"إنجاز عُمان".. كيف حوّل الطلبة أفكارهم إلى شركات ومشروعات؟
خلف كل شركة طلابية وصلت إلى منصة التتويج في مسابقة "إنجاز عُمان" رحلة سبقتها مراحل من البحث والتجربة والاختبار، وقرارات داخلية أعادت تشكيل الفكرة أكثر من مرة، حتى تحولت إلى منتج أو خدمة قابلة للعرض والمنافسة أمام لجان التحكيم. ومن حلول نقل الهيدروجين الأخضر، إلى تحويل المخلفات الزراعية إلى مواد صناعية وماصة للرطوبة، والاستفادة من حرارة المركبات لإنتاج الطاقة، وصولًا إلى بناء منصة للتطوير المهني، رصدت "عُمان" تجارب الشركات الفائزة وما جرى داخل فرقها قبل وصول منتجاتها إلى لجان التحكيم.
من الفكرة إلى المنتج
اتجهت شركة "Hydrogenix" الطلابية من جامعة السلطان قابوس، الفائزة بجائزة أفضل شركة طلابية من فئة الجامعات إلى أحد التحديات المرتبطة بقطاع الهيدروجين الأخضر، من خلال تطوير خزانات "HXT" لنقل وتخزين الهيدروجين الأخضر في حالته السائلة مباشرة، بتصميم متعدد الطبقات يهدف إلى رفع كفاءة العزل الحراري، إلى جانب مكبس للمحافظة على توازن الضغط وحساسات لمراقبة عوامل السلامة أثناء التشغيل والنقل، فيما طوّر الفريق ثلاثة أحجام مختلفة من الخزان لتلبية احتياجات السوق.
ويضم فريق الشركة سعيد بن هلال البدري الرئيس التنفيذي، وإيثار بنت بدر المعولي الرئيس التنفيذي للعمليات، وريّان بنت نبهان المعولي في الموارد البشرية، وأنس بن إبراهيم السيابي مدير البحث والتطوير، ومصعب بن إبراهيم السيابي المدير التقني، ونوح بن سعيد العبري في المبيعات، وجويرية بنت سيف اليحمدي في التسويق، وأسماء بنت أحمد الرحبي في الإدارة المالية، وعبدالمهيمن بن خليل الغطريفي مسؤول الميزانية، ومريم بني عرابة مديرة وسائل التواصل الاجتماعي، والأزهر بن زهران العزري مدير العلاقات العامة.
وذكر أنس بن إبراهيم السيابي، مدير البحث والتطوير بالشركة، أن الفريق لم يتوقف عند طرح الفكرة، وإنما انتقل تدريجيًّا إلى بناء نموذج عمل وتنظيم واضح للشركة، إلى جانب العمل على التصميم الهندسي وتوزيع المهام بين الإدارة والبحث والتطوير والمالية والموارد البشرية والمبيعات والتسويق والإعلام.
وبيّن أن الشركة اتجهت إلى بناء شبكة من الشركاء والموردين للاستفادة من الخبرات والأنظمة المتخصصة، موضحًا أن محدودية الوقت والموارد دفعت الفريق إلى تبني مسار مرحلي يبدأ بالتحقق التقني وإجراء الاختبارات وتوثيق النتائج الهندسية، ثم الانتقال إلى الوحدات التجريبية والاعتمادات الدولية والاستعداد للتصنيع.
وتطرق إلى نموذج عمل "Hydrogenix"، موضحًا أنه يقوم على التعامل مع الشركات والمؤسسات، ويستهدف شركات إنتاج الهيدروجين الأخضر وشركات الطاقة والمشروعات الوطنية ذات الصلة، إلى جانب قطاعات النقل الصناعي والشحن التي تحتاج إلى حلول لنقل وتخزين الهيدروجين.
وأضاف: أن المرحلة التي تلي المسابقة تمثل انتقالًا من تطوير الفكرة إلى إثباتها عمليًّا، من خلال استكمال الاختبارات الهندسية وتطوير النماذج الأولية والحصول على الاعتمادات والشهادات اللازمة، والوصول إلى شراكات وتمويل يدعمان التصنيع قبل التوجه إلى السوق.
مادة لحماية المنتجات
ومن المخلفات الزراعية بدأت شركة "سُدارا" بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بشناص تطوير منتجها "سُدرة"، وهو مادة ماصة للرطوبة مصنوعة من مخلفات زراعية محلية، وصممت لحماية المنتجات أثناء عمليات النقل والتخزين، في مشروع يستهدف تحويل مواد مهدرة إلى منتجات ذات قيمة مضافة.
ويضم فريق الشركة الحاصل على جائزة أفضل منتج مبتكر من فئة الجامعات، معاذ بن مراد بن علي المعمري، وعمر بن محمد بن عبدالله الزعابي، وإبراهيم بن إسماعيل بن جمعة الشيدي، وآمنة بنت موسى بن عبدالله البلوشي، وأروى بنت محمد بن عبدالله الزعابي.
وقال معاذ بن مراد المعمري: إن نقطة البداية لدى الفريق جاءت من النظر إلى المادة التقليدية المستخدمة لامتصاص الرطوبة أثناء التخزين والنقل، والبحث عن بديل يمكن تصنيعه من المخلفات الزراعية، ليقود ذلك إلى تطوير "سُدرة".
وأضاف: أن اعتماد الشركة على مواد زراعية مهدرة أتاح لها العمل على خفض التكلفة وتقديم قيمة مضافة من إعادة استخدام هذه المواد، مشيرًا إلى أن الشركة تتجه إلى التعامل مع شركات الأغذية والأدوية والتعبئة والتغليف والنقل والتخزين.
ولفت إلى أن الفريق تمكن من إنتاج عينات أولية واختبارها والوقوف على جودة المنتج وأدائه، مستفيدًا من دعم فني ولوجستي ومالي وفحوص فنية ومخبرية، فيما لم يدخل المنتج السوق حتى الآن لارتباط ذلك باستكمال الإجراءات والوصول إلى معايير الجودة المطلوبة.
ونوه بأن الفريق توصل خلال تطوير المنتج إلى إمكانية إعادة استخدامه أكثر من مرة، وأنه في نهاية عمره يمكن أن يتحلل في التربة كمادة عضوية.
مادة نانوية تبدأ من مخلفات محلية
وفي شركة "مدار" الحاصلة على جائزة أفضل منتج مستدام من فئة الجامعات، اتجه العمل إلى تطوير "NanoWeave"، وهي مادة نانوية تعتمد على ألياف نباتية مستخلصة من المخلفات الزراعية المحلية مع الاستفادة من مخلفات الرخام، بهدف إيجاد مادة يمكن دمجها في خطوط الإنتاج الحالية دون الحاجة إلى تغييرات كبيرة في عمليات التصنيع.
وأوضحت ردينى آل علي أن المنتج صُمم لمعالجة جانبين في الوقت نفسه؛ تقليل الاعتماد على المواد التقليدية ذات الأثر البيئي المرتفع، وتحويل المخلفات المحلية إلى مادة ذات قيمة صناعية يمكن توظيفها في قطاعات مثل البلاستيك والمواد المركبة والورق والتغليف.
وبيّنت أن الفريق لم يتعامل مع الاستدامة على أنها فكرة فقط، وإنما عمل على التحقق من أداء المادة عبر الاختبارات المخبرية ومقارنتها بالمواد الصناعية المستخدمة حاليًّا، بما يشمل الخصائص الميكانيكية والحرارية وغيرها من الخصائص المرتبطة بالاستخدام المستهدف.
وأضافت أن من أبرز القرارات التي اتخذها الفريق الاعتماد على مواد خام محلية ومتاحة وإعادة استخدام مخلفات كان يمكن أن تُهدر، إلى جانب تصميم المنتج بصورة تسمح بدمجه في خطوط الإنتاج القائمة، مع تحقيق توازن بين الأداء والاستدامة والتكلفة.
ولفتت إلى أن التجربة فتحت أمام الشركة إمكانية النظر إلى المخلفات المحلية كمورد يمكن تحويله إلى قيمة اقتصادية وصناعية، مع تطلعها إلى تطوير المنتج ليصل مستقبلًا إلى أسواق أوسع.
سؤال عن حرارة السيارة أصبح منتجًا
أما فريق "Heat Harvest" من المدرسة الفنلندية العُمانية، الفائز بجائزة أفضل منتج مستدام من فئة المدارس، فبدأت فكرته من البحث عن طريقة للاستفادة من حرارة السيارة بدل بقائها طاقة مهدرة، ليتحول السؤال تدريجيًّا إلى جهاز يُركّب داخل المركبة ويمتص جزءًا من حرارتها ويحولها إلى طاقة كهربائية يمكن الاستفادة منها.
ويضم الفريق ضي بنت راشد الطوقي، ودرة بنت أحمد الحمداني، وهبة بنت سيف النعماني، وغنى بنت بدر الشقصي، ورهف بنت محمود الهنائي، وأسمهان بنت عصام البلوشي، بإشراف عبير محمد أحمد مهيدات وإسراء بنت سالم بن سعيد الوهيبي.
وانتقلت الفكرة، بدعم ومتابعة الفريق الإشرافي، من مرحلة البحث إلى تطوير نموذج أولي ثم نموذج نهائي، فيما أتاح وجود المدرسة في حرم الجامعة الألمانية للتكنولوجيا للطلبة الاستفادة من مرافق الجامعة، ومنها المشاغل الهندسية، خلال مراحل تطوير المنتج.
ويضم الجهاز مستشعر حركة ينبه إلى وجود طفل داخل السيارة، إلى جانب مزايا تختلف وفق الباقة المختارة، وترتبط خصائصه بتطبيق يمكّن المستخدم من متابعته، فيما تعتمد الفكرة على تحويل جزء من حرارة السيارة إلى طاقة كهربائية.
وخلال رحلة التطوير، أجرى الطلبة البحوث وناقشوا الفكرة مع مهندسين وأساتذة وأصحاب خبرة، قبل تطوير النموذجين الأولي والنهائي وتجربة تشغيل الجهاز في المشغل للتحقق من آلية عمله.
وكشفت هذه المرحلة للفريق أهمية الانتقال لاحقًا إلى اختبار الجهاز داخل السيارة وفي درجات حرارة مختلفة وقياس أدائه بدقة قبل استخدامه على نطاق أوسع.
وفي شركة "شومة" الحاصلة على جائزة أفضل شركة طلابية في فئة المدارس، لم يكن بناء الفريق منفصلًا عن المنتج والمنافسة؛ إذ أوضح سعيد بن أحمد الحبسي أن توزيع المسؤوليات بين أعضاء الشركة لم يتم بصورة عشوائية، وإنما سبقته مقابلات واختبارات للطلبة للتعرف على مهارات كل عضو وقدراته، ثم إسناد المهمة المناسبة إليه.
ويضم فريق الشركة حمد بن سعيد الحبسي، ومحسن بن علي البرواني، وأحمد بن نصر الحسني، وزكريا بن يوسف الوهيبي، والبراء بن بدر العامري، ومؤيد بن يحيى العيسري، وهيثم بن ناصر المعولي، فيما يشرف على الشركة سعيد بن أحمد بن سلطان الحبسي.
وبيّن أن من يمتلك مهارة التحدث والتواصل تولى مهمة المتحدث الرسمي للشركة، فيما أُسند الجانب المالي لمن يمتلك المهارات المناسبة فيه، وتولى قيادة الفريق من أظهر قدرة قيادية، وهو ما جعل تقسيم المسؤوليات قائمًا على ما يستطيع كل عضو تقديمه للشركة.
وتطرق إلى اختيار اسم الشركة، موضحًا أنه كان من أكبر القرارات التي اختلف حولها الأعضاء؛ إذ كانوا يبحثون عن اسم غير تقليدي يحمل في الوقت نفسه طابعًا عُمانيًّا، ليستقر الاختيار في النهاية على "شومة"، وهي من الكلمات العُمانية التقليدية المرتبطة بالسفر والترحال.
ونبّه إلى أن إقناع لجان التحكيم في مراحل التصفية كان من أصعب المهام التي واجهها الفريق، موضحًا أن تعاون أعضاء الشركة وتوزيع المسؤوليات بينهم وفق قدراتهم ساعدهم على تجاوز مراحل المنافسة.
القصة تسبق المنتج
ومن زاوية مختلفة، كشفت تجربة شركة "تمهّن" في إنتاج إعلانها المرئي أن تطوير الشركة لا يرتبط بالمنتج أو الخدمة وحدهما؛ إذ يمتد إلى الطريقة التي تُقدَّم بها الفكرة إلى الجمهور.
وتعمل الشركة، الحاصلة على جائزة أفضل إعلان مرئي لفئة الجامعات، على تطوير منصة رقمية تجمع فرص التطوير المهني، مثل الحلقات والتطوع والمسابقات، وتوثق مشاركات الشباب وإنجازاتهم في ملفات مهنية متنامية، وتهدف إلى ربط تطوير المهارات باحتياجات سوق العمل، ومساعدة جهات العمل على الوصول إلى المواهب المناسبة.
وقال علي بن خليل الزدجالي، مدير العمليات بالشركة: إن "تمهّن" خاطبت في الإعلان الشباب، وبالأخص طلبة الجامعات والخريجين المقبلين على سوق العمل، وحرص الفريق على جذب المشاهد منذ اللحظات الأولى والحفاظ على ارتباطه بالقصة من خلال مشاعر ومواقف قريبة منه.
وأضاف: الفريق أراد تسليط الضوء على صعوبة الانتقال من الدراسة إلى سوق العمل، وما يعيشه الشاب عندما يتقدم للوظائف ويواجه الرفض رغم طموحه واستعداده لبذل الجهد، ومن خلال هذه القصة قدم رسالة «تمهّن» بأن بناء الجاهزية المهنية يبدأ بالتجربة والمشاركة واكتساب المهارات.
وأوضح أن الفريق انطلق في اختيار المشاهد من مواقف واقعية يمكن أن يمر بها أي طالب أو خريج، مثل الترقب قبل مقابلة العمل، وصعوبة التعبير عن القدرات، وخيبة الرفض، ثم استعادة الثقة من خلال تطوير الذات.
ونوه بأن الفريق حرص على أن تكون الكلمات قصيرة وواضحة، مع التركيز على المعاني الأساسية لـ"تمهّن"، وهي الفرص والمهارات والإنجاز والجاهزية، والجمع بين القصة الإنسانية وعرض الموقع.
وذكر أن الفريق كان سعيدًا بالنسخة الأولى من الناحية السينمائية والعاطفية، لكنه لاحظ عند مراجعتها أن حضور القصة كان أقوى من حضور المنتج، لذلك منح الموقع مساحة أكبر في النسخة النهائية وأبرز واجهاته وأقسامه والخدمات التي يقدمها بصورة أوضح.
واختتم بالإشارة إلى أن أهم ما تعلمه الفريق أثناء الإنتاج هو أن التأثير العاطفي يصبح أقوى عندما يقود إلى فهم واضح للمنتج، موضحًا أن الإعلان أُنجز بجهود الفريق دون الاستعانة بشركة إنتاج خارجية.
