No Image
ثقافة

في معرض "ما يُشبه الورد" لمحمد صالح خليل والسؤال الوجوديّ فلسطينيّا وعالميّا

01 أكتوبر 2026
01 أكتوبر 2026
في معرض "ما يُشبه الورد" لمحمد صالح خليل والسؤال الوجوديّ فلسطينيّا وعالميّا

صدم الفنان زائري معرضه ليس فقط على مستوى الشكل بل والمضمون كذلك؛ فلم يكن سهلا ونحن نغادر جاليري "باب الدير" في رام الله التخلّص من الصدمة التي يبدو سترافقنا طويلا، معمّقة ما نعيشه من صدمات متتالية ومتوالية؛ ففي "ما يشبه الورد" جملة مشاعر شخصيّة ووطنيّة وإنسانيّة، وجملة أفكار تتعلّق لا بوجودنا نحن على أرضنا المحتلّة وحسب، بل وبالوجود الإنسانيّ في هذا العالم.

كنّا فتيانا حين بدأنا بتعلّم البلاغة العربيّة، وبخاصة "البيان"، وعندما درسنا البلاغة من جوانبها كافة وبخاصة في الجامعة، حيث نصحني أساتذتي بالتخصص في البلاغة، لكنّ حبي للأدب فاق حبّ علوم اللغة. لقد درسنا "التشبيه" صغارا وكبارا، وما انتهيت منه، فقد قام على المشبّه، والمشبّه به، ووجه الشبه. وأداة التشبيه، وهو أنواع.

أعادني عنوان معرض الفنان التشكيلي الفلسطيني الكبير محمد صالح خليل، إلى بدايات تعلمّ علوم اللغة، وكما هو معروف، فإنه إذا كان الأدب (والفن) من الحياة، فإن اللغة وعلومها من الحياة والبشر؛ فكلّ ولغته وبلاغته.

الورود والأزهار، منتشرة هنا، و"المزهرية" هي المزهريّة، هي نفسها، من لوحة إلى أخرى. ورود وأزهار كثيرة، و"مزهريات" كثيرة هنا تحتويها. سرت باتجاهها، تفحصتها، تأملت الأشكال، وأنواع المزهريّة، التي لها أسماء مثل: "الفازة" و"الأصيص" و"القوّار" و"المحبس"، وأيّ وعاء للورود.

ثم تأملت أرضيات المزهريات، وخلفياتها، بل طبيعة تشكيل المزهريات، ثم بدأت ألاحظ الألوان، وبخاصة الأزرق السماويّ الذي كان ناظما لعدد كبير من اللوحات.

بحثت عن أقدم المزهريات والأواني الفخارية المعروفة، فعرفت أنها تعود إلى حضارات الفراعنة وبلاد الرافدين والإغريق، مثل: الفخار اليوناني العتيق الذي يعود للقرن السابع قبل الميلاد وما قبله، حيث كانت تُستخدم لأغراض التخزين والطقوس وتزيينها برسومات فنية مبكّرة.

ثم رحت أتذكّر كتاب محمد قطب وغيره عن أشهر الرسامين واللوحات، وبخاصة لوحات مزهريات الورد، فعرفت أنها تاريخياً، لم تظهر " كطبيعة صامتة مستقلة، بشكلها الصريح إلا مع نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، أما قبل ذلك، فكانت الورود تُرسم فقط كرموز دينيّة في لوحات العصور الوسطى وعصر النهضة.

ولا ريب أن الفنان محمد صالح خليل، كفنان وأكاديميّ يعرف ذلك بشكل تفصيليّ أكثر، حيث إن تاريخ الفن العالميّ يزخر بلوحات كبار الفنانين عن مزهريات الورود والزهور.

لذلك عدت ثانية لأتأمل وروده وأزهاره، لا "المزهريات"، والتي اختار كأسا في إحداها لتكون "مزهرية"، وهنا عدت إلى عنوان المعرض: "ما يشبه الورد"!

إذن قصد الفنان ما "عنون" معرضه به، ففي تأملي للورود هنا، لكي أحظى بورود أعرفها، كنت دوما لا أجد ورودا أعرفها لا من بيئتنا الفلسطينية ولا من البيئات العالمية، على قدر علمي.

-ما هذا؟

-...........!

لا ورودا هنا نعرفها، إنها فقط تشبه الورود، فهل صارت الورود التي رسمها تشبه الورد؟ هل صارت فقط مشبّها به؟ ما هذه اللعبة؟ أين الورود إذن؟ اختفت؟

اختفت الورود في فلسطين، كما اختفت الحياة الحقيقيّة، وصارت ظلّ حياة، أو ما يشبه الحياة؛ فحين نشاهد الحياة في قطاع غزة الحبيب، فإننا فعلا لا نشاهد الحياة كما كانت أو كما ينبغي أن تكون، إنها تشبه الحياة: البيوت والشوارع والبشر.

هي صدمة كبرى تصفعنا جميعا العدو والصديق، فما بالك الشقيق؛ فقد اختفت الحياة العادية اليوميّة.

في معرض "ما يشبه الورد" للفنان خليل، نلمح أسلوبا غريبا، فهو من جهة يرسم الورود محاكاة ناقصة من جهة، حيث يغيّر في الشكل واللون من جهة، ويستخدم أسلوب الأطفال في الرسم من جهة أخرى، حيث لا نرى الرسم يأخذ الطابع العاديّ الجماليّ والطبيعيّ كما ينبغي لرسم الورود أن يكون، بل يأخذ منحى المقاربة الطفولية غير الدقيقة في المحاكاة والتشريح، ما ينسجم مع جوهر فكرة الفنان في الرسم الشبيه بالأصل لا الأصل نفسه.

ولعل اللوحة التي رسم الورود فيها متماهية مع "المزهرية"، محاكاة لشكل المرأة، كرمز للطبيعة أو الأرض-الوطن، كانت استخلاصا من الفنان لتضعنا في حالتنا الراهنة.

من ناحية أخرى وجدناه قرب هذه اللوحة يرسم "مزهريتين" متقاربتين، في دلالة على التضامن بينهما؛ فإذا ظهرت الأولى المتماهية مع المرأة في رمزية الوطن، كأنها تحمل هذه الورود، كرسالة كي يتأمل العالم ما تعيشه فلسطين، فقد ظهرت الثانية كحالة تضامن ذاتيّ بين الورود نفسها، برمزية الشعب الفلسطينيّ الذي غيّبت الحرب كثيرا من ملامحه.

في "معرض ما يشبه الورد" دعوة لتأمل ما يشبه الحياة هنا، وفي بلاد أخرى، بل في العالم بأسره في ظل تراجع القيم الإنسانية، وفي ظل دبلوماسية العالم الذي لا يذكر ما يحدث في فلسطين بشكل صريح.

يعيدني محمد صالح خليل إلى "التشبيه وأركانه وأنواعه، فقد بدأ التأسيس الحقيقي العلمي لعلم البيان في القرن الخامس الهجري على يد الإمام عبد القاهر الجرجاني (متوفى سنة 471 هـ) في كتابيه الشهيرين "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز"، حيث وضَع القواعد الكبرى للتشبيه والاستعارة والمجاز والكناية، ثم استقر العلم واستقل بشكل نهائي بمصطلحاته المعروفة في القرن السابع الهجري على يد أبي يعقوب السكاكي في كتابه "مفتاح العلوم"، هذا على مستوى البيان البلاغي كلاما نطقا وكتابة، ليأتي فنّان فلسطينيّ للحديث عن بلاغة أخرى، هي بلاغة المضمونين الوجوديّ والوطنيّ، ليصدم العالم بما يحدث في فلسطين، حيث تختفي الحياة، فلا يبقى منها إلا ملامح من حياة، وبالرغم من ذلك، فإن الفلسطينيين ظلوا يشبهون الورد، وتلك هي البطولة والعبقريّة معا.

وأخيرا، ومن خلال الحياة الفلسطينيّة، والفن الفلسطينيّ، فإننا والعالم إزاء حقيقة كبرى صادمة حول مصير العالم لا مصير الشعب الفلسطينيّ الذي تعرّض وما زال للإبادة، حيث يصبح العالم ويمسي أمام حقيقته الوجوديّة، فهو في تحدّ لوجوده نفسه، الذي يصعّب تحقّقه فعليا بدون وجود العدالة والحقّ والخير والجمال.

"في "ما يشبه الورد" دعوة لنا جميعا إلى العودة إلى الأصول، إلى الورد نفسه، كما اقتضت الحياة والطبيعة، وكما خلق الله الجمال الذي يسطو عليه الاحتلال كلّ حين.