كيف تنتقل الشركات الصغيرة من الاستقرار إلى التوسع؟
تبدأ كثير من المؤسسات الصغيرة بفكرة جيدة ومجهود مضاعف من أصحابها، وتنجح في الوصول إلى العملاء وتحقيق دخل مستقر، لكن الانتقال من هذه المرحلة إلى شركة متوسطة أو كبيرة يفتح أمامها تحديات مختلفة، فالنمو له احتياجات تختلف تمامًا عن احتياجات التأسيس، لذلك نلاحظ أن الصعوبات تظهر عندما تكون المؤسسة قادرة على الاستمرار، لكنها غير جاهزة بعد للتوسع، فقد تحصل على عقد أو مناقصة أكبر من قدرتها المالية، أو تواجه شروطًا تتطلب خبرة وسجل أعمال مقنعا، أو تجد أن طريقة إدارتها التي نجحت في البداية لم تعد مناسبة مع زيادة حجم العمل.
ومع ذلك، تشير بيانات عام 2025 إلى انتقال 294 مؤسسة صغيرة إلى فئة المؤسسات المتوسطة، و41 مؤسسة متوسطة إلى فئة المؤسسات الكبيرة. وبين هذه الأرقام وتجارب أصحاب المؤسسات، يبرز السؤال: لماذا تنجح بعض الشركات في الانتقال إلى مستوى أكبر، بينما تبقى أخرى في حجمها لسنوات؟ وما الذي تحتاجه المؤسسة فعلًا حتى تتحول من مشروع مستقر إلى شركة قادرة على النمو والمنافسة؟ ... في الاستطلاع محاولة للإجابة على هذا السؤال للاقتراب من لب التحديات الراهنة في نمو الأعمال ... فإلى التفاصيل:
قال عدنان الجهضمي، رائد الأعمال ومؤسس شركة SKLZ LABS LLC : إن الاستقرار والنمو مرحلتان اقتصاديتان مختلفتان تمامًا؛ فقد تنجح المؤسسة الصغيرة في تغطية مصروفاتها وتحقيق دخل لصاحبها، لكنها لا تمتلك بالضرورة القدرة على مضاعفة إنتاجها أو التوسع في أسواق جديدة. ففي مرحلة التأسيس يعتمد المشروع غالبًا على جهد صاحبه، أما مرحلة النمو فتحتاج إلى منظومة متكاملة من رأس المال والإدارة والتقنية والموارد البشرية والأسواق..
5 عناصر وراء فجوة النمو
ولا يختزل الجهضمي فجوة النمو في عامل منفرد، إذ يرى أنها نتيجة تفاعل خمسة عناصر هي: التمويل، والإدارة، والسوق، والتشريعات، والإنتاجية.
وأشار إلى أن المشكلة تبدأ عندما تجري محاولة معالجة جميع المؤسسات بالأداة نفسها، في حين تختلف احتياجات المؤسسة الصناعية عن التجارية والتقنية، وهو ما يستدعي تشخيصًا اقتصاديًا لكل مؤسسة يحدد العائق الحقيقي أمام نموها، ثم تصميم التدخل المناسب لها.
ويضع الجهضمي الإدارة المؤسسية والحوكمة في صلب عملية الانتقال إلى مستوى أكبر، مؤكدًا أن العلاقة بينهما وبين تعثر النمو جوهرية. فعندما تكون جميع القرارات والمبيعات والعلاقات المالية مرتبطة بشخص المؤسس، تصبح القدرة الإنتاجية للمؤسسة محدودة بوقته وقدراته.
وأوضح أن الانتقال إلى مؤسسة متوسطة يتطلب فصل الملكية عن الإدارة التشغيلية تدريجيًا، وبناء نظام مالي واضح، وتوزيع الصلاحيات، وتوثيق الإجراءات، وقياس الأداء. كما أن التحول الرقمي في هذا السياق لا يعني مجرد امتلاك موقع إلكتروني أو برنامج محاسبة، وإنما بناء منظومة تشغيل تسمح للمؤسسة بالعمل والتوسع دون اعتماد كامل على وجود صاحبها.
وأكد أن المؤسسة التي لا تستطيع العمل دون مؤسسها قد تكون مشروعًا ناجحًا، لكنها لم تتحول بعد إلى كيان مؤسسي قابل للتوسع.
التمويل والعقود.. أدوات تختلف باختلاف المرحلة
وفي جانب التمويل، يرى الجهضمي أن تمويل التوسع قد يكون أكثر تعقيدًا من تمويل التأسيس، لأن احتياجات التمويل تختلف جذريًا. فتمويل التأسيس يهدف إلى إنشاء النشاط، بينما قد يشمل تمويل النمو خطوط إنتاج جديدة، ومخزونًا أكبر، وتوظيف كوادر، ودخول أسواق خارجية.
وأكد أن المؤسسة التي تمتلك عقدًا مربحًا قد تحتاج إلى سيولة لتنفيذه، وليس إلى قرض طويل الأجل بضمانات شخصية مرهقة.
وفيما يتعلق بحجم السوق، يرى الجهضمي أن السوق المحلي محدود نسبيًا من حيث عدد المستهلكين، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة محدودية فرص النمو، إذ يتمثل التحدي في كيفية ربط المؤسسات الصغيرة بسلاسل القيمة المحلية والإقليمية والعالمية.
وأكد أن منح العقود وحده لا يكفي، إذ ينبغي أن تتمكن المؤسسة من تنفيذها بربحية، والحصول على مستحقاتها في الوقت المناسب، وبناء قدرات تؤهلها للمنافسة على عقود أكبر.
كما يرى ضرورة تحويل المؤسسات الصغيرة من مجرد موزعين ومستوردين إلى منتجين وموردين ومطورين لخدمات ومنتجات ذات قيمة مضافة؛ فإذا بقيت المؤسسة محصورة في إعادة بيع المنتجات، فقد تنمو إيراداتها دون أن تنمو مساهمتها الإنتاجية بالقدر نفسه.
هل يصبح البقاء صغيرًا أكثر جاذبية؟
ويطرح الجهضمي جانبًا آخر يتعلق بالامتيازات المرتبطة بتصنيف المؤسسة، موضحًا أنها قد تصبح عائقًا أمام النمو إذا كان الانتقال إلى فئة أعلى يعني فقدان مزايا تفوق المكاسب المتوقعة من النمو.
وأكد أن هذا احتمال اقتصادي يحتاج إلى قياس ميداني، وليس حكمًا عامًا على برامج الدعم العُمانية.
ويرى في المقابل إمكانية منح حوافز انتقالية مرتبطة بنمو الإيرادات والإنتاجية والتوظيف والصادرات، مؤكدًا أن البقاء صغيرًا ينبغي ألا يكون أكثر جاذبية اقتصاديًا من التحول إلى مؤسسة أكبر.
وأشار إلى أن المؤسسة تحتاج بعد التأسيس إلى تشخيص إنتاجيتها، وتطوير إدارتها، وربطها بالمشترين، وتمويل توسعها، ثم مساعدتها على التصدير.
واقترح أن يكون لكل مؤسسة مؤهلة للنمو ملف أداء اقتصادي يقيس تطورها سنويًا، بدلًا من الاكتفاء بعدد البرامج التدريبية التي التحقت بها أو حجم التمويل الذي حصلت عليه، مؤكدًا أن المعيار الحقيقي هو الأثر: كم زادت المبيعات؟ وكم تحسنت الإنتاجية؟ وكم وظيفة مستدامة أُنشئت؟ وكم سوقًا جديدًا دخلت المؤسسة؟
من الفكرة إلى بناء الجاهزية للتوسع
ومن تجربة مختلفة في قطاع السياحة التقنية، يقول هلال الراشدي، المؤسس والرئيس التنفيذي لمنصة GuiderX: إن الشركة لم تدخل بعد في مرحلة التشغيل التجاري الفعلي، سواء في سلطنة عُمان أو الأسواق الإقليمية، وأن ما أنجزوه حتى اليوم هو بناء الجاهزية الكاملة التي تسبق الإطلاق، وهي، في تقديره، أصعب من الإطلاق نفسه.
حين تتغير "قواعد اللعبة"
ومع الانتقال من التأسيس إلى التفكير في التوسع، يرى الراشدي أن التحدي الأول يتمثل في أن قواعد اللعبة تتغير تمامًا؛ ففي مرحلة التأسيس تكون المهمة: هل الفكرة صحيحة؟ أما في مرحلة الاستعداد للتوسع فيصبح السؤال: هل نستطيع تكرارها بانضباط مائة مرة دون أن ينكسر شيء؟ واصفًا ذلك بأنه انتقال من الحماس إلى الأنظمة.
أما التحدي الثاني فهو تنظيمي، ويصفه بأنه الأثقل في قطاعهم، إذ إن المنصات السياحية لا تدخل سوقًا جديدًا بضغطة زر؛ فلكل سوق اشتراطاته في ترخيص النشاط السياحي، واعتماد المرشدين، وتنظيم العلاقة التعاقدية معهم. ولذلك اختارت الشركة المسار الأطول عمدًا، وهو استكمال المتطلبات ومواءمة النموذج مع تنظيم كل سوق قبل التشغيل فيه.
وأشار إلى أنهم أعادوا صياغة الشروط والأحكام وسياسات الإلغاء والاسترداد لتتوافق مع اشتراطات وزارة التراث والسياحة ومع قانون حماية البيانات الشخصية في السلطنة، وهو جانب يستهلك وقتًا وموارد لا تحسبها الشركة في بداياتها، لكنه يمثل -بحسب الراشدي- الفارق بين شركة تعمل سنة وشركة تُبنى لتبقى.
أما التحدي الثالث، فيتمثل في ضبط إيقاع التوسع نفسه وتحديد الوقت المناسب لدخول سوق جديد، إذ يرى الراشدي أن الإغراء يكون دائمًا في التوسع مع كل فرصة تعرض على الشركة، بينما يكمن الانضباط في التوسع حين تكون الجاهزية التنظيمية والتشغيلية مكتملة.
الاستثمار في المرحلة الواقعة بين البناء والإيراد
وقال الراشدي: إن البيئة الاستثمارية في عُمان تحسنت كثيرًا، وهناك جهات حقيقية تستثمر في الشركات التقنية الناشئة الواعدة، كما أن برامج التمكين الحكومية أدت دورًا ملموسًا في تمكينهم من بناء ما أنجزوه دون رأسمال خارجي.
غير أن التحدي الذي يراه، من موقع المتابع وليس المتقدم، يتمثل في أن معظم الأدوات المتاحة مصممة لمرحلتين: مرحلة الفكرة والتأسيس في طرف، والشركات المستقرة ذات الإيراد في الطرف الآخر. أما المساحة بينهما، أي الشركة التي أنهت البناء ولم تطلق بعد، فهي الأضيق، وهي في الوقت نفسه أخطر مرحلة في عمر أي شركة تقنية، لأن الإنفاق يكون في ذروته فيما لم يبدأ الإيراد بعد.
وأشار كذلك إلى أن كثيرًا من الأدوات التقليدية تفترض أصولًا وضمانات مادية، بينما تتمثل أصول الشركة التقنية الحقيقية في منتج، وشبكة متعاقدة، واتفاقيات، وبيانات طلب، وهذه لا تُقيّم بالطريقة نفسها. كما أن السؤال الأول الذي يواجه أي شركة عُمانية أمام مستثمر إقليمي يظل: ما حجم سوقكم؟ ولهذا بنوا النموذج على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وليس على مستوى عُمان وحدها، ودعموه بقياس فعلي للطلب وبشراكات موقعة في تلك الأسواق.
وأضاف هلال أن أول حديث استثماري جاد تخوضه الشركة اليوم لم يأت من تقديم طلب، وإنما جاء من شراكة تجارية نضجت؛ إذ بدأت معهم مؤسسة سفر عريقة تعمل في السوق السعودي منذ أكثر من قرن بوصفها شريكًا، واستمرت لتصبح مستثمرًا محتملًا. ويرى الراشدي أن في ذلك درسًا للشركات الناشئة، يتمثل في أن أفضل مستثمر غالبًا هو شريك جرب العمل معك أولًا.
السوق المحلي والعقد الكبير
ويعتبر الراشدي محدودية السوق أو صعوبة الوصول إلى العملاء والعقود الكبرى التحدي الأكبر على الإطلاق للشركات العُمانية، بل يراه أكبر من الاستثمار.
وقال: إن حجم السوق المحلي يفرض حقيقة بسيطة: إذا بُنيت شركة تقنية لسوق عُمان وحده، فإنها تضع سقفًا على نفسها منذ اليوم الأول. ولذلك اتخذوا قرارًا مبكرًا بأن يكون التصميم إقليميًا منذ البداية، عبر منتج ثنائي اللغة، وهيكل عمولات قابل للتطبيق في أكثر من سوق، ونموذج شراكات لا يعتمد على جغرافيا واحدة، وبنية امتثال تستوعب اختلاف التشريعات.
أما العقود الكبرى، فيرى أن التحدي فيها مختلف، إذ لا يتعلق الأمر بإقناع العميل بالمنتج، وإنما بالأهلية للتعاقد؛ فالمؤسسات الكبيرة والجهات الحكومية تطلب سجلًا تشغيليًا، وقدرة على التوسع، وحوكمة، وأحيانًا حجم رأسمال أو سنوات خبرة لا تتوفر لشركة عمرها سنوات قليلة مهما كان منتجها جيدًا. وهنا تدخل الشركة في حلقة مغلقة: لا تحصل على العقد الكبير لأنها لم تنفذ عقدًا كبيرًا من قبل.
وأوضح أنهم يعملون على كسر هذه الحلقة بطريقتين؛ الأولى هي الشراكات بدل المنافسة المباشرة، فبدلًا من أن يطرقوا باب العميل المؤسسي وحدهم، يدخلون عبر شريك راسخ، سواء كان مشغل نقل، أو شركة فعاليات، أو مؤسسة سفر عريقة، يملك السجل والعلاقة والثقة، بينما تملك GuiderX المنتج والشبكة.
أما الطريقة الثانية، فهي طبقة B2B2C؛ فبدلًا من البيع لكل زائر على حدة، تدمج الشركة شبكة المرشدين داخل أنظمة الآخرين، ليصبح نموها مرتبطًا بنموهم.
ومع اتساع الشركة، يرى الراشدي أن أسلوب الإدارة نفسه يبدأ في التغير، موضحًا أنه في مرحلة التأسيس يعرف المؤسس كل شيء ويلمس كل تفصيل، لكن مع اتساع الشركة يصبح هذا الأسلوب نفسه عائقًا. ويصف أصعب تحول شخصي مر به بأنه الانتقال من «أن أفعل» إلى «أن أبني من يفعل».
وفي التوظيف، يرى أن التحدي لا يتمثل في إيجاد موظفين، وإنما في إيجاد الكفاءات المتخصصة القادرة على العمل في بيئة شركة ناشئة، بما يعنيه ذلك من غموض ومسؤولية عالية وموارد محدودة. كما أن المنافسة على هذه الكفاءات لا تقتصر على الشركات الناشئة الأخرى، وإنما تشمل القطاع الحكومي والشركات الكبرى التي تقدم استقرارًا لا تستطيع الشركات الناشئة مجاراته في البداية.
وأضاف أن الشركة بنت فريقًا أساسيًا متينًا، منه المهندسة راشدة الحضرمية كقائدة تقنية، وفرحات حمود في الرقابة المالية، واستفادت من برامج التشغيل المرتبطة بوزارة العمل لتوصيف وتأهيل وظائف محددة بدل التوظيف العشوائي.
ما بعد التأسيس يحتاج أدوات مختلفة
ويرى الراشدي أن الفرق جوهري بين احتياجات التأسيس واحتياجات النمو؛ فالدعم في مرحلة التأسيس مصمم لتقليل خطر الفشل من خلال مساحات العمل والمنح الصغيرة والتدريب والإرشاد، أما مرحلة النمو فتحتاج إلى دعم مصمم لتسريع الانتشار، وهو نوع مختلف تمامًا من الأدوات.
وأضاف: من واقع التجربة أن ما تحتاجه شركات هذه المرحلة ليس دعمًا أكثر فحسب، وإنما انضباطًا تخطيطيًا أعلى، بحيث تبدأ من الرؤية وتعود عكسيًا إلى خطة تنفيذية بجداول زمنية واضحة، لأن المستثمر يدخل على الشركة التي تعرف بالضبط ماذا ستفعل بالريال القادم ومتى.
وحدد الراشدي خمسة أمور تحتاجها شركات النمو؛ أولها الوصول إلى السوق وليس إلى الاستثمار فقط، إذ يرى أن عقدًا واحدًا مع جهة كبيرة أو مؤسسة حكومية يساوي عدة جولات استثمارية، لأنه يمنح إيرادًا وسمعة ومرجعية في آن واحد.
ويتمثل الأمر الثاني في أدوات استثمارية لمرحلة ما قبل الإيراد، تناسب الشركات التقنية غير المرتكزة على أصول مادية، وتقيّم المنتج والشبكة والاتفاقيات بوصفها أصولًا حقيقية، وبدورات قرار تقاس بالأسابيع وليس بالأشهر.
أما الثالث فهو دعم التدويل؛ إذ يرى أن الشركة العُمانية في مرحلة النمو محكوم عليها بالخروج إقليميًا، وتحتاج إلى مساندة عملية تشمل تسهيل تأسيس الكيانات، والمعرفة القانونية والتنظيمية بالسوق المستهدف، والربط بالشركاء، والتمثيل المنظم في المحافل الإقليمية.
ويتعلق الأمر الرابع بـالكفاءات والحوكمة، من خلال برامج تستقطب كفاءات متخصصة إلى الشركات الناشئة، ومجالس استشارية حقيقية تساعد المؤسس على بناء مؤسسة، وليس شركة فردية.
أما الخامس فهو تنظيم يواكب النماذج الجديدة، إذ يفرض قطاع السياحة الرقمي أسئلة لم تكن موجودة، من بينها: من المسؤول في نموذج المنصة؟ وكيف ترخص التجربة التي يقدمها مرشد مستقل عبر تطبيق؟ ويرى أن وضوح الإجابة يسرع الاستثمار والإطلاق معًا.
النمو يفرض إعادة تنظيم الشركة
ومن واقع تجربتها في العمل مع شركة ناشئة، ترى خلود الخنبشي، المدربة في مجال التسويق وأخصائية تسويق في شركة القاعدة للمشاريع المتكاملة، أن أبرز تحد يواجه الشركة بعد تجاوز مرحلة التأسيس يتمثل في تغير متطلباتها مع النمو؛ ففي البداية يكون التركيز على إنجاز العمل والوصول إلى العميل، لكن مع زيادة المشروعات والعملاء تظهر الحاجة إلى أنظمة واضحة، وتوزيع أفضل للمهام، وإدارة الفريق، ومتابعة الجودة والتكاليف.
وأكدت أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في الحصول على المزيد من العملاء، وإنما في القدرة على خدمة عدد أكبر منهم بالكفاءة نفسها.
الفرصة الأولى والعقد الأكبر
وتعتبر الخنبشي الوصول إلى العملاء والعقود الكبرى تحديًا واضحًا أمام الشركات الناشئة، لأن كثيرًا من الجهات تبحث عن سجل أعمال وخبرة سابقة وقدرة تشغيلية كبيرة.
وأوضحت أن الشركة قد تكون قادرة على تقديم الخدمة، لكنها تحتاج إلى فرصة أولى لإثبات قدرتها، كما أن محدودية بعض الأسواق تجعل الشركة بحاجة إلى تنويع خدماتها أو البحث عن أسواق وعملاء جدد حتى تستمر في النمو.
ومع نمو الشركة، تقول الخنبشي: إن الحاجة تصبح أكبر إلى التخصص بدلًا من أن يقوم شخص واحد بعدة مهام، حيث تظهر تحديات في اختيار الأشخاص المناسبين، وتحديد المسؤوليات، ومتابعة الأداء، إلى جانب ارتفاع التكاليف التشغيلية.
وأكدت أهمية وجود تنظيم واضح للعمليات، وأن يتم التوظيف بناءً على الاحتياج الفعلي، وليس فقط الرغبة في تكبير الفريق.
وترى الخنبشي أن احتياجات الشركة في مرحلة النمو تختلف عن مرحلة التأسيس؛ فالشركة الناشئة في البداية تحتاج إلى دعم يساعدها على إطلاق الفكرة وإثباتها، بينما تحتاج الشركة التي بدأت تنمو إلى أدوات تساعدها على التوسع، تشمل التمويل المناسب، والعقود والفرص التجارية، والتطوير الإداري، واستقطاب الكفاءات، والتحول الرقمي، والاستشارات المتخصصة.
كيف تقرأ "ريادة" فجوات النمو؟
وبعد الوقوف على تجارب رواد الأعمال والشركات وما يواجهونه من تحديات في التمويل والإدارة والوصول إلى الأسواق والعقود، حاورت "عُمان" هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة للوقوف على قراءتها لواقع انتقال المؤسسات إلى فئات أكبر، والأدوات والبرامج التي تعمل من خلالها على دعم هذه الرحلة.
قالت مزون بنت مبارك الحضرمي، أخصائي قيمة محلية مضافة في هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة "ريادة": إن الهيئة تنظر إلى نمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة باعتباره مؤشرًا يتجاوز مجرد الانتقال من تصنيف إلى آخر، ليشمل بناء مؤسسات أكثر قدرة على النمو والتوسع والاستدامة، وكذلك المنافسة في الأسواق المحلية والإقليمية.
وأوضحت أن انتقال المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى تصنيف أعلى يقاس بناءً على عدد العاملين والإيرادات السنوية للمؤسسة، وهي العوامل التي يتم تصنيف المؤسسات على أساسها.
وحول الأسباب التي تحد من قدرة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على النمو والتوسع، أشارت الحضرمي إلى وجود عدة عوامل، من أبرزها محدودية الوصول إلى الأسواق وفرص الأعمال، والتمويل المناسب لمرحلة التوسع، إلى جانب الحاجة إلى تطوير القدرات الإدارية والمالية والموارد البشرية، والتحول الرقمي والتقني لهذه المؤسسات.
وأشارت إلى إمكانية ظهور فجوة بين مرحلة تأسيس المؤسسة ومرحلة التوسع؛ إذ قد تنجح المؤسسة في بناء قاعدة عملاء وتحقيق الاستقرار، لكنها تحتاج إلى قدرات إضافية للانتقال إلى نموذج قابل للتوسع والنمو والاستدامة.
وأكدت أن من هنا تبرز أهمية الانتقال من برامج دعم التأسيس إلى برامج دعم النمو، وذلك من خلال دعم المؤسسة في رفع كفاءتها وزيادة إنتاجيتها وقدراتها التنافسية.
"تصعيد" لدفع المؤسسات إلى مستوى أكبر
وفيما يتعلق بالبرامج والمبادرات التي تقدمها الهيئة لمساعدة المؤسسات على التوسع ورفع تصنيفها، قالت الحضرمي: إن من أبرز البرامج الاستراتيجية لـ«ريادة» المعنية بهذا الجانب برنامج "تصعيد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة"، الذي يهدف إلى التسريع من نمو المؤسسات وتوسعها إقليميًا وعالميًا، إلى جانب تعزيز وصولها إلى خيارات تمويلية وأسواق جديدة وفرص تجارية أكثر.
وأوضحت أن برنامج «تصعيد» يمثل توجهًا نحو الانتقال بالمؤسسات من مرحلة الاستقرار إلى مرحلة النمو والتوسع، من خلال التركيز على المؤسسات التي تمتلك مقومات النمو، والأقرب إلى رفع تصنيفها، وتحتاج إلى تطوير قدراتها للوصول إلى مستويات أعمال أكبر.
وأشارت الحضرمي إلى أن مؤشرات التحول في الحجم خلال عام 2025 تعكس أثر برامج التمكين والتطوير في رفع تصنيف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة؛ إذ بلغ عدد المؤسسات الصغيرة التي تحولت إلى مؤسسات متوسطة 294 مؤسسة، فيما بلغ عدد المؤسسات المتوسطة التي تحولت إلى كبيرة 41 مؤسسة.
العقود وسلاسل الإمداد في المرحلة المقبلة
وترى الحضرمي أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز برامج النمو المتخصصة القطاعية، وربط الدعم بالفرص التجارية والعقود وسلاسل الإمداد، إلى جانب توفير حلول تمويلية تتناسب مع احتياجات التوسع.
وفي دور الممولين والشركات الكبرى والعقود والمشتريات الحكومية، أكدت الحضرمي أن هذه الأطراف تلعب دورًا محوريًا في دعم نمو المؤسسات من خلال منحها الفرصة للدخول في سلاسل الإمداد لهذه الشركات؛ فالحصول على عقود حقيقية يوفر للمؤسسة الدعم الذي يمكنها من الاستثمار في التوسع، وتوظيف الكفاءات، ورفع الطاقة الإنتاجية، وتحسين الجودة.
وأشارت إلى أن بيانات الهيئة تظهر تحسنًا في مشاركة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في إجمالي العقود، حيث ارتفعت من 7% في عام 2023 إلى 15% في عام 2024، ثم إلى 23% في عام 2025، وهو مؤشر مهم على تنامي اندماجها في منظومة التعاقد وسلاسل التوريد، وحضورها في منظومة الإسناد، وتوسع فرصها في الاستفادة من الأعمال المطروحة من قبل الجهات المانحة للفرص.
