عمان بين الاقتصادات المبتكرة في العالم 2026

03 أكتوبر 2026
03 أكتوبر 2026

تقِّر المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) في النسخة التاسعة عشرة من إصدار مؤشر الابتكار العالمي 2026 ( تمكين رواد الأعمال في طليعة العلوم) أنه في وقت الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أحدثها التقدم الهائل في الذكاء الاصطناعي اليوم يجب النظر إلى أهمية تسخير قوة الابتكار والإبداع في إحداث نقلات تنموية وقدرات تنافسية عالية؛ فالإمكانات التي أنتجتها برامج الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته وإمكاناته كلها موارد أساسية لدعم عمليات الإنتاج والتصنيع والعمل الريادي في كافة المجالات.

إلاَّ أن نتائج تقرير المؤشر تضع العالم أمام سؤال جوهري مهم هو: (كيف يمكن تحويل الأفكار الابتكارية العظيمة إلى منتجات حقيقية وشركات ووظائف تمثِّل قيمة حقيقية للاقتصادات والمجتمعات؟)، ولعل هذا السؤال يبدو أكثر إلحاحا عندما ترتفع إنتاجية الابتكارات وبراءات الاختراع باعتبارها مدخلات للابتكار في حين تنخفض أعداد الشركات والمؤسسات الناشئة المتخصصة في مجالات التصنيع الابتكاري والصناعات الإبداعية وغيرها بوصفها مخرجات لتلك الأفكار الابتكارية الإبداعية التي تنتظر الاستثمار والخروج من الفكرة إلى الواقع التأسيسي.

إن مؤشر الابتكار يرتبط بمجموعة من المؤشرات الفرعية التي تستهدف سبر الصلة بين الاقتصادات في مراحل التنمية باختلاف النظم الإيكولوجية للابتكار وإمكانات الدول على الاستفادة منها وتطويرها؛ حيث تكشف العلاقات بين البحث العلمي والصناعة وأنظمة الملكية الفكرية وبراءات الاختراع وبرامج نقل التكنولوجيا إضافة إلى التمويل طويل الأجل والاستثمار في المواهب وتهيئة البيئة المناسبة لها وفق خطط واضحة قادرة على خلق بيئة مناسبة للابتكار ومخارج متنوعة للتمويل والاستثمار في الأفكار الابتكارية.

ولهذا فإن هذه النسخة من المؤشر تركَّز على مستقبل ريادة الأعمال المدعومة بالعلوم باعتبارها أساسا لمخرجات الابتكار؛ فالدول التي تستثمر في الابتكار والإبداع عليها أن تحقِّق فوائد من هذا الاستثمار من خلال تحويله إلى شركات ووظائف ورفد السوق بمنتجات جديدة ذات جودة عالية، وإلاَّ فإن هذا الاستثمار لن يُحقِّق أية مخرجات، وبالتالي فإنه سيشكِّل عبئا أكثر من كونه قيمة مضافة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وعليه فإن طرفي الابتكار (المدخلات ــ المخرجات) لابد أن يتوازيا من أجل تحقيق الفوائد الاستثمارية والتنموية من الابتكارات.

يكشف تقرير المؤشر أن العالم يشهد موجة علمية قوية؛ إذ تتوسَّع الشركات الناشئة المدعومة بالعلوم وتمتد لتشمل علوم الحياة وأشباه الموصلات والروبوتات، والفضاء والطاقة والمواد المتطوِّرة وغيرها من مجالات الإبداع؛ فقد شكَّل العام 2025 قوة تنافسية في كثير من دول العالم، فصعدت في المؤشرات نتيجة لتزايد الاستثمار في الابتكار وإنشاء الشركات، حيث تصدرت الولايات المتحدة القائمة بـ 12.752 شركة، تليها الصين بـ 3.466، والمملكة المتحدة بـ 2.133، غير أن الصين حقَّقت نموا بنسبة 138% بين عامي 2020-2025 مقابل 30% للولايات المتحدة. من جهة أخرى تتصدر تركيا والهند وماليزيا مجموعة الدول ذات الدخل المتوسط.

إن الابتكار في ارتباطه بالشركات الناشئة يمثِّل قوة داعمة للتنمية؛ فإنفاق الدول في بيئة الابتكار والبحوث العلمية ودعمها لبراءات الاختراع لا يمثِّل قيمة مضافة إذا لم يتم تمويل هذه الأفكار الإبداعية وتحويلها إلى منتجات ابتكارية وصناعات إبداعية ترفد الأسواق وتقوي من رأس المال المحلي؛ ولهذا فإن قياس المخرجات يشكِّل أهمية كبرى؛ لأنه يكشف حقيقة الاستثمار في الابتكار والقيمة المضافة التي تم تحقيقها.

يصنِّف مؤشر الابتكار العالمي 2026 أداء 139 اقتصادا في مجال الابتكار، ويُحدِّد مواقع أعلى 100 تجمُّع ابتكاري في العالم، ويرصد هذا العام كيفية عمل الشركات الناشئة في مجال العلوم وقدرة الدول على تحويل البحوث الرائدة وبراءات الاختراع إلى صناعات جديدة، وما يمكن أن تقدمه الدول لتوسيع نطاق عمل هذه الشركات ودعم قدرتها على الاستدامة، وقد استقرت عمان في المرتبة 69 لتكون من بين 100 دولة في العالم تقود الابتكار في الاقتصاد، ما يكشف التقدم المستمر الواضح في العديد من المؤشرات منها تطوُّر بيئة التجمعات الاقتصادية، واستقرار السياسات لممارسة الأعمال، وصافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، والوصول إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وغيرها من المؤشرات الفرعية.

ولقد حقَّقت عمان قفزة في المؤشرات الفرعية الخاصة بركيزة مدخلات الابتكار التي تُعد أساسا قويا للانطلاق إلى عالم الاستثمار الاقتصادي في كافة المجالات التنموية، الأمر الذي يعكس تلك الجهود المبذولة في تأسيس بيئة ابتكار جاذبة، وتمكين المواهب البحثية والابتكارية، وتقديم منافذ التعليم والتدريب إضافة إلى السياسات الداعمة للملكية الفكرية وبراءات الاختراع، إلاَّ أن هذا التمكين والدعم والاستثمار يحتاج إلى تقييم من حيث المخرجات؛ فالقيمة ليست في عدد الشركات الناشئة الصغيرة أو المتوسطة، بقدر الإضافة التي تمثلها في السوق من حيث الجودة والمنتج والمعرفة المضافة.

فعلى الرغم من التقدم الذي أحرزته عُمان في العديد من المؤشرات الفرعية للابتكار الذي تُعد أساسا مهما في صناعة الابتكار، إلاَّ أن التحدي يبقى دوما في مؤشر مخرجات الابتكار؛ الأمر الذي يحتاج إلى إعادة تقييم ودراسة واضحة تكشف الأسباب وتقترح الحلول المناسبة التي تمكِّن الدولة من الاستفادة من الاستثمار في الابتكار وتنمية القدرات الابتكارية؛ فعُمان من خلال النظر إلى ما أحرزته في مؤشر مدخلات الابتكار، تمتلك قدرات وإمكانات كبيرة داعمة لنمو الصناعات الابتكارية والإبداعية في كافة القطاعات إضافة إلى أن هناك العديد من المبادرات والشركات التي يمكن أن تشكِّل نماذج مهمة للتمكين.

إن الفجوة بين التقدم في مدخلات الابتكار، والتراجع الواضح في المخرجات يعني أن لدينا أفكارا ابتكارية واعدة، ومواهب إبداعية ممكَّنة، وبراءات اختراع وافرة، وبيئة ابتكارية نشطة، لكن في المقابل ذلك كله لا يخرج إلى سوق ريادة الأعمال، ولا يُسهم في إنتاج صناعات جديدة أو قيمة مضافة واضحة يمكن الاعتماد عليها. والحال أن لدينا صناعات إبداعية هنا وهناك، ولدينا شركات مدعومة بالعلوم في مجالات عدة خاصة في القطاعات الصحية والزراعية والتقنية وغيرها، إلاَّ أنها ما زالت لا تشكِّل قيمة مضافة واعدة يمكن الاعتداد بها، ولا تمثِّل رقما مهما بالمقارنة مع المدخلات.

إن تقرير المؤشر العالمي للابتكار 2026 يكشف قيم التقدُّم أو التراجع في مؤشرات ستُسهم في دعم توجهات الدولة وتحقِّق أهدافها؛ لأن الابتكار اليوم أساسا للنمو الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، ولذلك فإن تقييم هذه المؤشرات، ومراجعتها، والتخطيط لمواصلة التقدُّم، وإحداث القفزات في تلك المؤشرات المتقدمة، ومراجعة أسباب التراجع في المؤشرات، وإعداد السياسات الداعمة للتقدُّم، وتقديم رؤى واضحة لدعم الابتكارات وبراءات الاختراع ومنافذ للتمويل ستكون السبيل إلى تحقيق الأهداف المرجوة من استثمار الدولة في بيئة الابتكار. فعُمان اليوم من ضمن 100 دولة تقود اقتصادات الابتكار في العالم، وهذا لم يأت سوى من العمل والتخطيط والسياسات الداعمة للابتكار؛ ولهذا فإن إحداث التوازن بين المدخلات والمخرجات سيؤدي إلى نقلة نوعية في سوق الأعمال والوظائف الإبداعية، والشركات الناشئة المدعومة بالعلوم في كافة القطاعات، وبالتالي سيُحدث قفزة كبيرة في مرتبة عُمان بين دول العالم بوصفها إحدى القيادات الرائدة للابتكار.

عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.