No Image
ثقافة

"من الفكرة إلى الثروة" تبحث مستقبل الصناعات الثقافية والإبداعية بين الاستدامة والاقتصاد

26 سبتمبر 2026
26 سبتمبر 2026

اختتم النادي الثقافي مساء أمس محطته في ولاية المصنعة ضمن برنامج "المنصات الثقافية في الولايات"، الذي ينفذه بالتعاون مع شبكة المصنعة الثقافية، على أن ينتقل البرنامج خلال الفترة المقبلة إلى ولاية أخرى، وشهدت محطة المصنعة تنظيم جلسة "عرض وقراءة في فيلم النهر العُماني ـ سيرة فلج الكامل"، إلى جانب حلقة عمل فنية بعنوان "كيف نرسم الأسطورة من المخيال إلى المنتج الفني؟"، قدمها الفنانان أنور سونيا وأحمد الشبيبي، ومن المؤمل عرض نتاجها في ديسمبر المقبل، حيث تعرّف المشاركون خلال الحلقة العملية إلى عدد من الأساطير العُمانية والعادات والحكايات والصور الراسخة في الذاكرة منذ الطفولة، قبل أن يعمل كل فنان على تحويل المحور المشترك إلى عمل فني يجسده وفق أسلوبه ورؤيته الخاصة.

وكان قد شهدت الفعاليات أيضا جلسة حوارية بعنوان "من الفكرة إلى الثروة.. الصناعات الثقافية والإبداعية" أقيمت في حصن وبرج آل خميس، شارك فيها كل من الدكتورة هدى الحارثي، والكاتبة أمل السعيدي، والكاتب علي المجيني، وأدارها الإعلامي خالد البداعي، وناقشت إمكانات تحويل المنتج الثقافي والإبداعي إلى قيمة اقتصادية مستدامة، والعلاقة بين الثقافة والسوق، والتحديات التي تواجه قطاعات النشر والفنون والصناعات المرتبطة بالموروث، إلى جانب ما تفرضه التحولات التقنية والذكاء الاصطناعي من أسئلة جديدة حول مستقبل الإبداع وآليات استمراره.

بيئة ثقافية

وفي مستهل الأسئلة التي طرحها مدير الجلسة أجابت الدكتورة هدى الحارثي بالقول: إن البيئة العُمانية، بطبيعتها ومكوناتها الثقافية، تملك عناصر واسعة يمكن البناء عليها في تنمية الصناعات الثقافية والإبداعية، فالورد واللبان والكِيدا وغيرها من المنتجات الطبيعية لم تبقَ في حدود الاستخدام اليومي، وإنما ارتبطت بطقوس وممارسات ثقافية منحتها حضورا في الذاكرة والمجتمع، كما أن القلاع والحصون والحارات القديمة تمثل رصيدا ثقافيا يمكن استثماره في مشاريع تعيد تقديم هذا الموروث بصورة معاصرة وتمنحه قدرة أكبر على الاستمرار، وهو ما يجعل العلاقة بين البيئة والثقافة والاقتصاد علاقة متداخلة يمكن أن تتحول من مجرد حفظ للموروث إلى صناعة ذات أثر محلي وقيمة اقتصادية متنامية.

وحول العلاقة بين الصناعات الثقافية وأهداف التنمية المستدامة قالت الدكتورة هدى الحارثي إن غياب الثقافة عن قائمة الأهداف السبعة عشر بصيغة مستقلة لا يعني غيابها عن جوهرها، لأنها تتقاطع بصورة مباشرة وغير مباشرة مع التعليم والصحة والعمل المناخي والشراكات وغيرها من المجالات، كما أن الصناعات الثقافية قادرة على الإسهام في الأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية معا، وهو ما أظهرته دراسة أجرتها على عدد من مراكز الصناعات الحرفية في سلطنة عُمان، حيث برز استخدام المواد المحلية وإعادة توظيفها والاستفادة من الطاقة النظيفة في بعض مراحل الإنتاج، إلى جانب ما تحققه هذه الصناعات من تعزيز للعمل الجماعي والمحافظة على الممارسات المرتبطة بالموروث وخلق فرص اقتصادية وابتكار منتجات أكثر قدرة على الوصول إلى المستهلك، مؤكدة أن قيمة هذه الصناعات تتسع كلما نجحت في الجمع بين الحفاظ على الهوية الثقافية وتطوير المنتج وتسويقه بصورة معاصرة.

كما تناولت الدكتورة هدى الحارثي التحديات التي تواجه الصناعات الثقافية والإبداعية في علاقتها بالتنمية المستدامة، وقالت إن هذه التحديات تتوزع بين أبعاد بيئية واجتماعية واقتصادية، بدءا من قدرة المنتجات والمقتنيات الثقافية على مقاومة تأثيرات الحرارة والرطوبة والتغيرات المناخية، وما تفرضه من متطلبات خاصة لحفظ المباني التراثية والمخطوطات والمواد الثقافية، وصولا إلى التحدي الاجتماعي المرتبط بقدرة هذه الصناعات على جذب الأجيال الجديدة في ظل التحولات التقنية واتساع حضور المنتجات العالمية في حياتهم اليومية. وأضافت أن الجانب الاقتصادي يظل من أكثر الجوانب حساسية، إذ تحتاج الفنون والنشر وسائر الصناعات الثقافية إلى موارد تساعدها على الاستمرار والتوسع والوصول إلى أسواق أوسع، إلى جانب تطوير المنتج نفسه وتقديمه بصورة مبتكرة تمنحه القدرة على المنافسة من دون أن يفقد ارتباطه بالثقافة العُمانية.

واستحضرت "الحارثية" توصية اليونسكو المتعلقة بأوضاع الفنان، مشيرة إلى أن قدرة الفنان على إنتاج عمل إبداعي متماسك ترتبط بتوافر الحرية الفنية إلى جانب الرفاه الاجتماعي والاقتصادي، وهما عاملان أساسيان في تمكينه من الاستمرار وتطوير تجربته ضمن الأطر التي تنظم العمل الثقافي في كل دولة. وقالت إن نتائج دراستها على عدد من مراكز الصناعات الحرفية في سلطنة عُمان أظهرت سعي هذه المراكز إلى توسيع دائرة المشاركة وعدم حصرها في فئات محددة، من خلال إشراك النساء وذوي الإعاقة في برامج تدريبية ومشروعات إنتاجية، إلى جانب محاولات توظيف مواد محلية وتقنيات أقل تأثيرا في البيئة، بما يعكس وعيا متناميا بأن استدامة الصناعات الثقافية لا تتوقف عند المنتج نفسه، وإنما تشمل الإنسان والبيئة والمجتمع والقدرة على الوصول إلى أسواق أوسع.

صناعة النشر

وفي سياق الحديث عن صناعة النشر أعتبر علي المجيني أن صناعة النشر من أقدم الصناعات الإبداعية وأكثرها رسوخا، وأن الكتاب بطبيعته منتج قابل للدخول في دورة اقتصادية متكاملة إذا توافرت له بيئة قادرة على حماية فعل القراءة وتطوير أدوات الوصول إلى القارئ، إلا أن التحدي اليوم لم يعد مرتبطا فقط بتكاليف الطباعة والتوزيع أو بقدرة الناشر على الاستمرار، وإنما بما تفرضه التحولات التقنية والذكاء الاصطناعي من أسئلة تمس جوهر العملية نفسها، من الكتابة إلى القراءة وصولا إلى أصالة النصوص وحقوق أصحابها، وقال إن ما يحدث يفرض التفكير في مستقبل صناعة النشر ضمن منظومة أوسع لا تكتفي بمعالجة مشكلة الكتاب منفردا، وإنما تنظر إلى القارئ والكاتب والناشر والمترجم وسوق التوزيع باعتبارهم أجزاء مترابطة من صناعة لا يمكن أن تستمر إذا عولج كل طرف فيها بمعزل عن الآخر.

ورأى "المجيني" أن الحديث عن استدامة دور النشر المحلية لا ينفصل عن بناء منظومة نشر متكاملة تتجاوز الناشر نفسه إلى القارئ والكاتب والمترجم والموزع وسائر الأطراف المرتبطة بالصناعة، فوجود نماذج ناجحة تجاريا لا يعني بالضرورة سلامة المشهد كله، خصوصا حين يتحول الكاتب إلى ممول للعمل أو تصبح العلاقة بين أطراف العملية قائمة على تقاسم سوق محدود بدل توسيعه، وقال إن تجارب دول أخرى تثبت أن النشر قادر على أن يكون صناعة اقتصادية حقيقية ذات عوائد كبيرة، لكن الوصول إلى ذلك يحتاج إلى قراءة جادة للسوق ومعرفة أسباب ضعفه والعمل على إصلاح بنيته بدل الاكتفاء بمعالجة كل دار أو كل إصدار على حدة، لأن أي مؤسسة نشر بمفردها لا تستطيع أن تصنع هذا التحول، لكنها تستطيع أن تكون جزءا فاعلا من مشروع أوسع إذا وجدت مبادرة وطنية تجمع عناصر الصناعة وتتعامل معها ضمن رؤية واحدة.

وتوقف علي المجيني عند واقع الاستثمار في سوق النشر المحلي وقال إن المشكلة لا تتعلق بصناعة النشر في جوهرها بقدر ما ترتبط بطبيعة السوق القائم ومحدودية أرقامه واختلال العلاقة بين ما ينتجه الناشر الجاد وما يطلبه جزء من الجمهور، موضحا أن بعض دور النشر نجحت تجاريا من خلال تقديم كتب تستجيب مباشرة لذائقة استهلاكية واسعة وتحقق دورانا أسرع في السوق، بينما تحتاج الأعمال الأدبية والفكرية الجادة إلى وقت أطول ومساحات توزيع أوسع وقد تبقى نسخها سنوات قبل أن تنفد، وهو ما يجعل المستثمر الباحث عن عائد تجاري سريع أكثر ميلا إلى النماذج القابلة للبيع المباشر، وأن نجاح بعض التجارب الخليجية والعربية يؤكد أن النشر يمكن أن يتحول إلى نشاط اقتصادي مستدام، لكن ذلك يتطلب فهما دقيقا للسوق واختيارا واعيا لنوعية الإصدارات وبناء نموذج يوازن بين القيمة الثقافية والاستمرارية المالية، بدل التضحية بجودة المحتوى لصالح الربح وحده.

كما استعرض علي المجيني تجربة دار عرب للنشر والترجمة منذ تأسيسها عام 2017 بهدف تقديم الأدب العربي إلى القارئ العالمي باللغة الإنجليزية، موضحا أن التجربة بدأت من محاولة فهم صناعة النشر من داخلها وبناء شبكة من العلاقات مع الناشرين والمترجمين والأوساط الأكاديمية المهتمة بالأدب العربي، قبل أن تتوسع الدار لاحقا إلى خطين متوازيين للنشر بالعربية والإنجليزية. وقال إن استمرارية دور النشر الصغيرة والمستقلة ترتبط بقدرتها على التعلم من البيئة التي تعمل فيها، وتوسيع شبكة علاقاتها، والاستفادة من الجوائز والترشيحات الأدبية في فتح مساحات جديدة للتوزيع والوصول إلى القراء، إلى جانب بناء الثقة مع الكتاب والمترجمين وتطوير الاختيارات التحريرية بصورة تتيح للمؤسسة أن تنمو تدريجيا بدل أن تبقى رهينة مشروع محدود أو سوق ضيق.

الثقافة والاقتصاد

من جانبها قالت الكاتبة أمل السعيدي إن الحديث عن قدرة الثقافة على إنتاج قيمة اقتصادية لا يمكن فصله عن البنية التي تتيح أصلا إنتاج هذه الثقافة، فالمبدع يحتاج إلى مؤسسات ومساحة زمنية وموارد تمكّنه من البحث والتجريب ومراكمة الخبرة، كما يحتاج في الوقت نفسه إلى فضاء يسمح بتعدد الأصوات ويمنح العمل الثقافي فرصة لأن ينمو من دون أن يخضع بالكامل لمنطق السوق أو لشروط الجهات الداعمة، لأن إخضاع الثقافة لقواعد الربح وحدها يقود إلى منتجات قابلة للاستهلاك السريع ويحد من قدرتها على التجريب والابتكار. ورأت أن القيمة الاقتصادية المستدامة للثقافة تبدأ من بناء بيئة تحترم حرية الفنان والكاتب وتوفر له بنية مادية حقيقية، بحيث يصبح قادرا على إنتاج أعمال جديدة والوصول بها إلى الجمهور من دون أن يفقد العمل الثقافي قيمته الاجتماعية أو يتحول إلى سلعة محكومة فقط بما يحقق العائد الأسرع.

وتوقفت "السعيدية" عند علاقة المؤسسات الثقافية بالتمويل والسلطة والسوق، معتبرة أن دعم الثقافة يصبح أكثر تعقيدا حين يرتبط بشروط تحدد مسبقا شكل المنتج وما ينبغي أن يقوله أو يحققه، لأن المبدع في هذه الحالة قد يجد نفسه مضطرا إلى تكييف مشروعه مع توقعات الجهة المانحة أو مع منطق السوق بدل أن ينطلق من تجربته وأسئلته الخاصة، وقالت إن الصناعة الثقافية الحقيقية تحتاج إلى مساحة تحمي التعدد والتجريب وتسمح بظهور أصوات مختلفة، وإلى بنية مادية تدعم الفنان والكاتب من دون أن تجعل الربح هو المعيار الوحيد لقيمة العمل، فالثقافة التي تخضع بالكامل لمتطلبات الاستهلاك تفقد جزءا من قدرتها على النقد والابتكار وتعيد إنتاج الأنماط السائدة بدل أن تفتح المجال أمام تجارب جديدة أكثر التصاقا بالمجتمع وتحولاته.

ورأت أمل السعيدي أن التعامل مع الهوية الثقافية يحتاج إلى قدر أكبر من المرونة، لأن الأجيال الجديدة تتحرك داخل فضاءات مفتوحة تتداخل فيها المؤثرات المحلية والعالمية، ولم يعد ممكنا النظر إلى الهوية باعتبارها قالبا ثابتا يمكن نقله كما هو من جيل إلى آخر، فالجيل الذي يتابع الأنمي ويصنع الألعاب الإلكترونية ويتفاعل يوميا مع منصات عالمية يحمل تكوينا مركبا ينبغي فهمه واستثماره بدل مواجهته بخطاب تعليمي مباشر. وقالت إن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تحويل هذا التداخل إلى فرصة لإنتاج أشكال ثقافية جديدة تحمل قيمة اجتماعية واقتصادية في آن واحد، مع توفير بيئة تتيح للمبدع الوقت والقدرة على البحث والتجريب، لأن الكتابة والإبداع لا ينفصلان عن تراكم الخبرة ولا يمكن أن يزدهرا في غياب مساحة تسمح لصاحب المشروع بأن يتفرغ له ويطوره ويختبر مسارات جديدة.

كما تحدثت أمل السعيدي عن تجربتها المهنية في الإعلام والكتابة والعمل الثقافي، وقالت إن ما راكمته من خبرات جاء عبر مسار طويل جمع بين العمل في إذاعة وتلفزيون سلطنة عُمان، والتعاونات المختلفة إلى جانب مشاركتها في مشروعات تتصل بتحويل الأبحاث الاجتماعية إلى أعمال سينمائية ودرامية، مؤكدة أن الوصول إلى هذه المساحة لم يكن منفصلا عن جهد شخصي طويل في القراءة والتعلم وبناء العلاقات والبحث عن الفرص. وأضافت أن حصولها على منح عربية لدعم مشروعاتها الكتابية أتاح لها مساحة لمواصلة البحث والإنتاج، إلا أن التجربة في مجملها دفعتها إلى التفكير في الحاجة إلى بنية ثقافية أكثر استدامة تتيح للمبدعين الوصول إلى فرص التعليم والتدريب والتفرغ، بحيث لا يبقى تطور التجربة مرهونا بقدرة الفرد وحده على صناعة مساره، وإنما تسنده مؤسسات ومراكز متخصصة في مجالات مثل الترجمة والموسيقى والسينما وغيرها من الصناعات الثقافية.

وكشفت أمل السعيدي عن عملها على كتاب جديد بعد حصولها على منحة من مؤسسة المورد الثقافي لدعم إنجاز المشروع، موضحة أن الكتاب يجمع بين الكتابة الأدبية والمقاربة الأنثروبولوجية، ويتتبع تحولات اجتماعية وثقافية انطلاقا من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة المرتبطة بالمكان والناس، وهو ما يتطلب وقتا للبحث والوصول إلى المصادر وبناء المادة على نحو يتجاوز التسجيل المباشر إلى قراءة أوسع لما تكشفه هذه التفاصيل عن المجتمع وتحولاته.

نقاش مفتوح

وفتحت الجلسة باب النقاش أمام الحضور حيث دارت المداخلات حول سبل تحويل المقومات الثقافية والإبداعية إلى مشروعات أكثر استدامة، وأهمية التكامل بين المبدع والمؤسسات والقطاع الخاص في بناء صناعة ثقافية قادرة على الاستمرار، إلى جانب ضرورة الموازنة بين القيمة الثقافية والاجتماعية للعمل وقدرته على تحقيق عائد اقتصادي، كما استحضرت المداخلات نماذج من التجارب العُمانية في السينما والموسيقى والمشروعات الثقافية وناقشت أهمية تطوير البنية الداعمة للإبداع، وحماية الملكية الفكرية وتوسيع فرص الشراكة والاستثمار بما يتيح للمبادرات الثقافية الانتقال من الجهود الفردية والمؤقتة إلى مشروعات أكثر رسوخا وتأثيرا.