فيلم «نازا» وأكذوبة أخلاقية الجيش الإسرائيلي

27 سبتمبر 2026
27 سبتمبر 2026

وأنا أتابع تصريح بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان الصهيوني، يوم السابع عشر من الشهر الحالي، الذي كرّر فيه ادعاءه بأنّ الجيش الإسرائيلي هو «الأكثر أخلاقية في العالم»، لم أكن أعلم بالضجة التي أثارها فيلم «نازا» الإسرائيلي، لكني تابعتُ موجة استنكار واسعة وسخرية كبيرة على منصات التواصل الاجتماعي من ذلك التصريح؛ حيث اعتبره النشطاء والمتابعون تناقضا صارخا مع حجم الدمار الهائل الذي لحق بغزة، والضحايا الفلسطينيين من المدنيين والأطفال، واستهداف المستشفيات والبنى التحتية في القطاع.

وعندما عرفتُ سبب التصريح بطل استغرابي؛ فقد تابعتُ ما أثير حول الفيلم الوثائقي الإسرائيلي «نازا» «NAZA» للمخرجَين يوفال أبراهام وراحيل شور، الذي عُرض للمرة الأولى يوم العاشر من سبتمبر الحالي، ضمن المسابقة الرسمية للدورة الـ83 من مهرجان البندقية، وحصد جوائز بارزة؛ حيث يقدّم نبذة عن كواليس الحرب على غزة، عبر الاعتماد على مقاطع مصورة ليلا ومقابلات حصرية مع 24 عنصرا في الجيش والاستخبارات الإسرائيلية، يتحدّثون بصراحة غير مسبوقة عن آليات اتخاذ القرار وتفاصيل غرف العمليات اليومية، وممّا أشاروا إليه أنّ أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي استُخدمت لتحديد أشخاص يشتبه في ارتباطهم بحركة المقاومة الإسلامية «حماس» قبل قصف منازلهم، رغم معرفة منفذي العمليات بوجود أفراد من عائلاتهم داخلها، كما تضمن الفيلم شهادات عن اختراق هواتف مستهدفين والتنصت على محادثاتهم مع زوجاتهم وأطفالهم قبل قصفهم، وتنفيذ غارات مع معرفة مسبقة باحتمال مقتل مدنيين.

وكلمة «نازا» تعني في القاموس العسكري الإسرائيلي «الضرر الجانبي»، أي العدد المتوقع للمدنيين الذين سيُقتلون مقابل كلّ هدف، وهذا هو جوهر الفيلم؛ فحسب الشهادات الواردة فيه، يُسمح في بعض الحالات بسقوط عشرين مدنيّا فلسطينيّا مقابل هدف واحد، بل تصل التقديرات في إحدى الحالات إلى خمسمائة مدني في ضربة واحدة.

ما أثبته فيلم «نازا» أنّ هناك أفلاما سينمائية تملك القدرة على توجيه الرأي العام وتغيير مجرى الأحداث عبر تحويل الواقع إلى تجربة إنسانية مرئية تنْفذُ مباشرة إلى الوعي. وعادة ما تملك مثل هذه الأفلام القدرة على توثيق الحقائق وحفظ الذاكرة الجمعية للشعوب، بحيث تجعل من الوقائع شهادات يصعب إنكارها أو محوها مع مرور الزمن.

وقوة فيلم كـ«نازا» تكمن في نجاحه في اختراقه الكواليس المغلقة من قلب المؤسسات الأمنية والسياسية الإسرائيلية ونقلها إلى الجمهور دون رتوش، ممّا أسهم في صنع ذاكرة معاكسة للروايات الرسمية.

فجّر الفيلم ضجة سياسية وإعلامية واسعة، وقوبل بغضب حاد داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية واتهامات لصُنّاعه بـ«التشهير بإسرائيل» و«الخيانة»، ووصل الأمر إلى ارتفاع أصوات ومطالبات بسحب الجنسية منهم وتوجيه تهديدات مباشرة للجهة المنتجة، في حين أثارت المادة الوثائقية اهتماما دوليّا واسعا وحقوقيّا باعتبارها أدلة وشهادات قد تُستغل في تحقيقات محكمة الجنايات الدولية.

وممّا يضاعف من قيمة هذا العمل وأثره الأخلاقي، أنّ الحقيقة حين تأتي من «الداخل» ومن لسان المنظومة نفسها، فإنها تكون أصدق إنباء.

ويُحسب للمخرجَين الإسرائيليَّين يوفال أبراهام وراحيل شور تمسكهما بالبوصلة الإنسانية وانحيازهما للحق في وجه آلة الحرب الشرسة، في وقت اختارت فيه بعض الأصوات والأنظمة العربية -للأسف- الصمت أو الانحياز الضمني لخندق العدو ومسايرته، وأصبحنا نرى بعض الشيوخ ينقصهم فقط أن يرتدوا قبعة الحاخامات السوداء، لكثرة ما تقيأوا ضد أهل غزة.

إنّ الضجة الهائلة التي أحدثها فيلم «نازا» تؤكد أنّ الفن الحقيقي قادر على كسر الحصار الإعلامي والمؤسسي عندما تنبع الشهادة من قلب النظام، كما تكشف ردودُ الفعل العنيفة تجاه الفيلم عن مدى الخوف المؤسسي من «سلطة الصورة والشهادة»؛ حيث تصبح الحقيقة الموثوقة خطرا يهدّد السرديات الكاذبة.

وكما يذكّرنا الأديب غسان كنفاني بأنّ «الإنسان في النهاية قضية»، يثبت هذا السجال أنّ السينما الوثائقية أضحت الفاعل المباشر في الحاضر، ونداء مدويّا للضمائر الإنسانية الحيّة في كلِّ مكان بأنّ الانحياز للحق هو سبيل البقاء والاستمرار، وأنّ التاريخ يرحم دائما أصحاب الموقف الأخلاقي الثابت، ويسقط السرديات الكاذبة مهما طال الزمن.

لم يكن مهرجان البندقية السينمائي يتوقع أن تتحوّل ثمانون دقيقة هي مدة الفيلم، إلى زلزال سياسي يهز الداخل الإسرائيلي قبل شهر من انتخاباته العامة، عندما منحه جائزة لجنة التحكيم الخاصة في المهرجان، مع تصفيق استمر 25 دقيقة متواصلة.

لكن المؤكد أنّ المخرجَيْن نجحا في إظهار رسالة الفن الحقيقية، عندما استخدما كاميرا فوق أسطح تل أبيب ليلا، تلتقط وتستمع لجنود أنهكهم ما رأوه، كما قال المخرج يوفال أبراهام عند تسلمه الجائزة: إنّ ما سمعه من ضباط الاستخبارات يرقى إلى اعترافات بعمليات قتل جماعي وُصفت بأنها ممنهجة.

الضجة التي تلت عرض الفيلم كشفت المستور أكثر ممّا كشفه الفيلم نفسه، إذ سارع الجيش الإسرائيلي إلى إنكار ما ورد في تلك الشهادات، ووصفه بالمشوه، لكن الجيش تجاهل أنّ تلك الشهادات جاءت من داخل المنظومة ذاتها التي نفذّت الحرب، وهذا الارتباك هو ما دفع وزارة الثقافة الإسرائيلية للمطالبة بسحب الجنسية من المخرجَيْن وفتح تحقيق في تسريب معلومات سرية، بينما انقسم الشارع السياسي الإسرائيلي بين من يراه خيانة ومن يراه كشفا ضروريّا.

في كلّ الأحوال نجح فيلم «نازا» في إعادة حرب غزة إلى صدارة مهرجان البندقية للعام الثاني على التوالي، بعدما حصل فيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية على جائزة الأسد الفضي في دورة العام الماضي، واستطاع الفيلم أن يظهر زيف الادعاءات الإسرائيلية ما يقرب من ثمانين عاما بأنها دولة ديمقراطية وتملك جيشا ومؤسسات عسكرية، هي على حدّ زعمها «الأكثر أخلاقية في العالم». وسيبقى الفيلم درسا بليغا في أنّ العدالة تبدأ حين يتجرأ أبناء المؤسسة نفسها على الكلام، وحين يكون الفن مرآة للحقيقة ويرفض أن يكون مجرد زينة للمهرجانات.

زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.