زليخة أبو ريشة: أنا شاعرة الحب.. ولا أكتب لقارئ متعجل أو كسول
في ديوانها الجديد "النوارس تريد أفكارًا واضحة" تلتقط الشاعرة الأردنية زليخة أبو ريشة الشعر من الذاكرة البعيدة، ومن الواقع، وحتى من الطير. تعيد إحياء أحبَّتها، وهم أدباء وأناس عاديون قدَّموا لها الحب، وأرشدوها إلى الطريق.
إنه الديوان الثالث عشر لها، فيه رائحة شِعرها القديمة، فهو يضم قصائد سابقة، تنشرها من جديد لأنها ترغب في حدوث تواصل بين دواوينها، كأن هذه القصائد هي خيط العُقد الذي يلضم تجربتها الممتدة. قاموس زليخة قوي ورصين. بعض الكلمات معجمية لا تناسب القارئ الذي يبحث عن كتابة سهلة، وهو ككل أعمالها يضيف لقارئه حصيلة لغوية، وصورًا شعرية مرسومة بألوان ثقيلة، ومعاني جديدة للحب. لِم لا وهي شاعرة الحب العربية.
أبدأ من الحب فهو يحضر بكثافة في الديوان. القصائد في غالبها تبحث عن الشوق والجوى والوجد.. لماذا حضرت النوارس في العنوان ولم يحضر الحب؟
جميع دواويني اشتغلت على الحب. بل إن الديوان السابق كان بعنوان "مثل إنه الحب" (2023، وزارة الثقافة الأردنية، عمان)، بحيث أن مفردات الأرض كلها قد قطفت الحب، ولم يبق غير طيرها. وأما النوارس فكانت جارتي السماوية في بيتي في 4 بايستوك تيراس في مدينة إكستر، تطل عليَّ مع زعيقها من سقفٍ زجاجي، وتتلو عليَّ الشعر. وما كان عليَّ سوى ترجمته من لغة الطير إلى لغة الشعر. الطبيعة ملأى لمن شاءت، وما علينا سوى أن نغرف.
في قصيدة "الست ملك"، تستعيدين بيتكم في البحصة البرَّانية بدمشق وتحلمين بحارةٍ كانت فيها "المتبرجة بالمنديل الأسود الشفاف على الوجه تخطو كربَّةٍ للمكان، والرجال جميعًا يمرحون معها بلا كُلفة".. لماذا يغلب على الحنين دائمًا فكرة نصرة الماضي على حياتنا الآنية؟
هذا منزع إنساني لا فكاك منه. حتى الذاكرة البشرية مستعدة أن تتخلص من أشيائها الحديثة مقابل الاحتفاظ بقديمها، هذا القديم الذي يعتّقه الزمن، ويضفي عليه لمسات ذهبية تخفي ندوبه التي كانت.
لماذا تنبني كثيرٌ من القصائد على فكرة المخاطب المذكَّر؟
ما هذا السؤال؟ لأني شاعرة الحب، ولأن الحب فيه امرأة وفيه رجل. ولأن المحبوب المعشوق المخاطَب مذكر مثل القمر والكمال والحب والوجد والنوى والولَه والضوء والكرم والجمال والصوت والنهى والضمير والسحَر والصفاء والأمل والألم والفراق. ولكن للتأنيث عندي قَدرٌ عظيم، أمجّده في سياق ٱخر.
في ظني فإن مقولة الدكتور رشيد العناني في مقدمته للديوان "ليس الوضوح من مزايا شعر زليخة أبو ريشة" لا تعبِّر بشكل جيد عن القصائد. يمكن لنا أن نقول مثلًا إنَّ ثمة معجمًا قويًا، به كلمات مهجورة، وأخرى تراثية، وإنَّ ثمة صورًا مجازية تحتاج إلى تأمل، وهو ما لا يناسب القارئ المتعجل أو الكسول.. أنتِ ما رأيك؟
الشعر ليس لقارئ متعجل أو كسول. الشعر لأهل الذائقة. وأهل الذائقة تفهم وتعرف كيف تدخل إلى الشعر ومن أي باب. وقديمًا قيل "من ذاق عرف"، فلا معرفة من دون ذوق. وعلى ذلك فإن لغة الشعر هي لغة الشعر لا لغة الإعلام المبطنة أكاذيبها أو لغة المسالخ المباشرة مثل سكاكينها. ثم إنني عندما أكتب لا أفكر بقارئة أكاديميَّة أو بقارئ نصف كم. فالقصيدة تأتي بإيقاعها ولغتها. واللغة تأتي من مخرنها الذي ملأته القراءات والتجارب وماكينة التفكير الخلاقة. فالدماغ اللغوي جهاز مذهل الإمكانات ينشِّطه التجريب واللعب اللغوي، وهو تمامًا ما أفعله عندما أكتب. لأن الفكرة غير المتخلِّقة تبحث عن خِلقتها في القاموس الخاص بي. وقاموسي الخاص هو شخصيتي في النثر وفي الشعر.
لماذا أعدتِ نشر قصائد قديمة في هذا الديوان ولماذا اخترتِها بالذات؟
هذه إحدى عاداتي في النشر، إذ حدثت في المرة الأولى بالخطأ، ثم وجدتُ أنها فكرة حلوة أن تتواصل الدواوين فيما بينها، وتأخذ من بعضها. أما لماذا "نص أبي"، فلأنه نص أبي المتصوف في ملكوته الغني، وضعته كآية للحفظ والصون. وأما "بعض صفات الكائن" فلأنها تجربة خاصة في الشكل الشعري الموزون، تفارق قصيدة النثر التي عليها سائر الديوان. ولأقول إن الشعر في هذا الإناء وفي ذاك.
تهدين قصيدة "أجمل من قارة للسعادة" إلى معلمتك أسماء الحمصي.. ماذا منحتك هذه السيدة؟
إنها معلمتي الدمشقية التي وضعت قدمي الطفلة على البحث اللغوي والأدبي، بعد أن نهلتُ اللغة والأدب من أسرتي. وكانت علاقتي بها إنسانية ونبيلة إلى أن رحلت. وهي بالنسبة لي أكبر من معلمة وأكثر من أم. وإلى ذلك فهي عالمة جليلة باللغة وبالتراث، ولها تآليف وتحقيقات في المجمع العلمي في دمشق. وقد بدأت حياتها العملية بالتعليم. وكانت متزوجة من الأديب السوري مواهب الكيالي الذي فرَّ من دمشق إلى موسكو أيام الوحدة مع مصر، فانقطع ما بينهما إلا الابنة سلام والابن مؤنس.
بعض القصائد تنهض على المفارقة مثل قصيدة "سوء تفاهم عارض". تقولين فيها: "كل ما مدحته فيك، تحقق، ولكن، في آخر، لم ألتقِ به". ماذا تتيحُه المفارقةُ للشعر؟
يقوم الشعر، من بين ما يقوم عليه، على المفارِق، فهو ليس إنشاءً ولا تقريرًا، إنه بين الحقيقة وظلِّها، بين الفكرة وضوئها، وما بين السطر والسطر، والحرف والحرف. بناء الشعر له قوانينه الخاصة.
تستعيدين عناية جابر في قصيدة "شمس محرقة" وبسَّام حجَّار وصخر فرزات ومحمود درويش والطيب صالح وأرداش في "مثل صباح أضاع حقيبته".. ماذا يعني لك هؤلاء؟
معظم هؤلاء أصدقائي؛ من أهل الشعر والفن والأدب وقد رحلوا. وتركوا في قلبي غُصَّة ولدت هذه القصيدة من إحساسي بالفجيعة والفقد. وهي لم تكن صداقة فقط. كانت امتلاءً بالوجود. ولأن وجودي قائم بالشعر والفن، فإن رحيلهم فرَّغ الوجود آنئذ من قوامه، وأحدث هذه الهوَّة التي حاولت ملأها بالشعر.
تُعرِّفين الشاعرة في قصيدة "تعريفات" بأن: "الشعر يتقافز حولها في الأشياء، هي تلملمه بأصابعها الناحلة، وتحشو به قلبها حتى اندلعت منه، الأنهار".. هل هذه رؤيتك لنفسك وللشعر؟
نعم. الشعر حولنا وفينا، وما علينا سوى أن نمد أيدينا ونغرف. هكذا أراه. مع أنه يمكنه أن يخاصمني كحبيب صعب المراس. وهذا لا يعني أني أغرف من بحر، ولا أني أحفر في صخر. فأنا لا أغصب نفسي على قولٍ شعري. فإن لم تسلم القصيدة نفسها تركتها.
بعض أسئلتك كشاعرة هي نفس أسئلتك كمناضلة، حيث الثورة على التقاليد البالية، وخدش المسلمات، حتى أنك تكتبين في قصيدة عن المؤذنين أصحاب الأصوات السيئة، وغيرها.. ما تعليقك؟ وكيف تخلقين الشعر من أفكار شديدة المقالية أحيانًا؟
لا أظن أن ثمة أفكارًا يعجز الشعر عن مناوشتها. حتى كلمة إسطرلاب أو معمل أو بكتيريا أو طاجكستان يمكن أن ترد في الشعر دون أن تخدش شعريته. الشاعر الفلسطيني الكبير زكريا محمد لم يترك مفردة من نبات الأرض وحيوانها لم يذكره في نصوصه، ومع ذلك لم يتحول شعر زكريا إلى درس في الحيوان أو النبات. السياق الشعري هو الذي يهضم الفكرة ويعيد إنتاجها شعرًا. المهم يا عزيزي أن تكون شاعرًا حتى يمكنك فعل ذلك.
وإلى ذلك، فلا خطابة في الشعر ولا مباشرة، ولكنها اللحظة التي تلمع فيها الصورة أو الفكرة. وهي من حيث المبدأ تبدو مجاورة للنثر وللمقالة، ولكنها في الحقيقة من طينة مغايرة فيها خفة وليونة تدركها نفسي الشاعرة، وتنتخبها من سياقها العادي.
قصيدتك أقرب إلى السوريالية.. شعرك يبدو امتدادًا لشعر آرثور رامبو وفيكتور هوجو وستيفان مالارميه مع روح صوفية عربية.. ما تعليقك؟
لا تعليق. لا أعرف. كنت قلت مرة إني ابنة عظيمين، مع أنني أحبو، وهما: الشعر الجاهلي والشعر الصوفي. أما السوريالية فربما كانت في مرحلة التجريب، وقد قطعتها. وأما شعر الرومانسية الفرنسية فلا شك أنه قابع في زاوية ما من زوايا العقل الشعري العربي، إن جاز التعبير. وأما شعر رامبو فقد انداحت روحه في الشعر الحديث، بحيث لو عدتَ إليه لظننتَ أن رامبو هو الذي يقتفي أثرنا لا نحن.
ماذا منحتك النشأة في بيت يمتلئ بالشعراء؟ وكيف صاغت شخصيَّتَك المدنُ المختلفة التي عشتِ بها؟
هذه البيئة منحتني الكثير مما أنا عليه. وأول كل شيء حب الشعر واعتباره الغذاء اليومي للروح. كما منحتني الأذن الموسيقية ونمَّت ذائقتي، والذائقة نصف الشخصية. كما فتَّحت قدراتي على اللغة ولغة الشعر. وفتحت أمامي باب الإيقاع وباب الخيال، كل ذلك في ثوب قشيب من التصوف، وعبر مدن شتى، بعضها مررتُ بها وعشت، وبعضها عاش فيها أهلي وكبار عائلتي. وهذا التجوال والترحال ساعد في بناء ضميري العربي الوحدوي، وهويتي الشآمية المنتمية إلى بلاد الشام أو سوريا الكبرى قبل تقسيمها السايسبيكوي.
ماذا منحتكِ قراءة سلامة موسى وطه حسين ومصطفى صادق الرافعي في بداياتك؟
الرافعي كان الأديب المفضَّل عند والدي، ولذا كانت جميع كتبه في بيتنا. وبالإضافة إلى بلاغته في وحي القلم، فإني تأثرت بكتابته العاطفية الساحرة في "رسائل الأحزان" و"السحاب الأحمر" و"أوراق الورد" وهي كتب من وحي حبه لمحبوبة جميع أدباء مصر والشام مي زيادة. أما طه حسين فبرغم قراءتي المبكرة له، إلا أن أسلوبه الخاص من الإعادة والتكرار لم يشدني، وتأثيره الفكري عليَّ أتى متأخرًا بعد مراحل معينة من حياتي. وأما سلامة موسى قد اغتنيت بأسئلته الجريئة الصادمة، والتي تصلح لكل زمان.
أخيرًا.. بمَ تحلمين للثقافة العربية؟
لا أحلم بغير النهوض، والخروج من جورة العفن الذي نحن فيها. النهوض والتقدم لأمتي ولثقافتها، بكل ما يعني ذلك من إخلاص.
