الاتصال الاستراتيجي والمجتمع

03 أكتوبر 2026
03 أكتوبر 2026

خلال السنوات الست المنصرمة منذ عام 2020 شرعت عُمان في عملية تحديث كبرى فرضها انتقال الحكم وتشكل القيادة الجديدة. وبعد عام الشروع في تنفيذ رؤية «عُمان 2040» إضافة إلى بعض الأحداث الكبرى التي حدثت خلال هذه الفترة وكانت تتطلب استجابات نوعية على مستوى تحديث السياسات العامة، ولعل أبرزها جائحة كوفيد 19 بآثارها الصحية والاقتصادية والاجتماعية. عملية التحديث هذه شملت استحداث مؤسسات وتشريعات وسياسات، وكان للبعد الاجتماعي نصيبٌ واسع منها، ولعل أبرز ما شملته في هذا الجانب نظم الحماية الاجتماعية بما فيها أنظمة التقاعد، وأنظمة العمل الجديدة، وآخرها نظام ترقيات الموظفين العاملين في القطاع الحكومي.

وكأي دولة؛ تأخذ السياسات الجديدة أو خطوات التحديث حيزها من رد الفعل الاجتماعي، خاصة إذا ما كانت تتماس بشكل مباشر مع المجتمع، مصالحه، وأنماط حياته، وطريقة التنظيم التي اعتاد عليها، وتصوره لمنظومة الحق والواجب.

ونعتقد أن ما صدر من سياسات ومنظومة التفاعل الاجتماعي معها خلال الفترة الماضية يشكل حقلًا جيدًا للباحثين في علوم الاتصال وتحليل بيانات التواصل الاجتماعي؛ لمحاولة قراءة أنماط مختلفة ليس فقط في سبيل تتبع الرضا من عدمه، وإنما محاولة فهم خمسة محركات مهمة أولها: كيف تبدو ثقة المجتمع بالقرار أو السياسة الحكومية، وثانيها: كيف يعبر الناس عن شعورهم بما يعرف بـ «عدالة توزيع المنافع في مقابل الأعباء» بمعنى: هل تستفيد فئات معينة من القرار على حساب أخرى؟ وهل هناك فرصة مفضلة لشريحة من المجتمع دون معيار واضح؟ وثالث تلك المحركات: هل يستطيع الناس فهم السياسات؟ وكيف تنعكس عمليًا عليهم، ويستطيعون فهم وتحديد توقعاتهم من نتائجها على المدى القصير والبعيد؟ أما رابع المحركات فيتصل بمسألة القبول في مقابل التردد أو الرفض، ويعني لماذا يقبل الناس قرارات معينة، ويتكيفون مع أخرى فيما يقاومون نوعية معينة من القرارات؟ وخامس المحركات يتمحور بمدى شعور الناس بأن صوتهم مسموع ومؤثر في القرارات والسياسات الحكومية عمومًا.

تقدم لنا هذه المحركات الأسئلة الرئيسية التي يجب أن نسأل عنها حين نحاول رصد طبيعة تفاعل المجتمع مع السياسات العامة أو عمليات التحديث أو القرارات الحكومية، وباختلاف طرق التفاعل سواء كان عبر وسائط التواصل الاجتماعي، أو عبر فضاء الإعلام العام، أو عبر الفضاء العام نفسه، فإن الأدوات التي تصمم يجب أن تحاول الإجابة على تلك الأسئلة.

وقد تكون المهمة أسهل اليوم لرصد مواقع التواصل الاجتماعي؛ كون أدوات البحث والتحليل التقني تتيح الإجابة على بعض هذه الأسئلة تقنيًا ورقميًا، غير أن ما نود التأكيد عليه دومًا بعدم الارتكان أو اعتبار أن ما يحدث في هذه المواقع وحده صوت المجتمع، أو المنبر الرئيسي لتقصي ردود الفعل الاجتماعية، فهي وسيط واحد من مجموعة وسائط أخرى متعددة في الفضاء العام، وقد يكون الاعتماد المطلق عليها في تحليل ردود فعل المجتمع نوعًا من التحيز أو التعيين غير الموضوعي.

نعتقد أن المرحلة الراهنة تحتاج إلى الانتقال من نموذج الاتصال والإعلام بشكله التقليدي إلى منظومة الاتصال الاستراتيجي، وهي إن أردنا تعريفها « منظومة تربط توجهات الدولة وسياساتها بتواصل واضح ومتسق مع المجتمع، وتنسّق أدوار الجهات الحكومية في شرح القرارات وأهدافها وآثارها، وتدرس أنماط تفاعل المجتمع، وتستمع إلى احتياجاته وتوقعاته، وتوظّف هذه المعرفة في تحسين السياسات وتعزيز الثقة والمشاركة».

وهذه المنظومة لا نعني أن تكون مواءمة الرسائل المؤسسية لاحقة، بل أن يكون هناك منطلقات أو أجندة اتصالية محددة، وأنماط تواصل واضحة، وضمانات أن الجميع يفهم الرسائل والتوقعات والمقاصد بنفس المستوى، وأن هواجس الجميع مأخوذة في المكون الاتصالي، وأن هناك قيما ومحددات واضحة وطنيًا ومؤسسيًا تنطلق منها رسالة الاتصال.

لقد بذلت مختلف المؤسسات الحكومية جهودًا كبرى خلال السنوات الفائتة في تعزيز منظوماتها «الإعلامية»، إلا أن جزءا كبيرا من هذا التعزيز كان منصبًا على الأدوات والآليات أكثر من كونه منصبًا على تطوير «منطق الاتصال»، ما الذي يدفعني لأتواصل؟ هل ما أقدمه واضح ومفهوم للجميع؟ هل التوقيت مناسب «وطنيًا» وليس فقط «مؤسسيًا»؟ هل هناك جهد ذهني ومعرفي لاحق يتطلب من المواطن أو المستفيد بذله لفهم الرسالة؟ هل أنا كجهة متاح لسد أي تساؤلات لاحقة والتوافر المعلوماتي قبل نشوء أي انحرافات في الفهم والتأويل؟ هل تضمنت الرسالة كافة الهواجس المجتمعية المحتملة؟ وهل عالجتها بشكل واضح ومنطقي؟ وهل تقول المؤسسات جميعها نفس المعطى، وتتحدث نفس اللغة «وطنيًا»؟

ثم من النقاط المهمة جدًا مسألة التركيز بين (عملية صنع السياسة/ القرار) ومخرجها للمجتمع أو للمستفيدين؛ فالمعادلات المعقدة، والخطوات التفصيلية للخدمة، والشروط التحققية، والنسب التفضيلية كلها مهمة لفهم (عدالة القرار وبنيته العلمية)، لكنها عمل مكتبي هو أصل للمؤسسة القائمة على القرار، وخريطة طريقها للوصول إليه، ما يعني المستفيد هو ناتج القرار وكيف نبسط هذا الناتج في صورة واضحة (هل أنا متأثر بشكل سلبي أم إيجابي؟ متى سيطولني التأثير؟ أو ماذا يجب علي أن أفعل؟).

لذلك نعتقد أن هناك حلقة مفقودة بين (نية الكشف عن تفاصيل القرار) وبين (تصميم رسالة الاتصال الاستراتيجي الواضحة). وهذه الفجوة هي اشتغال علوم كثيرة، وليس فقط وظيفة المتخصصين في الإعلام والتواصل؛ فهي ناتج علم النفس، وعلم التفكير التصميمي، وعلم الاجتماع، وربما الإحصاء وعلوم فرعية شتى. تكون في مجملها فهم من نخاطب؟ وكيف ومتى نخاطب؟

ثلاثة معطيات كبرى تؤكد ضرورة الانتقال للاتصال الاستراتيجي، وهي أننا عصر تشتت المعلومات الذي يصبح فيه الوصول إلى انتباه الفرد سلعة لها قيمة كبرى جدًا، وثانيها أن الحكومات بقدر ما هي مطالبة بأن تكون مرنة وسريعة التفاعل والتجاوب مع المتغيرات التي تحدث بقدر ما تنتج سياسات كثيرة تتطلب أن يستوعبها الفاعل الاجتماعي ويتفاعل معها. وثالثها أن المجتمع قد يبني حكمًا عموميًا على عمل حكومة كاملة من خلال تصرف اتصالي لمؤسسة معينة، فيصبح ذلك التصرف مدخلًا لمساءلة وربما نقد كافة أشكال العمل الحكومي الأخرى.

في مسح أجرته منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية عام ٢٠٢٥ على ٥٧ من كبار مسؤولي التواصل الحكومي توصلت النتائج إلى أن ٧٢٪ من العينة يهتمون بقياس عدد مشاهدي المحتوى بينما يهتم ٢١-٣٠٪ فقط بقياس أنماط تغير الفهم أو المواقف أو السلوك، والنسبة المحدودة جدًا منهم ٥٪ فقط تهتم بقياس مساهمة التواصل في تحقيق أهداف السياسات. يصبح التواصل استراتيجيًا عندما تُقاس قيمته بما فهمه المواطن، وما استطاع فعله، وكيف استفادت الحكومة من ملاحظاته.

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان