الذكاء الاصطناعي وكواليسه وما خفي أعظم
26 سبتمبر 2026
26 سبتمبر 2026
أشعر أننا بحاجة إلى حديث آخر عن الذكاء الاصطناعي أقرب إلى طابعه الفلسفي وتجاذباته السياسية؛ لنعيد قراءة هذا الملف الذي ما زالت ناره مستعرة منذ عدة أسابيع، ولم تهدأ ألسنة نقاشاته في أروقة الإعلام وبين الأوساط العامة والخاصة من العلماء والساسة.
وسبق أن استعرضنا -في مقال سابق- رأيا بشأن خطر الذكاء الاصطناعي وتناميه مع السنوات القادمة، وخصوصا أن هذا الخطر بدأ يقتحم خطوطا حمراء تمس حياة البشرية ووجودها.
حاولت أن أخصص قراءة تقنية -في المقال السابق- تسعف فهم بعض أبجديات هذه المخاطر؛ فوصلت إلى نتيجة تؤكد وجود هذه المخاطر.
لكنني -وبعد ذلك المقال- تداركت تساؤلات أخرى مثل: لماذا تعلو صيحات هذه التحذيرات من الذكاء الاصطناعي وخطره القادم في هذه الفترة؟ وأين يكمن فهمنا الصميم للخوارزمية وسلوكها؟ أما زال بعضنا يظنها عقلا واعيا آيلا إلى امتلاك إرادته الحرة، وبالتالي أُوهِمنا بأنها آلة واعية متمردة غير قابلة للهيمنة البشرية؟ أم أن كثيرا من الناس صححوا فهمهم للذكاء الاصطناعي بأنه لا يتجاوز وصفَ دماغ يكتسب معلوماته وإبداعه وسلوكه من البشر أنفسهم؟
ولفهم مغزى هذه التساؤلات وضرورتها، يمكننا أن نستدل بحادثة جديدة بطلها الذكاء الاصطناعي والضحية وزارة الصحة الأسترالية بعد أن أعلن مؤخرا عن اختراق لبيانات الوزارة من قبل وكلاء ذكاء اصطناعي في شهر يونيو الماضي، وعلمت شركة «أوبن إيه آي» بالحادثة في شهر أغسطس، وأُبلِغت أستراليا بها رسميا في شهر سبتمبر الحالي، أي بعد تصاعد التحذيرات الأخيرة تقريبا، وتحديدا بعد صرخة «جاكوب» في منصة «أكس».
نعيد السؤال السابق مرة أخرى: لماذا تأخر الإبلاغ عن الحادثة؟ ولماذا جاءت كل هذه التحذيرات في هذا الوقت بالذات؟
للقضية جانبان مهمان، وأرجو أن نصل بواسطتهما وبنتائجهما إلى فهم أوسع بقضية الذكاء الاصطناعي وجدله المبهم الذي تداخل مع صراع السياسة ومؤامرات أصحاب المصالح.
يرتبط الجانب الأول بمسألة توقيت بزوغ الجلجلة الرقمية والصرخات التحذيرية من خطر الذكاء الاصطناعي خصوصا منذ تحذير «جاكوب» مطلع شهر سبتمبر الحالي؛ ليُتبع بتحذيرات على مستوى قيادات علمية وسياسية بارزة.
بيد أننا ينبغي أن ندرك المقابل، وهو أن هذا التحذير الأخير وما أعقبه من تفاعل وتحذيرات، سُبِقَ بخروج مخاوف أمريكية رسمية من التطويرات الصينية السريعة في برامج الذكاء الاصطناعي ونماذجه فائقة الذكاء. وحينها من السهل أن نفترض وجود ارتباط بين هذه الأحداث.
وألحظ أن جزءا كبيرا من هذه الجلبة التقنية وراؤها صراع أمريكا والصين وتنافسهما على بلوغ الصدارة في الذكاء الاصطناعي، وكأنه صراخ تجاوز عتبة الجدران المعزولة عن عالمها الخارجي؛ فوصل صوته إلينا جميعا.
هذا ما يفسّره تصريح «بوتن» قبل عدة سنوات حين قال: إن القوة ستكون بيد من يملك الصدارة في الذكاء الاصطناعي.
أما الجانب الثاني، فإنه معني بوعينا تجاه سلوك الخوارزمية؛ إذ ما زال الأمر مبهما لدى كثير منا، ويظن بعضنا أن التفوق الخوارزمي مرتبط بسلوك الآلة الواعي الذي لا يملك الإنسان فيه شأنا ولا تحكما.
لتقريب هذه الصورة، أعيد القارئ إلى مقال قديم كتبته في بداية عام 2023 بعنوان «الذكاء الاصطناعي ليس عقلا». يومها في ذلك المقال، كنت أعني ما أقوله؛ فرؤيتي للعقل مرادفة لرؤيتي للوعي؛ فلا أجد انفصالا -في الوظيفة والغاية- بين العقل والوعي.
وأستند في هذا الرأي إلى مسوغات متعددة متجانسة علميا وفلسفيا، وسبق تفصيلها في كتابي «بين العلم والإيمان» الذي نُشر عام 2019. حددت في مقال «الذكاء الاصطناعي ليس عقلا» موقفي من الخوارزمية، ورفضت اقترانها بالوعي والعقل نظرا لأبجديات علمية-فلسفية لا تفي سطور هذا المقال بعرضها.
بجانب ما سبق لي طرحه عن الوعي ونفي ارتباط الذكاء الاصطناعي به، أضيف رأيا لعالم الفيزياء المعاصر «روجر بنروز» -الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 2020، وساهم مع «ستيفن هوكينج» في أبحاث الثقوب السوداء- عن الوعي وعلاقة الذكاء الاصطناعي به. وللرجل باع كبير في حقل الوعي ومشتقاته العلمية والفلسفية وامتداداته التي حاول بعضهم أن يلصقها عنوة بالذكاء الاصطناعي. ولـ«بنروز» كتاب رائع من ضمن أفضل الكتب التي ناقشت قضية الوعي بأسلوب علمي وفلسفي شيّق عنوانه «عقل الإمبراطور الجديد».
جدد «روجر بنروز» -في تصريح مرئي له نُشر مؤخرا- رفضه لأي وجود للوعي في الذكاء الاصطناعي؛ فيصنفه بأنه دماغ اصطناعي ضخم يمتلك بيانات وقدرات حسابية وتحليلية جبارة، ولكنها في نهاية المطاف تظل جزءا لا يتجزأ من مخلفات الإنسان وتركته المعرفية التي آثر أن يهبها للخوارزمية. هذا أيضا ما ذكرته منذ عام 2023، وما زلت أعتقده بكل منطق علمي وفلسفي.
استنادا إلى جانبي السياسة والعلم -المشار إليهما آنفا- وعلاقتهما بالذكاء الاصطناعي وكواليسه، أجد أننا بحاجة إلى مزيد من التحرر من الشوائب السياسية والعلمية التي يرغب بعض العابثين تلقيننا إياها، والتي تنبع في صميمها من نوايا الساسة؛ فتتحد وتلتقي -غالبا- مع مصالح الشركات العملاقة ومؤسسات الإعلام. ولا أرى في دعوتي إلى التحرر من تداخلات السياسة والعلم أي تناقض مع يقيني بوجود الخطر الذي يحيط بالبشرية ويهددها عبر الذكاء الاصطناعي؛ حيث يكمن مصدر الخطر في الإنسان نفسه الذي طوّر الخوارزمية وغذّاها بالمعلومات، وكرّس جهده لتكون دماغا مكتسبا لصفات الإنسان وسلوكه، وأودع فيها كل مخططاته وأفكاره.
من المهم أيضا أن نعي أن كبار ساسة العالم وملاّك التقنية يدركون هذه المخاطر منذ سنوات طويلة لأنهم يسعون في الأصل إلى تحقيقها.
لا ندرك يقينا إن كانت مطالبات إبطاء تطويرات الذكاء الاصطناعي وإخضاع نماذجها للحوكمة خطوات جادة وحقيقية!؟ أم أنها جزء من مسرحية سياسية تهدف إلى كبح الصين!؟ ما زلنا نتمسك بأمل جديتها، وأن تتحول إلى واقع ملموس في غضون الشهور القادمة. وبكل الأحوال، نؤكد على ضرورة هذه المطالبات والخطوات الحوكمية وأهمية تفعيلها.
لكنني، لا ينبغي أن أغفل وأتغافل عن الخفايا «الكواليسية» غير الظاهرة لنا، وأعني بها أسباب هذه اليقظة الرقمية الجادة المفاجئة، وما تخفيه من صراع سياسي مبني على سباق الهيمنة والنفوذ العالمي.
وإن سلّمنا بجديتها الراهنة، لن أعجب من أي تراجع أو تراخ في مبادرات الإبطاء والحوكمة حال توصّل عملاقي الذكاء الاصطناعي «الصين وأمريكا» إلى تفاهم يضمن حماية مصالح الطرفين -وليس صونا لحياة البشرية ومصالحها كما كنا نتصور- خصوصا بعد اللقاء الرسمي بين الرئيسين الأمريكي والصيني في الولايات المتحدة الأسبوع المنصرم الذي جاء الذكاء الاصطناعي -بجانب الحرب الإيرانية- على رأس أهم أجنداته. مع اختلاط الأوراق وتمازج السرديات، يقع على عاتقنا تحمل مسؤولية رفع وعينا، ولندرك أننا أسرى -في كثير من الأوقات- للسردية الإعلامية التي تحاول أن توهمنا أن قادة الذكاء الاصطناعي -سواء في الشركات أو الحكومات العالمية الكبرى- حريصون منذ بداية شهر سبتمبر الحالي على حياة البشرية ومستقبلها.
لذلك ينبغي أن نكون حذرين منهم ومن كواليس تطويراتهم التقنية بشتى صورها التي تتداخل مع النظم العسكرية والبيولوجية -التي تمس المنظومة الغذائية أو الدوائية أو الإجرامية مثل نشر الأوبئة-.
كذلك من المهم أن نتجاوز عقبة مفاهيمنا للذكاء الاصطناعي التي أُفرِطَ في وصفه ومقاربته مع العقل والوعي؛ فيقترب أن يُصنف مع قائمة «الخوارق»، في حين أنه لا يتجاوز وصف الدماغ الاصطناعي فائق القدرة.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني
