ونزعنا ما في قلوبهم من غل
وأنا أقرأ سورة الحجر توقفت طويلًا أمام آية: "وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ"، فهذه الآية تحكي عن حال أصحاب الجنة، وكيف أن الله نزع ما في صدورهم من الحقد والكره والحسد والأدواء القلبية التي لا يكتمل نعيم الجنة إلا بانتزاعها وانتفائها عن أصحابها، وعندما رجعت إلى تفسير القرطبي وجدت أنه يذكر قولًا لابن عباس يقول فيه: "أول ما يدخل أهل الجنة الجنة تعرض لهم عينان، فيشربون من إحدى العينين فيذهب الله ما في قلوبهم من غل، ثم يدخلون العين الأخرى فيغتسلون فيها فتشرق ألوانهم وتصفو وجوههم، وتجري عليهم نضرة النعيم"، وهذا يعني أنه تنتفي من قلوبهم صفة الغل، فلا يتحاسدون ولا يكرهون ولا يحقدون وهم في الجنة.
فهذا المرض القلبي يكتنزه الإنسان في صدره تجاه غيره، فهو يستحوذ على القلب ويفيض منه حتى يملأ الصدر، ولذلك عبّر الله عنه في سورة الحجر، وفي سورة الأعراف أيضًا بأنه ينزعه الله من الصدور، فقال في سورة الأعراف: "وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"، وكما نعلم أن القلب هو مضغة في الجسد كما سماه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو مستقر الروح، فإن صفا استقام عيش صاحبه، وإن كدر حُرم طمأنينة الدنيا وفضل الآخرة.
وينبت الغل في القلب لأسباب كثيرة، ولعل أبرز أسبابه في هذا العصر الذي نعيش فيه هي فتنة المقارنات، فقد فُتحت الأبواب على مصاريعها ليرى المرء تفاصيل نِعم الآخرين دون أن يدري عن ابتلاءاتهم، وذلك من خلال نوافذ وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، فتولد المقارنات المجردة مشاعر الحرمان والنقص التي تغذي الضغينة والشحناء دون وعي، وهي التي تملأ القلب بهذا الغل، فيتمنى زوال نعم الآخرين، ويكرههم ويحقد عليهم لأنهم أُعطوا هذه النعم وهو حُرم منها، فهو حقد مقيم، عداوة كامنة تنشب أظفارها في أعماق القلب فتغله وتقيده كما يُغل الأسير بسلاسله، فيذهب منه الصفاء، وفي هذا الأمر اعتراض مستتر على حكمة الله، وعدم رضا بقسمة الرزاق، فالذي يمتلئ قلبه حقدًا على ذي نعمة إنما هو في حقيقة الأمر يخاصم من منحها وقسمها، وهو الله عز وجل.
ومن يسعى لتطهير قلبه من هذا الداء العظيم، يجعل الله جنته في قلبه، بل ويبشره الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، فقد جاء في مسند الإمام أحمد القصة الشهيرة التي نصها: "قَالَ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ.
قَالَ نَعَمْ قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَبَّرَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا.
فَلَمَّا مَضَتْ الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: (يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ؛ غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ".
ولذلك وعى الصالحون خطورة آفة الغل، فجعلوها محور تضرعهم ورجائهم، كما خلّد القرآن دعاءهم العظيم: "وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ"، فهم قرنوا طلب المغفرة بطلب سلامة الصدر من كل ما يكدر رابطة الأخوة الإيمانية.
والحاقد في حقيقته أول ضحايا حقده، فالغل نار تلتهم وعاءها قبل أن تصيب غيرها، فيعيش صاحب القلب المشحون في كرب دائم وتربص مستمر، يضيق صدره كلما رأى نعمة سابغة على من يبغض، ويسهر ليله يقلب أفكار الانتقام وتبريرات القطيعة، في حين ينام خصمه قرير العين هانئ البال، ولعل أبلغ وصف لهذا الحال قول الشاعر أبي الحسن التهامي في رائيته المشهورة:
إني لأرحم حاسدي لحر ما
ضمت صدورهم من الأوغارِ
نظروا صنيع الله بي فعيونهم
في جنة وقلوبهم في نارِ
لا ذنب لي كم رمت كتم فضائلي
فكأنما برقعت وجه نهاري
وسترتها بتواضعي فتطلعت
أعناقها تعلو على الأستار
هلا سعوا سعي الكرام فأدركوا
أو سلموا لمواقع الأقدار
يبدأ طريق التحرر من الغل بسؤال الله تعالى نقاء السريرة وسلامة الصدر، فذلك فضل وهداية، وقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "واسْلُلْ سخيمةَ قلبي"، أي أخرج ما فيه من حقد وغل، فالقلوب بيد الرحمن يقلبها كيف يشاء، وحين يجد المرء في نفسه بغضاء تجاه شخص بعينه، فإن من أنفع ما يعين على اقتلاعها أن يخالف نوازع نفسه، فيدعو له بظهر الغيب بالبركة وسعة الرزق، أو يبادر إلى الإحسان إليه وإهدائه ما يسره، فقد جاء في الحديث: "تهادوا تحابوا"، والنفس تألف الإحسان، ومع تكرار الخير تضيق مساحة الجفوة حتى تتراجع الضغينة، ويعين على ذلك أيضًا إحسان الظن بالناس والابتعاد عن تتبع المقاصد وتأويل الكلمات والتصرفات على أسوأ الوجوه، فالتنقيب عن النيات يورث القلب عناء لا ينتهي، والأصل حمل المسلم على السلامة ما لم يظهر ما يخالفها.
ويهدأ القلب كذلك حين يستحضر العبد حقيقة الرزق والعدل الإلهي، فيوقن أن خزائن الله لا تنفد، وأن ما كتبه الله لغيره لن ينتقص من رزقه شيئًا، فيسكن حسده ويرضى بما قسم الله له، وما إن يتخفف الإنسان من أحقاده حتى يشعر بخفة في روحه وطمأنينة في باله، فينام هادئًا ولا يعيش مشغولًا بعداوة أحد أو مترقبًا عثرته، فتغدو سلامة الصدر جنة عاجلة من جنان الدنيا، ونعمة لا تُشترى بالمال، والقلب الذي يتطهر من الضغائن يكون أصفى للطاعة وأقرب إلى الخشوع.
