No Image
الاقتصادية

مسارات بديلة لتجارة البضائع المشحونة في الخليج

25 سبتمبر 2026
25 سبتمبر 2026

أندرو انجلاند وآخرون – الفاينانشال تايمز

ترجمة قاسم مكي

أسَّس ديفيد وهو رجل أعمال من بريطانيا شركةَ رعاية صحية في دبي قبل أكثر من خمس سنوات لأن المدينة "في موقع مثالي بين أوروبا وآسيا."

لكن بعد سبعة شهور من الحرب التي أشعلتها هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران تغيرت الأوضاع بشدة لشركته التي تستورد قفازات الفحص الطبي من الصين وجنوب شرق آسيا وتبيعها في الخليج وبريطانيا.

فخلال معظم هذا العام كانت الشركة تدفع ما يصل الى 10 ألف دولار لشحن حاوية 40 قدما الى الإمارات من الصين وذلك من حوالي 1250 دولار قبل أن تغلق إيران، الى حد كبير مضيق، هرمز الحيوي. وارتفع التأمين البحري من 120 دولار الى ألف دولار للحاوية الواحدة. كما تضاعفت المدة المعتادة للنقل البحري الى الإمارات إلى 60 يوما. وقال رجل الأعمال المذكور أن الشحنات كثيرا ما تتعطل في منتصف الطريق انتظارا لإعادة شحنها بحرا عند ميناء موندرا في الهند أو كولومبو في سريلانكا.

يقول ديفيد "العمل التجاري جيد فقط إذا أمكنني إيصال المنتجات الى الميناء. إنه لكابوس أن تشحن الحاويات الى الإمارات الآن."

لأكثر من شهر ظل الرئيس دونالد ترامب يفاخر بأن المضيق مفتوح والألغام أزيلت والولايات المتحدة "تسيطر" على الممر المائي على الرغم من الضربات المتبادلة مع إيران.

وذكرت إدارته مرارا أن الولايات المتحدة ترافق الناقلات المحملة بالملايين من براميل النفط عبر نقطة اختناق هرمز.

سفن السلع الأخرى

مع ذلك وفي حين يركز ترامب على النفط يظل المضيق مغلقا أمام السلع الأخرى. وتتكبد الشركات على مدى شهور تكاليف باهظة للالتفاف حول ما أصبح ميدان المعركة الرئيسي في حرب الولايات المتحدة مع إيران.

الخليج مورِّد رئيسي للغاز الطبيعي المسال والوقود المكرر والبتروكيماويات والمواد الأولية للأسمدة والهليوم الى جانب إمداد العالم بالنفط. ولم تصدِّر قطر وهي ثاني أكبر منتج للغاز في العالم كمياتٍ تذكر من الغاز منذ بداية الحرب.

وفي حين تدخل وتخرج بعض ناقلات النفط عبر المضيق تحت الغطاء الجوي الأمريكي إلا أن حركة السفن الأخرى تراجعت الى الحد الأدنى. من بين أسباب ذلك أن أسعار الشحن التي يمكن أن تحصل عليها مقارنة بالناقلات تجعل المخاطرة بعبوره بلا جدوى اقتصاديا. فناقلات النفط العملاقة في بعض الحالات تحصل على أسعار قياسية لخطوط تجارة الشحن البحري في الشرق الأوسط تصل الى مليون دولار في اليوم. هذا في حين تحصل سفن البضائع السائبة حتى الآن على عشرات آلاف الدولارات فقط.

سفن الحاويات من بين تلك الأكثر تجنبا للمخاطرة. فعدد التي عبرت منها إلى الخليج في الفترة من 1 مارس وحتى 7 سبتمبر تراجَع الى 240 سفينة بنسبة 94% من 4198 سفينة قبل عام، حسب منصة تحليل بيانات الشحن البحري "زنيتا."

قبل الأزمة كان هنالك 99 خط خدمة حاويات يعمل في الخليج أو عابر الى الخليج. وتتولى هذه الخطوط تشغيل 10% من أسطول الحاويات العالمي. أما الآن فيوجد 11 خط نشط فقط عشرة منها تعمل بين الموانئ داخل الخليج وخط ملاحي واحد مخصص لشحن البضائع بين إيران والصين.

تراجعت صادرات السلع الحيوية بشكل حاد. ففي يناير تم نقل 2.93 مليون طن من الحجر الجيري عبر المضيق إلى جانب 1.45 مليون طن من الكبريت و1.1 مليون طن من سماد النيتروجين و1.7 مليون طن من الذرة، حسب منصة السلع كيبلر.

وفي أغسطس هبطت هذه الأرقام إلى الصفر بالنسبة للحجر الجيري و120 ألف طن للكبريت و340 ألف طن لسماد النيتروجين و310 ألف طن من الذرة. ويشمل ذلك سفن البضاعة الجافة والسائبة التي تبحر من وإلى إيران.

في الخليج نفسه لا توجد أوضاع نقص خطيرة. لكن بعض العلامات التجارية اختفت من المتاجر. يقول بائع بمتجر لمعدات الرياضة أن خوذات دراجات الأطفال نفدت منه. ولم يستطع وكلاء السيارات جلب الموديلات الجديدة. كما ارتفعت التكاليف للشركات والمستهلكين.

يقول مسئول خليجي "ما يفعله الأمريكيون الآن غير قابل للاستدامة في الأجل الطويل ... إنهم يركزون فقط على اخراج النفط والغاز وليس إدخال البضائع والسلع. في النهاية هنالك حدود لذلك." ويضيف "نحن ندفع ثلاثة أضعاف سعر الأرز قبل الحرب لأننا ننقله عن طريق البر. لا بأس في ذلك الآن. لكن ليس في الأجل الطويل. سواء للخليج أو للأمريكيين."

ضغوط أخرى ومسارات نقل بديلة

يعتقد جيسون توفي اقتصادي الشرق الأوسط بشركة "كابيتال ايكونومكس" أن الضغوط على الإمدادات ستؤثر على الموازنات الوطنية لبلدان الخليج.

يقول "هي بالتأكيد تقدم دعما ماليا للتخفيف من اضطرابات الإمدادات. وقد أبقت في معظمها باستثناء الإمارات على ثبات الأسعار المحلية للوقود." ويضيف أن ذلك "تترتب عنه تكلفة مالية في وقت تعاني فيه بلدان مثل قطر والكويت والبحرين من ضربة كبيرة لإيراداتها." ومن المرجح، كما يقول أيضا، أن تكون السعودية بحاجة الى الاستمرار في خفض الإنفاق.

كما تواجه شركات النقل البحري المزيد من الاضطراب بعد تشديد الحوثيين سيطرتهم على مضيق باب المندب. وهو ممر مائي استراتيجي آخر.

هنالك مشكلة كبرى وهي أن "ميناء جبل علي" على الساحل الشمالي لإمارة دبي، وهو الى حد بعيد أكبر مركز شحن بحري في المنطقة، عُزِل عمليا عن البحر بإغلاق مضيق هرمز.

قبل الحرب كان الميناء يتعامل مع حوالي 40 ألف وحدة تكافئ 40 قدما في اليوم، حسب قائمة لويدز. وهذا ما جعل جبل علي الميناء التاسع الأكثر ازدحاما في العالم. فالسلع التي تشحن من وإلى الشرق والغرب ترسو سفنها هناك. وتلك التي مقصدها النهائي جيران الإمارات يتم تحويلها الى سفن أصغر لاستكمال الرحلة.

لكن الآن الميناء الرئيسي في الإمارات لبضاعة العبور خارج مضيق هرمز هو خور فكان. إنه أصغر كثيرا إذ توجد به 6 مرابط سفن و18 رافعة رصيف مقارنة بجبل على الذي به 27 مربط و120 رافعة. ويعاني ميناء خور فكان الآن في مناولة الأحجام الكبيرة من البضائع التي تقصده.

يقول ديفيد "لدىَّ حاويتان محبوستان في ميناء موندرا بالهند ويلزمني الانتظار أملا في تأكيد شحنهما في السفينة التالية. سيعتمد ذلك على الطاقة الاستيعابية المتاحة على متنها."

ينقل آخرون البضائع بالشاحنات برا من موانئ سلطنة عمان ومن ميناء جدة وساحل البحر الأحمر. وتنقل الحكومات الخليجية بعض الأصناف التي تعتبر ذات أولوية عن طريق الجو.

نتيجة لذلك تشهد سلطنة عمان ازدهارا في موانئها والتي تقع خارج المضيق مع ارتفاع حاد في حجم البضائع بنسبة 69% هذا العام.

وزادت حركة الشاحنات العابرة بما يقارب ثلاثة أضعافها الى 116088 شاحنة حتى الآن في عام 2016 مقارنة بعام مضى، حسب بيانات عمانية رسمية.

لا يوجد للشركات في قطر والبحرين والكويت خيار يذكر سوى نقل السلع بالشاحنات أو الطائرات. فموانئ هذه الدول توجد داخل الخليج على الجانب المسدود من مضيق هرمز.

يقول فينسنت كلارك الرئيس التنفيذي لشركة الملاحة الدنماركية ميرسك "لدينا بلدان مثل قطر نخدمها اليوم أساسا بجلب البضائع الى جدة ونقلها برا بالشاحنات الى الدمام. ثم أخذها من هناك على سفينة الى قطر. تلك هي أسرع طريقة لتوصيلها."

وتقول شركة الملاحة الألمانية هاباج-لويد أن ما يسمى "الجسر البري" أضاف وقتا يتراوح بين 7 الى 10 أيام للرحلة "الى جانب البنية التحتية الإضافية والتنسيق". وذكرت الشركة أن أزمة الخليج جعلتها تتكبد تكاليف إضافية تبلغ 50 مليون دولار أسبوعيا.

تحديات

تشكل أحجام البضائع التي يمكن أن تنقلها سفن الحاويات تحديا هائلا لنقلها بواسطة الشاحنات والطائرات.

يقول توبياس ماير الرئيس التنفيذي للشرق الأوسط وافريقيا بشركة الشحن العالمي "دي اتش إل" أن نقل ما يكافئ سفينة واحدة تحمل 20 ألف حاوية 20 قدما يحتاج الى 10 ألف شاحنة. ويضيف "طائرة بوينج777 يمكنها عادة نقل 100 طنا من البضاعة وهو ما يماثل خمس حاويات 20 قدما. لذلك إحلال سفينة واحدة سعة 20 ألف حاوية 20 قدما سيحتاج إلى 4 ألف رحلة بالطائرة. إنها مسألة حساب فقط."

الرحلات البطيئة لها مشاكلها أيضا. تستخدم شركة "يوروبيستري" التي تنتج سلع المخابز المجمدة السفنَ والشاحناتِ لنقل منتجات الشركة الى الإمارات من أوروبا. وتقول دوفيل فيلكيني المدير العام للشرق الأوسط بالشركة إنهم أسسوا حديثا مسارات بديلة للتجارة. لكن فترات التوريد يمكن أن تشكل تحديا.

تشرح ذلك بقولها "تحتاج مدة الشحن إلى ثلاثة أو أربعة أسابيع إضافية ... نحن أيضا نواجه مسائل تتعلق بفترات الصلاحية بعد إذابة السلع التي تصل بسبب المسارات التي لا يمكن التحكم في أوضاعها والتأخيرات عند التفريغ." وتضيف "تزداد تكاليف التصنيع والمواد الخام. الزبائن هنا لا يريدون تحمل الزيادات في الأسعار" مع ارتفاع التكاليف في مختلف أنشطتهم بسبب الحرب.

يعتقد سكوت ليفرمور كبير الاقتصاديين بشركة "اكسفورد ايكونوميكس" للشرق الأوسط أن الغذاء في يتموضع في قلب الآثار التضخمية للأزمة. فأسعاره "حساسة على نحو خاص تجاه اضطراب التجارة مع شكوى المنتجين من ارتفاع تكاليف المدخلات.

تخطط موانئ دبي العالمية التي تتولي تشغيل ميناء جبل علي لتشييد محطتي موانئ جديدة في الفجيرة على ساحل بحر عمان بما يساوي نصف الطاقة الاستيعابية للبضائع العامة في ميناء جبل علي. وسيستغرق تشييد المنشأتين حوالي العامين.

يقول ديفيد ستظل دبي المركز المفضل لنشاطه. ويعتقد أن موانئ الفجيرة الجديدة ستخفف من اختناقات الشحن البحري بالإمارات. لكنه يضيف قائلا حتى ذلك الحين وطالما ظل الشحن البحري مقيَّدا في المضيق "حتما سيَقِلُّ نشاطنا هنا."