No Image
ثقافة

محمد الجزمي: الخيال العلمي يفتح للرواية عوالم تتجاوز الواقع المباشر

03 أكتوبر 2026
03 أكتوبر 2026

تتقاطع تجربة الكاتب العُماني محمد قرط الجزمي في فضاءات الرواية مع الخيال العلمي والفنتازيا والرعب، مستندة إلى مخيلة تشكل جانب منها مبكرًا في بيئة مسندم بين الجبال والبحر والعزلة، ثم اتسعت مع شغفه بالتقنية والتحولات العلمية، ومن روايته الأولى "من دون مرآة" إلى "تحت ظل الظلال" و"لا تؤجل الخوف"، ظل "الجزمي" يختبر قدرة الأدب على الذهاب أبعد من الواقع المباشر، مؤمنًا بأن الخيال العلمي لا ينفصل عن الحياة وإنما يعيد النظر إليها من زوايا غير مألوفة. وفي هذا الحوار لـ"عمان" يتحدث عن منابع الكتابة لديه وعن علاقته بالخيال العلمي، وتحولات تجربته الروائية، وحضور المكان في تشكيل مخيلته وما يمكن أن يقدمه هذا الأدب للناشئة إلى جانب رؤيته لواقع الرواية المتخيلة وحضورها لدى القارئ العُماني والعربي.

عن ماذا يبحث الكاتب في نفسه حين يكتب رواية؟ وهل تبدأ الرواية عندك من فكرة أم من سؤال؟

أنا لستُ أرى الكتابة، سواء كتابة الرواية أو القصة أو الشعر أو المقالة، أو أي شكل من أشكال الكتابة، لستُ أراها عملية بحث. القراءة هي التي تفتح مسالك البحث، أما الكتابة فبراكين، منها الصغيرة ومنها الكبيرة، أحيانًا يُحدَّد حجم البركان بحسب قوة الكاتب، وأحيانًا بحسب قوة المكتوب. إن إجابة الشق الثاني من السؤال ستوضح هذه المسألة أكثر.

والحقيقة أن كل رواية لها بدايتها، هذه الرواية تبدأ من سؤال، وتلك من فكرة، وثالثة من موقف، وأخرى من اقتباس قرأه الكاتب، وغيرها من لحظة حزن، وهناك ما بدأت من لحظة فرح. يوسف السباعي ماتت أمه فاعتكف في بيته ثلاثين يومًا ليخرج لنا بروايته (السقا مات). إيان فيلمنج، رجل مخابرات بريطاني، حين ترك عمله ووجد نفسه فارغًا، كتب روايات (جيمس بوند) مستوحيًا فكرته من عمله السابق. محمد قرط الجزمي سافر إلى تايلند فكتب (الشيطان يلهو)، وأراد يومًا أن ينتقم فكتب (في سبيل الموت)، وثار للقضية الفلسطينية فكتب (الدماء تعود إلى مجاريها)، وانتُقد يومًا في كتابته لأدب الرعب فكتب (خذها ولا تخف). إن الأرض لا تعرف مكنوناتها إلى أن ينفجر البركان فتُحدِّث أخبارها، وكذلك الكاتب.

الخيال العلمي حاضر في تجربتك الروائية؛ ما الذي وجدته في هذا النوع الأدبي ولم تجده في الرواية الواقعية؟

هناك مغالطة يقع فيها الكثيرون، حتى المثقفون منهم، وهي فصل الخيال العلمي عن الواقع... أنا قلتها في السابق وأكررها اليوم، أن الخيال العلمي، وربما الخيال بوجه عام، هو الواقع ذاته. وتكمن واقعيته في أنه يفسِّر الحياة، وأحيانًا يصنعها، لكنه في النهاية واقعٌ بطريقة أو بأخرى. الفرق أنه يسلط الضوء على الواقع من زاوية غير منظورة، وربما لم يتم التطرق إليها من قبل. ولأن مصدر هذا الضوء مجهول، ولأن الإنسان بطبيعته عدو ما يجهل، فهذا من أحد الأسباب التي تجعل القارئ في الوطن العربي يتردد كثيرًا في قراءة هذا النوع من الأدب، رغم أنه أدبٌ - كما قلنا - يصنع الواقع. جول فيرن حينما كتب روايته (20 ألف فرسخ تحت الماء)، وصف مركبة عجيبة تغوص تحت الماء، قام العلماء وتبنوا فكرة هذه المركبة، وصنعوها تمامًا كما وُصفت في الرواية، وهكذا صُنعت أول غواصة في العالم، إذن روايات الخيال العلمي تصنع الواقع. فكرة الروبوتات (أنا أسميها إنسالات) كانت في الأصل عملًا خياليًّا علميًّا عن الاستعباد، هو (روبوتات روسوم العالمية). والعلماء خرجوا من سلسلة أفلام (حرب النجوم) بالكثير من الاختراعات التي نعايشها اليوم في حياتنا، منها الهواتف المحمولة وجهاز VR ثلاثي الأبعاد.

إذن الخيال العلمي لا يخرج من الواقع، بل يصنعه، وأحيانًا يسلط عليه الضوء، كما في رواية (آلة الزمن) لإتش جي ويلز التي حكت عن المستقبل وحذَّرت من الرفاهية المطلقة، وطرحت تساؤلات قاتمة حول مصير البشرية.

روايتك الأولى "من دون مرآة" وقصة إسماعيل مع الاستنساخ البشري، كانت بوابة دخولك إلى عالم الخيال العلمي؛ كيف تنظر إليها اليوم بعد سنوات من التجربة؟

هي بوابة دخولي إلى عالم الأدب بمجمله، وهي نتاج رواية غير ناضجة كنت قد كتبتها في التسعينيات وأنا في المرحلة الإعدادية من عمري، تحمل فكرة رأيتها قوية، وما زلت أراها كذلك، فقمت بتطويرها وإعادة صياغتها بما يليق للنشر. الآن أنظر إليها أنها كانت المدرسة التي تعلمت منها الكثير، ومن بين ما تعلمته هو أن أرسم كل شخصية بما يناسبها من لون، وأنَّ الفكرة الواحدة الرائعة وحدها لا تكفي، والحبكة الواحدة القوية وحدها لا تصنع في الرواية قوتها، بل تحتاج الرواية إلى نظرة علوية، فتتحرك الأحداث حركة أميبية، تعتمد على أقدام كاذبة (يفهمها البيولوجيون) حتى تصل إلى نقطة النهاية التي يريدها الكاتب. تعلمت من هذه الرواية أن لا يكون تركيز الكاتب على ما يكتب فقط؛ الفكرة والحبكة، بل هناك قارئ من حقه أن يُنظر إليه، أن يستمتع وهو يقرأ، وليس فقط أو يصل إلى ما يرمي إليه الكاتب من أفكار... إذن (من دون مرآة) هي مدرستي الأولى، وكل رواية تلتها كانت كذلك، ولكن هذه الرواية هي مدرستي الأكبر.

«تحت ظل الظلال» رواية واسعة المعالم، واستغرقت كتابتها أكثر من عامين ونصف؛ ما الذي تطلبته منك هذه الرواية على مستوى البحث والخيال؟

هذه الرواية بالتحديد تختلف، وحينما أنهيتها رأيتها من أفضل أعمالي في ذلك الحين، وبالفعل تأهلت للفوز في جائزة بيت الغشَّام دار عرب الدولية للترجمة لعام 2026م، لكنها رغم ذلك لم تلقَ التسويق المناسب الذي يليق بها.

إن من قرأها سيلاحظ الجهد الكبير الذي بُذل في كتابتها، ليس فقط بسبب حجمها، ولكنها تضمنت الكثير من الشخصيات التي أثرت وتأثرت بأحداث الرواية. الحقيقة أن بركان الرواية (إذا استعدنا ما تحدثنا عنه في إجابة السؤال الأول من هذا الحوار)، هذا البركان هو مفاعل بوشهر النووي الإيراني، وكانت الفكرة الرئيسة التي انبثقت منها هذه الرواية أن أتحدث عن مخلوقات فضائية تزور كوكب الأرض في لحظة انفجار المفاعل ومدى تأثيره على دول الخليج العربي خاصة، مستندًا على كارثة تشرنوبل 1986م الشهيرة.

هكذا كانت الفكرة في البداية، ولكن بينما كان الكاتب يرتب الأحداث قبل البدء في الكتابة، انفجرت الكثير من البراكين في عقله، إلى درجة أن فكرة مفاعل بوشهر تضاءلت كثيرًا، وتشعبت الأفكار حتى ظهرت في الرواية الكثير من العوالم المختلفة، وتداخلت شخصيات فضائية مختلفة مع البشر، إلى درجة أن البشر أنفسهم كانوا مختلفين، وكأنهم مخلوقات فضائية بدورهم. فهي لم تكن رواية بقدر ما تحوَّلت إلى ملحمة فضائية كونية، إن صحَّ التعبير، لا تتحدث عن مكان ولا عن زمان محددين، بل تداخل كل شيء فيها بطريقة حتى الكاتب نفسه تعجَّب ممَّا أفضت إليه. ألم نقل سابقًا أن كتابة الرواية هي في الأصل عملية اكتشاف؟ هنا اكتشف الكاتب الكثير دون أن يبحث عن شيء من هذه الاكتشافات.

تُعد رواية «لا تؤجل الخوف» أحدث إصداراتك، وقد اخترت لها عنوانًا لافتًا ومشحونًا بالدلالة؛ ماذا أردت أن تقول للقارئ من خلال هذا العنوان، وكيف وظّفت قيمة الخوف في الرواية؟

من العنوان، إلى المقدمة، إلى فكرة القصص الثلاث التي في الرواية؛ الغايةُ من هذا الكتاب كانت التسويق للخوف، فالكاتب يؤمن بأهمية الخوف كعامل سيكولوجي إيجابي، وهذا واضح في عمله السابق (خذها ولا تخف)، وأكثر وضوحًا في عمله الأسبق (لنتسلَّ بالخوف قليلاً)، ويمكن القول إن العنوان اختصار لعبارة كُتبت في مقدمة الكتاب: "لا تؤجل خوف اليوم إلى الغد، خذ خوفين والثالث مجانًا"، ذلك أن الكتاب بحد ذاته يبيع الخوف، فالخوف "لم يعد مجانًا" كما سنلاحظ من أحداث الرواية.

كما أن هذه الرواية تكسر إلى حدٍّ ما الجدار الرابع، في أنها تُشرك القارئ مع شخصيات الرواية، بإثارة الكثير من التساؤلات فيما يتعلق بالخوف، هكذا يجد القارئ نفسه في خضم الأحداث، يتساءل ما تتساءله شخصيات الرواية، ويكاد يشارك في القرارات التي على الشخصيات أن يتخذوها.

باختصار: هذه الرواية ليس فيها أبطال، هناك شخصيات فقط، أما بطل الرواية فهو الخوف، وكذلك القارئ.

في المجموعة القصصية "هنالك عنوان في مكان ما". تناولت النفس البشرية في التمكين، والتيه، والفأل، والنور، وغيرها. ما الذي أردت أن ترمي إليه للقارئ؟

في نظري أنه لا يحق للكاتب أن يرمي شيئًا للقارئ، هو يصنع أبوابًا ويعطيه المفاتيح، ثم القارئ يختار أي الأبواب يدخل إن شاء الدخول.

هذا الكتاب أقرب إلى الفلسفة وعلم النفس، بعيدًا عن الخيال العلمي والرعب، يتضمن مجموعة قصصية ثيمتها "البحث"، فالإنسان بطبيعته في بحث مستمر؛ يبحث عن الأمل، الأمان، المال، الحب، التمكين، وغيرها، وهذه بعض موضوعات القصص، وفي النهاية هو يبحث عن نفسه... وأيضًا أنا لم أجد عنوانًا مناسبًا لهذا الكتاب، فتركت للقارئ مهمة البحث عن العنوان المناسب.

مسندم حاضرة في تجربتك وحياتك؛ كيف أثّر المكان بتضاريسه وعزلته وخصوصيته في تكوين خيالك الروائي؟

حين يعيش المرء صباه في بيئة بكر لم يمسسها البشر كثيرًا، مع تضاريس تجمع الجبال والبحر والمزارع في مكان واحد، ثم هذا الصبي يقضي جُلَّ وقته منعزلًا؛ يجالس البحر كل صباح لوحده، يتسلق قمم الجبال كلما سنحت له الفرصة لوحده، ويسقي مزرعة أبيه خارج حدود المساكن لوحده، يأنس للحيوانات ويعيش قصصًا خيالية بينه وبين نفسه مع مجاري المياه ومع الأشجار، يتحدث إليها ويتخيل أنها تتحدث إليه، فتى كهذا (يشبه إلى حدٍّ كبير شخصية بطل قصة "أن يهرب من هذا العالم" في كتاب "خذها ولا تخف")، فتى كهذا من الطبيعي أن يتناغم مع الحياة تناغمًا خياليًّا، يقضي وقته في التأمل كثيرًا.

نفس هذا الفتى ينشأ في بيئة بعيدة عن التطور التقني، ثم يعايش التقدم العلمي السريع منذ ثمانينيات القرن الماضي، ويدخل التسعينيات، ثم يتعمق في القفزات العلمية للألفية الجديدة، كل هذا وهو منبهر بالتكنولوجيا؛ يحب زيارة المحلات الإلكترونية، ويصاب بهوس التعرف على الأجهزة الحديثة والاكتشافات الغريبة، وهو إلى جانب كل ذلك فتى قارئ شغوف بالأدب، من الطبيعي أن يكتب، وحين يكتب من الطبيعي أن يدمج العلم بالخيال.

كتبت أيضًا للناشئة من خلال سلسلة «الروامح»؛ ماذا يمكن أن تمنح رواية الخيال العلمي للناشئ أكثر مما تمنحه الأنماط الأدبية الأخرى؟

ببساطة: تمنحهم الخيال والعلم... لطالما قلتُ إن الطفل يولد هشًّا ضعيفًا، لكن قوته تكمن في خياله الذي يكاد ألا يكون له حدود، فإذا كبر الطفل تضاءلت قوته الخيالية وعاش الواقع ليكتسب منه المعرفة والعلم. ماذا لو عزَّزنا هذا الخيال، من خلال قصص الأطفال، واحتفظنا على وتيرته القوية في عقل الطفل، ثم حين يكبر ندعم هذا الخيال بالعلم؟ عندها سنحصل على نشء عبقري في مجالات مختلفة... وسبق أن تحدثت عن قصص الأطفال في الوطن العربي، وأرى كثيرًا منها تُصنَّف أنها تربوية، هي في حقيقتها قصص علمية، لكنها بعيدة عن التربية وبعيدة عن الخيال، مجرد توجيهات فقط، لا تعطي الطفل جرعات خيالية، ولا تمنحه العلم على طبقٍ من متعة، حتى وإن كان الذي يحدثه عن دورة حياة النباتات مثلًا هو جندب أو نحلة متكلمة، فإنه في النهاية مجرد كلام تعليمي لا يلبث الطفل أن ينساه في خضم لعبه الأكثر إمتاعًا.

إذن الأفضل أن نعطيه هذا العلم مُطعَّمًا بالخيال الذي هو حديث عهد به، بهذا ينشأ النشأة التي تليق به وتنمي عقله وعلمه وإبداعاته، ما يُفضي إلى أن ينجح في مهنته مستقبلًا، ليس تنفيذيًّا فقط، بل يبتكر ويبدع.

في نهاية الحوار...هل تشعر أن القارئ العماني أصبح أكثر تقبلًا للرواية التي تبتعد عن الواقع المباشر وتذهب إلى عوالم متخيلة؟

هناك قلة من الكتَّاب العمانيين بدأوا مؤخرًا يدخلون غمار الكتابة في الخيال، بعيدًا عن الواقع المباشر، وهذا مؤشر جيد للمستقبل، لكننا في الوقت الراهن لم نصل إلى التقبُّل المُرضي من القارئ العماني/ العربي، حتى هذه اللحظة.

سيحتاج الأمر إلى جهود الكتَّاب بدرجة أولى، فهم اللبنة التي منها ستنطلق شرارة الإبداع. ثم بالدرجة الثانية نحتاج إلى جهود المؤسسات الثقافية في البلد، التي في مقدورها أن ترفع من قيمة هذا الأدب برفع قيمة الكاتب. وأنا أركز على جهود الكاتب أكثر من جهود المؤسسات؛ لأن المؤسسات لا تستطيع أن تمد يدها لترفع من قيمة الكاتب حين لا يكون هناك كاتب في الأصل، فإذا وُجد الكاتب عندئذٍ نُحيل المسؤولية إلى المؤسسات، غير أنَّ هذا لا يُلغي دَور المؤسسات في الوقت الراهن للتعريف بكُتَّاب الخيال العلمي والفانتازيا، وروَّادهما، والوطن العربي بعمومه يواجه هذه الإشكالية الأدبية، فدعونا في عُمان لا ننتظر أن ينهض العرب في المستقبل ثم نقلِّدهم في النهوض، بل الأجمل أن تبدأ المبادرة من هنا، ثم الآخرون يقلِّدوننا، وهذا الكلام موجَّه للجهات الثقافية المسؤولة بالدرجة الأولى، وليس للكاتب.