مشاركة عمانية وحضور كبير في "ريغوليتو" بدار الأوبرا السلطانية
عُمان: افتتحت دار الأوبرا السلطانية مسقط موسمها الخامس عشر بإعادة تقديم أوبرا "ريغوليتو" لجوزيبي فيردي في الإنتاج الأوبرالي الأخير للمخرج الإيطالي الراحل فرانكو زيفيريلي.
وتفاعل الجمهور بحماس مع العرض الذي امتد لنحو ثلاث ساعات وتم تقديمه باللغة الإيطالية مع ترجمة فورية إلى العربية والإنجليزية، وشارك فيه نخبة من المغنين والفنانين الدوليين إلى جانب كفاءات عمانية، في عمل مشترك بين دار الأوبرا السلطانية مسقط وأوبرا ومسرح الباليه الوطني في ليتوانيا.
وتتكون أوبرا "ريغوليتو" من ثلاثة فصول وضع موسيقاها فيردي على نص فرانشيسكو ماريا بيافي، المأخوذ عن مسرحية "الملك يلهو" للكاتب الفرنسي فيكتور هوغو. وجعل شخصية المهرج محورا دراميا قويا حولها من شخصية كانت جزءا من البلاط إلى حالة مأساة إنسانية تكشف الأحداث. وأعاد عالم البلاط الإيطالي في القرن السادس عشر بمظاهر الترف والاحتفال والسلطة مقابل المأساة الإنسانية.
وقدم الراحل زيفيريلي "ريغوليتو" ضمن عالم تتحرك فيه الشخصيات وفق نظام اجتماعي بين الترف ومظاهر احتفال، وأشخاص تحكمهم السلطة، ومهرج يشاركهم اللامبالاة عندما يسخر من ضحاياه، ولكنه يكشف وجهه الآخر حين يكون في بيته، حيث تتحول السخرية إلى خوف، والقسوة إلى أبوة، وأن أكثر ما يخشاه هو ما يمكن أن يصيبه في أقرب الناس إليه.
وإلى جانب البناء المسرحي يلعب الديكور دورا من خلال استحضار جو إيطاليا في القرن السادس عشر عبر تفاصيل القصور والحدائق والملابس وأسلوب الحياة. كما أن الانتقال من البلاط إلى منزل ريغوليتو ثم إلى الفضاء المظلم عكس جوا دراميا. ومع أزياء ماوريزيو ميلينوتي وإضاءة باولو ماتزون تشكل عمق بصري لسرد القصة تعكس رؤية زيفيريلي التي نفذها المخرج المساعد ستيفانو تريسبيدي ومصمم المناظر كارلو تشينتولافينيا كما أرادها المخرج الراحل.
ويجسد فرانكو فاسالو الازدواجية التي اعتادها المهرج في سخريته من الآخرين والأب الذي يرى في ابنته جيلدا الجزء الوحيد من حياته ويريد حمايته من العالم. وتحل عليه لعنة مونتروني التي تصيبه في بداية العمل الخيط الدرامي الذي يحول مصيره إلى نذير يرافقه حتى خسارته في نهاية العمل.
كما يظهر دوق مانتوا الذي يؤدي دوره التينور إينيا سكالا كرجل يعيش وفق منطق الامتلاك، وعندما يلتقي جيلدا، التي تؤدي دورها السوبرانو ماريا كوكاريفا، تنتقل القصة من أجواء البلاط إلى علاقة ودية، عندما تعتقد الفتاة أن الدوق طالب فقير كما أوهمها وتقع في حبه قبل أن تعرف حقيقته.
وتتحول جيلدا بعدها من فتاة كانت تعيش في عزلة عن العالم إلى شخصية تدخل فضاء الحب للمرة الأولى، ثم تواجه الحقيقة القاسية حول الرجل الذي أحبته، لتتغير طبيعة علاقتها بوالدها. ويجد الأب نفسه ممزقا بين محاولته إنقاذها وإدراكه أن العالم الذي حاول عزلها عنه قد وصل إليها.
ومع انهيار الشخصية خلف قناع المهرج في الفصل الثاني تروي له جيلدا ما حدث وتعلن أنها ما زالت تحب الرجل الذي تسبب في جرحها ليقرر ريغوليتو الانتقام.
ويركز فيردي على الموسيقى التي تتردد بعد هذا المشهد، وقد منح كل شخصية لونها الخاص، وبدل بين الألحان التي ترافق البلاط والمقاطع التي تكشف العلاقات الداخلية كفارق بين عالم السلطة وعالم الأسرة.
وشهد أداء أوركسترا مسرح ريجيو في تورينو بقيادة إيفيلينو بيدو قوة بدمج الموسيقى مع حركة الأحداث ودفع التوتر إلى الأمام، كما برز حضور فرقة الغناء الأوبرالي العمانية بمشاركة الأصوات في تشكيل المشاهد إلى جانب الفرق الدولية.
ويظهر في الفصل الثالث القاتل المأجور سبرافوتشيلي وشقيقته مادالينا اللذان أديا دورهما ريكاردو زانيلاتو ودينيس أوزون ليكشفا عن عالم تحكمه الصفقة والمال، وترى جيلدا الرجل الذي أحبته على عكس الصورة التي صنعتها له في خيالها. ولكنها تختار التضحية لتمنحه حياتها وتنقذ الرجل الذي خانها. ويحمل ريغوليتو في نهاية العرض مأساة رجل حاول أن يحمي ابنته من العالم فانتهى به الأمر إلى فقدانها، لتتجسد لعنة مونتروني عليه.
واستفتحت دار الأوبرا السلطانية الموسم الخامس عشر بهذا الإنتاج في إعادة لعمل ارتبط منذ ظهوره الأول في الدار باسم فرانكو زيفيريلي. فقد كلفت الدار المخرج الإيطالي بإخراج "توراندوت" لجياكومو بوتشيني لتكون إنتاجها الافتتاحي في عام 2011، والبداية باللحظة التي بدأت فيها الدار مسيرتها الفنية. وبعد سنوات، عاد إنتاج زيفيريلي إلى الدار من خلال "ريغوليتو"، الذي قدمته للمرة الأولى في مسقط عام 2022، ضمن احتفالات الدار بعامها العاشر، ليعود اليوم في موسمها الخامس عشر تكريما له، ليبقى اسم المخرج حاضرا في محطتين بارزتين من مسيرتها.
ويأتي العمل ضمن شراكة فنية تجمع دار الأوبرا السلطانية مسقط وأوبرا ومسرح الباليه الوطني في ليتوانيا، حيث شارك في الإنتاج أوركسترا مسرح ريجيو في تورينو، وكورال كاميراتا موزيكالي دي بارما، بقيادة المايسترو إيفيلينو بيدو، إلى جانب فرقة الغناء الأوبرالي العمانية وفرقة الرقص التاريخي "إيل ليونتشيلو". إلى جانب 30 فنانا عمانيا، بما يقارب 40 بالمائة من المشاركين في التمثيل، ومشاركة لفرقة الغناء الأوبرالي العمانية في المشاهد الجماعية.
