجّة، وروحه الجميلة لا تفارق محياه، والإبتسامة دائماً مشرقة على وجهه، ولهذا فقد أحبه كل أهالي القرية، وظهر ذلك من خلال الحشود التي شاركت في موكب تشييعه، وازدحم بها بيت العزاء".

توضح الأم التي استجابت لقضاء الله وقدره، أن عمر، كان يدرس طب الأسنان، في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، وأنهى سنته الأولى، وكان حافظاً لكتاب الله وناشطاً ومحبوباً في القرية، وكان يشارك مع شقيقه في الفعاليات الرافضة لإقامة بؤرة استيطانية إسرائيلية قرب منزل عمّته.. كنت أخاف عليه لكني لم أتخيل يوماً أن أفقده".

ولم تملك الوالدة الصابرة، وهي تستذكر لحظات عمر الأخيرة، سوى الدعاء سلاحاً يشفي غليلها، ويرضي قرّة عينها، الذي قتل بدم بارد، وعن لحظة تلقيها نبأ استشهاده برصاصة غادرة أصابت قلبه، قالت: "رحل عمر، وبقي أربعة من إخوانه، والحمد لله أن عندنا غيره، وماذا نقول أمام من فقدوا اثنين وثلاثة وربما أكثر من الأبناء".

هكذا بدت أم عمر بمعنوياتها العالية وصبرها الجميل، كأنها بكلماتها هذه أرادت التأكيد على أن الهم الفلسطيني واحد، والجرح في جسد واحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الأعضاء.

حلوى الشهادة..

وتستذكر جنى طوباسي، شقيقه عمر، لحظاتها الأخيرة معه، فتروي والألم يخفي معالم وجهها، قبل منديلها الأسود: "طلب مني عمر شيئاً حلواً، فأعددت له قالباً من الحلوى "الكيك" وفيما يبدو أنه كان محروقاً من الأسفل، فشعرت بالحرج منه، لكنه تدارك الأمر عندما أخذ يتذوق، ويشكرني على المذاق الطيب، وقال ممازحاً: أعتقد بأنك وضعتي أصبعك فيه" في إشارة إلى حلاوته.

ربما أدركت جنى أنها المرة الأخيرة التي سترى فيها عمر، وأن هذا هو طلبه الأخير منها، فأضافت: "أعرف أن عمر لن يعود إلينا، لكن ما يؤلمني أنني لم أشبع منه عند وداعه" ولم تجد ما تعزّي به نفسها، سوى توزيع ما تبقى من قالب الحلوى عن روح عمر.

وفي واحدة من الحقائق التي لا يحبّذ أهالي الشهداء الحديث عنها، تصريحاً أو تلميحاً، يستشعر محمـد طوباسي "والد عمر" غصة بعد رحيل ابنه البكر، فيقول: "جرت العادة أن يدفن الأبناء آباءهم، لكن هنا في فلسطين، الآباء هم من يدفنون الأبناء" وبكل ثبات وتماسك قال: "من أجل الأرض والدفاع عنها، كل شيء يهون".

تفقّد المحتاجين ورحل..

لم يتفاجأ فكر حجاوي، عندما اكتشف أن عمر وزّع ما كان معه من مال على المحتاجين في القرية، قبل استشهاده بلحظات، فيروي لـ"عُمان": "الشهادة تليق بعمر، وهو يستحقها، وهكذا هم الشهداء، لهم محبة تنغرس في قلوب الناس، وعمر لم يتلوث بشوائب الدنيا.. لقد تذكّر المحتاجين الذين ضاقت بهم السبل، وكان سبباً في إغنائهم عن السؤال، وكان هذا العمل آخر مآثره".

ويضيف: "لم يكن إحساس عمر المبكر بأصحاب الحاجة، السبب الوحيد الذي جعله يحظى بمحبة خاصة من أبناء قريته، بل كانت كل واحدة من سماته وخصاله سبباً في حزن عميق لفّ القرية وهي تودّع خيرة شبابها".

في محيط منزل الشهيد، تجمّع أطفال من القرية، بعضهم ما زال يسأل عنه، وآخرون يريدون اللقاء به، وأحدهم تمنى أن يكون معه في الجنة "عندما أكبر أريد أن أستشهد مثل عمر"!.

كل هذه الأحاديث جرت، من دون أن نسمع صوتاً لشقيقته الصغرى، إذ ما زالت مصدومة، وقبل أن نودع العائلة، إستمعنا إلى شهادة من مواطنة، فقالت: "كنت شاهدة على آخر موقف لعمر، الذي لم يتأخر يوماً عن تقديم المساعدة لي.. كان يتصرف مع جيرانه كأنهم أفراد من عائلته، يهب لمساعدة كل من يطلب منه ذلك، وفي يوم استشهاده، أعطاني مبلغاً من المال، لكن خبر استشهاده انتشر بعد لحظات، فقررت أن أوزعه عن روحه".

ودّعنا قرية حجّة عبر البوابات الحديدية، فيما صور الشهيد عمر كانت تودّعنا، وكأنها تقول: "عمر إبن الجميع، وسيصعب علينا نسيانه".