قراءة فلسفية في تصريحات سياسية
29 سبتمبر 2026
29 سبتمبر 2026
ما يُسمى باللغة الدبلوماسية هي اللغة المتداولة غالبا على لسان الساسة في الحوار والتصريحات في كل مكان؛ وهي لغة لها بروتوكولات خاصة، وهي بوجه عام تكون عادة لغة رقيقة مهذَّبة تسمح بمساحات للتفاهم والحوار.
وإذا كانت هذه اللغة متداولة بين الساسة في كل مكان، فإنها ليست متداولة على ذلك النحو في كل زمان؛ فهي في زمن الحرب تختلف عنها في زمن السِلم: ففي زمن الحرب تكون اللغة -أو ينبغي لها أن تكون- لغة حازمة تقول أو ترسل رسائل محددة المعنى، ومن ثم تقول شيئا ما ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد، أو تنبئ باتخاذ قرارات حاسمة.
ولذلك، فلا ينبغي لتصريحات الساسة في زمن الحرب والأزمات أن تستخدم عبارات من قبيل: «ولقد تناولت المباحثات تعزيز سُبل التعاون والأمور ذات الاهتمام المشترك»! لأن مثل هذه العبارات لا تقول لنا شيئا محددا عن أي شيء.
غير أن لغة التصريحات السياسية المتداولة في أيامنا هذه، تتجاوز أي تصور فلسفي أو منطقي لحدود اللغة التي يمكن فهمها وتعقلها فلسفيّا أو حتى تحليلها منطقيّا.
ولا شك في أن المثال البارز هنا هو تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب التي تقول كل يوم الشيء ونقيضه، حتى في سياق العبارة الواحدة نفسها؛ ومن ذلك -على سبيل المثال- قوله مؤخرا: «سأتخذ قريبا قرارا إما بإبادة إيران أو عقد اتفاق معها»! ومن ثم، فإننا لا ينبغي أن نعتد بالبحث عن معنى لمثل هذه العبارة وأشباهها من أقوال ترامب؛ ببساطة لأنها عبارة بلا معنى أو مضمون يمكن توصيله للآخرين: ذلك أن المراد منها يظل مرتبطا بإرادة القائل وحده وبمقاصده التي يريد التلويح بها أو إضمارها، أي يظل مرتبطا بشخصية ترامب نفسها.
وفضلا عن ذلك، فإن العبارة تكشف عن حالة من التخليط الذهني الذي يجمع في نفس السياق بين الضدين في نوع من التطرف، ولا يعرف أن هناك دائما ألوانا من الطيف الطبيعي التي يمكن أن نتخير واحدا منها في اتخاذنا لمواقفنا، إن لم نتخير أحد الضدين.
وهكذا فإننا ينبغي أن نتعامل باستهانة مع كلام الأشخاص الذين لا يعنون ما يقولون، ويقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يقولون. ومع ذلك، فإن مثل هذه العبارات التي بلا معنى تتناولها الصحف بالتحليل، وتنعقد من أجلها حلقات النقاش عبر التلفاز في كل مكان؛ وذلك بقصد محاولة فهم ما يقصده ترامب؛ وهذا بالضبط ما يريده ترامب نفسه بحكم طبيعة شخصيته.
ولنحاول أن نحلل أمثلة بارزة أخرى على التصريحات التي لا تنطوي على أية معقولية. لقد صرح ترامب في الآونة الأخيرة من حربه على إيران بأقوال تنطوي على تهديد ووعيد؛ إذ توعَّد بتوجيه ضربة مدمرة لإيران لم يشهد مثلها العالم منذ الحرب العالم الثانية، وهو قد زعم من قبل بأن هذه الضربة سوف تبيد الحضارة الفارسية التي امتدت لآلاف السنين! وهذا كلام لا يمكن تصور أية مشروعية له، لا من حيث المعقولية، ولا حتى من الناحية الأخلاقية.
فمن الناحية الأخلاقية، يتبدى لنا عدم مشروعية هذا الكلام في التصريح بموقف عنصري عدواني ضد مفهوم الحضارة؛ لأن شن الحرب والعدوان لا يكون على الحضارات، وإنما على الدول وأنظمتها الحاكمة.
ومن حيث المعقولية، يتبدى لنا لا معقولية هذا التصريح في كونه ينطوي على مفهوم أجوف أو معنى لا يمكن تصوره؛ إذ إن الحضارات لا يمكن إبادتها، تماما مثل التاريخ نفسه! وحينما عدل ترامب عن تهديده هذا (كما هو شأنه دائما)، أزعج هذا الأمر قادة الكيان الصهيوني المتطرف، وراحوا يصدرون تصريحات بالتهديد والوعيد لإيران، وصرح زعيمهم بالقول: «إننا لن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي»! ومثل هذه العبارة من الناحية المنطقية لا تقول لنا شيئا إخباريّا، فهي لا تعبر سوى عن رغبات وتهديد ووعيد.
ولو ناقشنا هذه العبارة وفقا للتفكير النقدي، فإنها سوف تستدعي تساؤلات نقدية عديدة؛ إذ يمكن أن نتساءل على سبيل المثال قائلين: ولماذا لا تسمح لإيران (أو لأي دولة مجاورة بطبيعة الحال) في امتلاك سلاح نووي، بينما تسمح لنفسك بأن تكون الوحيد الذي له حق امتلاكه؟! ولكن الهدف الحقيقي من وراء هذا التهديد والوعيد معروف للكافة، وهو إجهاض أية قوة يمكن أن تنشأ في منطقة الشرق الأوسط.
غير أن لغة زعيم الكيان الصهيوني قد أصبحت تتجاوز كثيرا لغة التهديد والوعيد إلى لغة عنصرية تقوم على احتقار كل الآخرين من المعترضين على سياسة الكيان في إبادة الشعب الفلسطيني.
ولذلك فإنه عندما غادر الكثير من وفود الدول قاعة الأمم المتحدة بمجرد صعوده على المنصة لإلقاء كلمته، قال بلغة الاحتقار والسباب: «إذا كان هناك المزيد من الجبناء الآخرين يريدون مغادرة القاعة، فليغادروا الآن»!
يُستفاد من هذا أن تصريحات ساسة المعسكر الصهيوني الأمريكي تستخدم لغة عنصرية تعبر عن الاستعلاء، والاحتقار، والتهديد والوعيد. والسؤال الان: هل يمكن أن تصبح هذه اللغة عدوى عامة، بحيث يمتد تأثيرها إلى لغة الساسة في كل مكان؟
