No Image
روضة الصائم

فتاوى يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان

24 سبتمبر 2026
24 سبتمبر 2026

شخص ارتكب الذنوب في حياته، فتاب منها، ورأى شخصًا يرتكب تلك الذنوب أيضًا، فقام بنصحه، فردّ المنصوح: لا تتحدث عن شيء كنت فيه بنفسك قبل ذلك، كيف يكون الجواب إذًا؟ وما حكم هذا التصرف؟

لا ينبغي أن يصرفه مثل هذا الجواب عن الاستمرار في تقديم النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتنويع الأساليب التي يصلح بها، قدر استطاعته، أحوال الواقعين في شيء من المعاصي والآثام؛ لأن الذي يدعو إلى الله تبارك وتعالى، وينصح الناس، ويوصيهم بالحق، لا بد أن يصبر على الأذى الذي سيلاقيه، فإن طريق الدعوة إلى الله تبارك وتعالى ونصح الناس مليء بمثل هذه العقبات، فلا تضق نفسه بما يسمعه من أذى، ولا ينبغي له أن يأنف من المداومة على نصح غيره بمثل هذه الأقاويل والعقبات التي سيواجهها.

وإنما عليه أن يبحث عن وسيلة أخرى، وأن يأخذ من مثل هذه الكلمات التي يسمعها ما يعينه على أن يلج إلى نفوس المدعوين، فمثل هذا الخطاب، على سبيل المثال، يمكن أن يرد عليه: إنه من أجل ذلك أنصحك، فقد وقعت في نفس الأخطاء، وتبيّن لي الظلام الذي كنت فيه، ورأيت المعاناة، ويبيّن له شيئًا مما مرّ به، مما يبغّضه في تلك المعصية، ثم يبيّن له فضل الله عز وجل عليه بالتوبة، بعدما أضاع عمره في مقارفة تلك المعصية، ويبيّن له حدبه عليه، وأنه لا يريد له أن يضيّع مثل تلك المدة، وأن يمر بمثل تلك التجارب والهنات التي وقع فيها، وليتلطف في القول معه، فليوطّن نفسه على مواجهة مثل هذه الصعوبات.

فإن الاضطلاع بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق يحتاج إلى احتمال للأذى، وكظم للغيظ، وصبر على أذى الناس، وصلة متينة بالله تبارك وتعالى تعينه على تخطي مثل هذه العقبات، وأن يحتسب الأجر والثواب من ربه جل وعلا.

أما أخونا الذي وقع في أن يرد على الناصح له بمثل هذا القول، فأيضًا نهمس في أذنه أن الناصح لك ما نصحك إلا من محبته لك، نعم، ومن قصده الخير لك، وأن يجنّبك الوقوع فيما أنت فيه، فخذ منه واقبل نصحه، واسْعَ قدر استطاعتك إلى أن تدرّب نفسك على القبول، وأن تجاهد هذه النفس، وأن تحسن الظن بإخوانك الذين ينصحونك.

فما قصدوا التشهير ولا التثريب ولا التحقير، وأنت إن استجبت لهم ففي الحقيقة أنت تتغلب على نفسك، لا تظن أن غيرك ينتصر عليك، بل أنت المنتصر؛ فلأن قبول الحق يعني الانتصار، والتمسك بالصراط المستقيم يعني أنك تعتز بالله تبارك وتعالى، وتعتز بانتمائك إلى هذا الدين الحنيف، وأنك عرضة للخطأ، ولكنك لا تصر على الخطأ، لا يصر على الخطأ إلا المغرور المكابر الجاهل، والعياذ بالله.

أما الذي يتحرى مرضاة ربه، ويسعى إلى الفوز في الآخرة، فإنه يقبل النصح ممن كان، حتى ولو كانت هذه النصيحة من مجاهر بالمعصية، لكن النصيحة في ذاتها حق وصواب، فإنه لا يأنف من قبولها، ولا يفتش في ثنايا نفسه عن حقيقتها، ويسعى إلى أن يستفيد من غيره، وأن يتعظ بغيره، فإن العاقل من اتعظ بغيره، لا من كان عظة لغيره، والله تعالى الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

والحقيقة، الكثير من، كما تفضلتم، التجارب الآن، التجارب الذاتية التي وقع الناس في خطاياها، أصبحوا يؤلفون عنها، صحيح، إنهم يبيّنون مشكلاتها وآثارها العميقة، أيضًا يُعرف اليوم في علم المنطق بمغالطة الشخصنة، يعني بمعنى يركز على الشخص ولا يركز على ما يقول.

شخص يستمر مفعول التوبة لديه لمدة أسبوعين أو ثلاثة كحد أقصى، ثم يعود للمعصية، فيندم ويتوب وهكذا، هل هذه من صفات المنافقين؟ وهل هو ممن طبع الله على قلبه؟ هل يمكنه بعد كل هذه الإخفاقات أن يتوب إلى الله تعالى توبة مستمرة؟

لا شك في ذلك، بما أنه يندم، ويلوم نفسه، ويحاسب نفسه، بعدما يعود إلى المعصية التي تاب منها، فإن هذا يدل على أن قلبه يقظ، وأن نفسه حية تلومه بوقوعه في الخطأ وفيما يسخط الله تبارك وتعالى، وهذا الندم هو أول خطوة في سبيل التوبة إلى الله تبارك وتعالى.

فليغتنم الفرصة حينما يجد ذلك الشعور بالندم مما قارفه، وليتب إلى الله عز وجل، وليستغفره سبحانه مما وقع فيه، وليجدد توبته، ولا ييأس، لا يترك للشيطان أن يورثه اليأس والقنوط لتكرر وقوعه في معصية كان قد تاب منها، وإن أمد تلك التوبة لم يستمر لأكثر من أسبوعين، هذا من تيئيس الشيطان.

إن باب التوبة مفتوح: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى ٰأَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا»، فعليه أن يجتهد في التوبة، وأن يستغفر، وأن يعوّد نفسه أن يتوب في كل لحظة وحين، وأن يستغفر الله تبارك وتعالى، وأن يكثر من ذكره، ثم لا بد له من أن يبحث عن الأسباب التي أدت به إلى النكوص، فقد يكون قد أُتي من قِبَل قرناء سوء، لا يذكرونه بالله تبارك وتعالى، يرشدونه إلى الغي، يدعونه إلى الغي والضلال، والعياذ بالله.

ويمكن أن يكون قد أُتي من قِبَل الغفلة والعزلة، فتجده ميالًا إلى أن يعزل نفسه، لا يشارك إخوانه، لا يشارك أسرته، ينطوي على نفسه، فتكون منافذ الشيطان إليه أوسع، فعليه أن يجتنب ذلك، وأن يحرص على أداء الصلاة في جماعة، وأن يحرص على حضور حلقات العلم، وأن يختار قرناء صالحين يعينونه، وأن يشتغل بما ينفعه ويفيده من أمر دينه ودنياه.

وإن كان قد أُتي من قِبَل ما تسعى إليه نفسه الأمارة بالسوء، من شهوة، نظر إلى محرّم تثير في نفسه كوامن الشهوة، فيقع في فخ الشيطان بمقارفَة شيء من المعاصي، فليحصّن نفسه من مثل هذه المعاصي، من أبواب الفتن هذه، فليغض بصره، وليملأ قلبه بالخوف من الله تبارك وتعالى، وليذكّر نفسه بأن ربه جل وعلا مطلع عليه، مراقب له، وأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

وليخرج من تلك الحالة التي هو فيها إلى ما يشغل به نفسه من أمر الدين والدنيا، مما هو صالح مفيد، أي من أمر الدنيا.

فهكذا يظل المسلم في مجاهدة، والله تعالى يقول: «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ»، ولو كان أمر الاستقامة أمرًا يسيرًا سهلًا مقدورًا عليه، لا يحتاج إلى مجاهدة، لما علّمنا ربنا تبارك وتعالى أن نقرأ في كل ركعة من كل صلاة مفروضة أو مندوبة، أن نقرأ قوله: «اهدنا الصراط المستقيم».

فالمسلم لا يستغني عن طلب الهداية من الله تبارك وتعالى، وهو في سبيله ذلك يجاهد نفسه الأمارة بالسوء، ويتنبه لمنافذ الغفلة ولأبواب الشيطان والوسوسة، وللشهوات العاجلة التي تعقبها الحسرة والندامة، فيحرص على مجاهدة ذلك كله، وبتعلقه بالله تبارك وتعالى، ومحافظته على الفروض، واختياره للرفقة الصالحة، وإقباله على كتاب الله عز وجل، وعلى ذكره جل وعلا بصنوف الذكر المختلفة، فإنه يقوى بذلك، ويسهل عليه أن يحارب مكائد الشيطان، وأن يحمل نفسه على الخير والصلاح والاستقامة والرشد، نسأل الله تعالى ذلك لنا ولإخواننا جميعًا، والله تعالى الموفق.

هناك من يذهب للحج وهو لم يُوفِّ حقوق العباد، رغم علمه أنهم غير راضين عنه، وهناك من يرى أن الحج يغفر المظالم مثل حقوق العباد، فما قولكم في ذلك؟ وهل الحج يغفر ذنب الظلم والضرر إذا كان المتضرر يعاني منه حتى الآن؟

حقوق العباد لا يكفّرها إلا التوبة منها والخلاص من تبعاتها، فمن أكل مال أحد بغير وجه حق، أو ظلمه في ماله، أو في نفسه، أو في عرضه، فإن عليه أن يتوب إلى الله تبارك وتعالى، وأن يستغفر ربه، وأن يؤدي الحقوق إلى أصحابها بدفعها إليهم، ويتحلل منها. فذهابه إلى الحج، كما هو الحال في جهاده في سبيل الله، لا يسقط عنه حقوق الآدميين.

ولذلك فإن العلماء اتفقت كلمتهم على أن قاصد بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج، عليه أن يتحلل من هذه الحقوق اللازمة عليه، وفي صدارتها ما يتعلق بحقوق عباد الله عز وجل التي أكلها بغير وجه حق، من أموال أو من أعراض أو في أنفسهم. نعم، عليه أن يتوب إلى الله جل وعلا، وأن يتخلص منها، وأن يدين لله تبارك وتعالى بالتوبة والإنابة والخلاص مما يمكن أن يكون قد وقع فيه، وينبغي له أن يفتش عما يمكن أن يكون قد صدر منه من مثل هذه المظالم، وأن يسعى إلى التحلل منها بالتوبة والخلاص، وباستبراء أصحابها وأداء الحقوق إليهم؛ لأن الحج فريضة لا تجب إلا مرة واحدة في العمر.

فهو ليس كسائر العبادات التي تتكرر فرضيتها، وإنما وجوبه مرة واحدة، وتبرأ الذمة بأداء هذه الفريضة، ومعلوم أن من شروط قبول الأعمال الخلاص من مثل هذه المبطلات، وأعظم هذه المبطلات مقارفة الكبائر، بظلم الناس والتعدي عليهم في أموالهم أو أنفسهم أو في أعراضهم، ولهذا شدد أهل العلم على قاصد الحج في أن يتخلص من هذه التبعات جميعًا، وأن يدين لله عز وجل بالتوبة والإنابة وأداء الحقوق.

فيما لم يخطر له على بال، أو فيما صدر منه على سبيل السهو أو الغفلة، فينبغي أن تتسع لذلك قلوب الناس، ولا حرج في تذكيره بأن عليه حقًا لأخيه، سواء كان ذلك ممن وقع عليه الظلم أو من غيره ممن اطلع عليه؛ لأن ذلك من النصح للمسلمين، ومما يزيل سخائم النفوس، ويخلّص هذه النفوس من أي تبعات يمكن أن تلحقها.

فلا يظنن ظانٌّ أن ذهابه إلى الحج يكفّر له هذه المظالم، وأنه بأدائه لفريضة الحج يكون قد استبرأ لنفسه من هذه الحقوق التي عليه، فمن فعل وذهب إلى الحج، وكان جاهلًا أو لم ينتبه، فإن عليه أن يبادر إلى أداء هذه الحقوق بالتواصل مع أصحابها، أو بتوكيل غيره لأداء هذه الحقوق إليهم، أو بالإيصاء بها، هذا أقل ما يمكن أن يقال في من فاته، وقد ذهب إلى الحج، في من فاته أن يتخلص من هذه التبعات وقد ذهب إلى الحج.

فلينتبه لنفسه، وليتدارك حتى يرجع من حجه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كيوم ولدته أمه، وحتى يكون حجه مبرورًا، وذنبه مغفورًا، وسعيه مشكورًا، لا مناص له من الخلاص من هذه التبعات والحقوق، والله تعالى أعلم.