الصحفيون في فلسطين.. ثلاثون عاما من التضامن والحماية غائبة
29 سبتمبر 2026
29 سبتمبر 2026
حلّت السبت الفائت الذكرى الثلاثون لليوم العالمي للتضامن مع الصحفي الفلسطيني، الذي أقره الاتحاد الدولي للصحفيين في السادس والعشرين من سبتمبر من عام 1996، في أعقاب أحداث «هَبّة النفق»، أو «انتفاضة النفق»، التي شهدتها الأراضي الفلسطينية في ذلك الوقت.
وعلى مدى ثلاثة عقود، أصبح هذا اليوم مناسبة سنوية تُذكِّر العالم بما يتعرض له الصحفيون الفلسطينيون من أخطار وانتهاكات أثناء أداء عملهم، وتحشد الدعم الدولي لحمايتهم وضمان حقهم في الوصول إلى مواقع الأحداث ونقل ما يجري في الأراضي المحتلة إلى العالم.
تعود قصة هذا اليوم إلى الرابع والعشرين من سبتمبر، عندما فتحت سلطات الاحتلال الإسرائيلية مدخلا جديدا لنفق أثري في القدس الشرقية بمحاذاة الجدار الغربي للحرم الشريف، وهو ما أدّى إلى اندلاع احتجاجات فلسطينية واسعة امتدت سريعا من القدس إلى مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، وتحولت إلى مواجهات دامية بين قوات الاحتلال المدججة بالسلاح والمدنيين الفلسطينيين العزل الذين سقط منهم عشرات القتلى ومئات الجرحى. وكانت تلك المواجهات من أعنف ما شهدته الأراضي الفلسطينية منذ توقيع اتفاق أوسلو قبل ذلك بثلاثة أعوام.
كان الصحفيون الذين نزلوا إلى الميدان لتغطية هَبّة النفق في قلب الخطر. وقد وثقت لجنة حماية الصحفيين إصابة 13 صحفيا بجروح خطيرة بينهم عشرة صحفيين فلسطينيين أصيبوا بنيران إسرائيلية. وطالت الإصابات مراسلين ومصورين وسائقي طواقم صحفية يعملون لمؤسسات إعلامية فلسطينية ودولية.
وواجه الصحفيون الفلسطينيون قيودا على الحركة والوصول إلى مواقع الأحداث، ومنعت قوات الاحتلال صحفيين فلسطينيين معتمدين يعملون في وسائل إعلام محلية وأجنبية من دخول الأراضي المحتلة والوصول إلى القدس الشرقية.
ومنذ ذلك الحين أصبح السادس والعشرون من سبتمبر مناسبة تتجدد فيها دعوات المنظمات والاتحادات الصحفية إلى حماية الصحفيين الفلسطينيين، وفي مقدمتها الاتحاد الدولي للصحفيين ومنظمة مراسلون بلا حدود.
بعد ثلاثين عاما من التضامن الدولي زادت أوضاع الصحفيين الفلسطينيين سوءا، مع تحول استهدافهم المباشر وقتلهم واعتقالهم ومنع من ينجو منهم من أداء عمله إلى نهج متكرر لدى جيش الاحتلال. هنا تبرز مفارقة أخرى بين اتساع دائرة التضامن الدولي خلال ثلاثة عقود، وغياب الحماية الفعلية للصحفي الفلسطيني.
وتكشف الأرقام حجم التحول الذي طرأ على تعامل سلطات الاحتلال الإسرائيلي مع الصحفي الفلسطيني. وحسب لجنة الحريات في نقابة الصحفيين الفلسطينيين، فقد قتل الجيش، الذي وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الخميس الفائت بأنه «الجيش الأكثر أخلاقية في العالم»، 262 صحفيا وعاملا في الإعلام منذ السابع من أكتوبر 2023، بينهم 261 في قطاع غزة وواحد في الضفة الغربية، وقُتل ستة صحفيين خلال العام الجاري وحده رغم وقف إطلاق النار في القطاع الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، مع استمرار الغارات والقصف والعمليات الإسرائيلية وسقوط ضحايا فلسطينيين.
ووثقت النقابة منذ بداية هذا العام نحو 300 اعتداء وانتهاك بحق الصحفيين الفلسطينيين، شملت، إلى جانب حالات القتل العمد، عشر إصابات مباشرة، و22 حالة اعتقال، و120 حالة احتجاز أو منع من التغطية.
تعكس هذه الأرقام حجم المخاطر التي تحيط بالعمل الصحفي في فلسطين، وتعيد إلى الأذهان ما حدث عام 1996 من استهداف للصحفيين والمنع من التغطية. الفارق الجوهري أن قتل الصحفيين أصبح بعد «طوفان الأقصى» مكونا رئيسيا في عقيدة جيش الاحتلال وممارسة شبه يومية ومعتادة من دون مساءلة أحد عنها.
ولذلك فإن ما بدأ قبل ثلاثين عاما مناسبة للتضامن الدولي مع صحفيين يتعرضون للإصابة وتقييد الحركة، يعود اليوم في سياق أصبح فيه قتل صحفي فلسطيني حدثا عابرا لا يتوقف عنده أحد.
المشكلة، في تقديري، ليست في غياب التضامن الدولي مع الصحفي الفلسطيني. بيانات الإدانة وحملات التضامن والمطالبات الدولية بحمايته لم تتوقف. المشكلة الحقيقية أن هذا التضامن لم يتحول إلى فعل على الأرض يوفر حماية حقيقية للصحفيين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.
بعد ثلاثين عاما من إقرار يوم دولي للتضامن معه، لا يزال الصحفي الفلسطيني يفتقر إلى ضمانات تكفل له الوصول إلى مواقع الأحداث، وتحميه من القتل والإصابة والاعتقال، وتضمن التحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
تؤكد هذه الحالة وجود فجوة أخلاقية عالمية تتسع عاما بعد آخر. فحماية الصحفيين في مناطق النزاع تستند إلى قواعد قانونية ومهنية مستقرة، وتؤكدها المواثيق والقرارات الدولية، غير أن استمرار قتل الصحفيين الفلسطينيين وإصابتهم واعتقالهم يعكس ضعف القدرة على تطبيق هذه القواعد ومحاسبة من ينتهكها.
وقد سمح غياب المساءلة باستمرار الاعتداءات وتحولها إلى مكون رئيس من مكونات بيئة العمل الصحفي في الأراضي المحتلة. ولذلك فإن على المجتمع الدولي الانتقال من إعلان المواقف إلى توفير الحماية وفرض المساءلة.
وتتسع قضية حماية الصحفيين الفلسطينيين لتشمل حق الجمهور في المعرفة، وهو حق ضربت به إسرائيل عرض الحائط منذ بداية الحرب، في إطار سعيها إلى فرض حالة من التعتيم على ما تقوم به من جرائم حرب في القطاع. فمنذ أكتوبر 2023 مُنع الصحفيون الأجانب من الدخول المستقل إلى قطاع غزة، ولم يُتح لهم الدخول إلا في زيارات محدودة ومنظمة تحت إشراف جيش الاحتلال. وألقى هذا المنع جانبا كبيرا من مسؤولية نقل ما يجري إلى العالم على عاتق الصحفيين الفلسطينيين، وهم يعيشون ظروف الحرب والنزوح وفقدان الأهل والمنازل ومصادر الدخل.
هذا الوضع جعل الصحفي الفلسطيني في موقع استثنائي وصعب. فهو يعيش داخل منطقة الحرب ويتعرض لمخاطرها. ويُطلب منه أن يوثق ويتحقق ويصور ويرسل مادته الصحفية، وأن يواصل العمل في ظروف تفتقر إلى أبسط متطلبات السلامة والاستقرار.
ولهذا فإن الاعتداء عليه أو منعه من العمل يفقد المؤسسة الإعلامية التي يعمل لحسابها مصدرا أساسيا للمعلومات، ويغلق في الوقت نفسه نافذة من النوافذ التي يطل منها العالم على ما يحدث داخل القطاع.
ما أكثر القواعد القانونية التي تؤكد حماية الصحفيين في مناطق النزاع المسلح. فالقانون الدولي الإنساني يعامل الصحفيين بوصفهم مدنيين ما داموا لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، ويوفر لهم الحماية نفسها المقررة للمدنيين من الاستهداف المباشر.
ونصت المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف على هذا المبدأ بوضوح، ثم أعاد مجلس الأمن التأكيد عليه في القرار رقم 2222 الصادر عام 2015، الذي طالب أطراف النزاعات بحماية الصحفيين، ودعا إلى إجراء تحقيقات مستقلة وفعالة في الجرائم التي ترتكب بحقهم ومحاسبة المسؤولين عنها.
لسنا في حاجة إلى مزيد من النصوص الدولية، فالمشكلة، في تقديري، تتمثل في الفجوة الواسعة بين النص والتطبيق.
إذا كان العالم يريد بحق أن يوفر الحماية للصحفيين الفلسطينيين فإن عليه اتخاذ إجراءات تمنع إسرائيل من استهدافهم، وتيسر وصولهم إلى مواقع الأحداث، وتضمن التحقيق الجاد في حالات قتلهم أو إصابتهم أو اعتقالهم.
لهذا لا يكفي أن يكون السادس والعشرون من سبتمبر مناسبة سنوية لإعلان التضامن الدولي مع الصحفيين الفلسطينيين، أو لتخليد أسماء شهدائهم.
القيمة الحقيقية لهذا اليوم تبدأ عندما يتحول التضامن إلى ضغط مهني وقانوني مستمر يفضح ممارسات سلطات الاحتلال الإسرائيلي، ويفرض عليها احترام قواعد حماية الصحفيين، ويضمن إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في الانتهاكات التي ترتكب بحقهم ومحاسبة المسؤولين عنها.
عندها فقط يمكن الحيلولة دون أن يصبح قتل الصحفي أو منعه من أداء عمله جزءا اعتياديا من مشهد الحرب؛ فالصحفي الفلسطيني قد يحتاج إلى التعاطف الدولي، لكنه يحتاج أكثر إلى بيئة عمل تسمح له أن يبقى على قيد الحياة.
