No Image
روضة الصائم

المانجو في عُمان: قصة وموسوعة

24 سبتمبر 2026
24 سبتمبر 2026
عندما تتكلم الوثائق

وأنا أتصفح دليل الخليج (القسم الجغرافي، 7 مجلدات) للمؤرخ والجغرافي البريطاني جون غوردون لوريمر، توقفت عند فقرة يتحدث فيها عن الزراعة في عُمان قائلًا: "الأشجار والمحاصيل كثيرة وتختلف عن الخضروات التي تزرع بصفة طبيعية.

والنخيل هو أهم الأشجار التي تزرع في عُمان وثمارها من أجود الأنواع سواء الموجود منها في الأودية أو المرتفعات، وأهم المظاهر الطبيعية هي مساحات النخيل الشاسعة وخاصة في الباطنة ووادي سمائل ومنطقة الشرقية.

وتوجد أنواع أخرى من أشجار الفاكهة مثل المانجو والجوافة والليمون الحامض والحلو والزيتون واللوز وجوز الهند والتوت وخاصة في منطقة الجبل الأخضر، أما الحبوب فهي القمح والشعير والذرة والدخن.

ومن المحاصيل الأخرى البطيخ والشمام والبرسيم وقصب السكر، والنيلة والطباق في بعض الأماكن". توافدت عليّ الأفكار وتدافعت، حتى اختزلتها عبارة فريدة ظلت تطرق جدران رأسي دون انقطاع: "عُمان: سلة غذاء الخليج".

ومن نافذة التاريخ يمكن النظر إلى تلك المحاصيل كوثائق مهمة كتبت تاريخ عُمان الاقتصادي، على اعتبار أنها المادة الخام التي حرَّكت سفن عُمان إلى وجهات متعددة شرقًا وغربًا.

ومن تلك المحاصيل الزراعية التي التصقت بذاكرة عُمان الحضارية، نذكر: اللبان الذي كان السلعة المقدسة التي ارتبطت بالمعتقدات الدينية للحضارات القديمة (مصر الفرعونية وبلاد الرافدين والحضارة الرومانية والحضارة اليونانية)، والبُن الذي ارتبط بأسطول عُمان التجاري الذي خُصص لهذه السلعة، وهو أسطول البُن العُماني، والقرنفل الذي ارتبط بالإمبراطورية العُمانية في عهد السيد سعيد بن سلطان، وعُرفت جزيرة زنجبار -العاصمة الثانية للإمبراطورية- بجزيرة القرنفل، أما التمور والليمون (اللومي) والمانجو (الأمبا) فكانت من أهم السلع التي فُرضت عليها ضرائب محددة لرواجها، وكانت إحدى أهم الصادرات من الموانئ العُمانية إلى الشرق والغرب.

فالذاكرة الحضارية العُمانية خلَّدت روائح اللبان والبُن والقرنفل والليمون عبر الزمان، وشجرة المانجو راسخة في تربة عُمان الطيبة المباركة، وجذورها تحكي لنا اليوم قصة انتقالها من الهند عبر البحار إلى قلب عُمان في مقنيات بعبري، ومنها انتشرت إلى أرجاء عُمان ونواحيها.

يعد اليوم المانجو (الأمبا) من محاصيل الفاكهة المهمة في عُمان، فهو يقع في المرتبة الرابعة بعد التمور والحمضيات والموز.

ويرجَّح، حسب ما وصل إلينا من معلومات تاريخية في المصادر العُمانية، أن الأمبا جُلب إلى عُمان في عهد النباهنة، في القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي، خلال الفترة (1569-1576م)، فيذكر المؤرخ محمد بن عامر المعولي (ت: 1190هـ/1776م) في كتاب قصص وأخبار جرت بعُمان، أن السلطان فلاح بن محسن النبهاني (976-983هـ/1569-1576م) هو من أدخل الأمبا إلى عُمان وزُرع في مقنيات بمحافظة الظاهرة، واصفًا إياه: "وهو الأشهر منهم جودًا ونسبًا وسياسةً، وهو الذي بنى الحصن السامك فسماه الأسود، وهو الذي غرس شجرة الأمبا بمقنيات، فكثرت في عُمان".

وأشار المؤرخ ابن رزيق (ت: 1290هـ/1873م) في كتاب الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين، إلى الملك فلاح بن محسن النبهاني قائلًا: "وهو الذي غرس شجرة الأمبا بمقنيات، فكثرت في عُمان، وكانت هذه الشجرة قبله لا توجد في عُمان. فبعث لها بواعثه، لما ذُكر له أنها شجرة طيبة، فغرس في مقنيات من هذه الشجرة شجرًا كثيرًا".

أما المؤرخ سيف بن حمود البطاشي (ت: 1420هـ/1999م) فذكر في كتاب إرشاد السائل إلى معرفة الأوائل: "أول من جلب شجر الأمبا (المانجو) إلى عُمان الملك النبهاني فلاح بن محسن، وأول ما غرسه في مقنيات من الظاهرة ثم كثر في عُمان".

ويقدم البطاشي تفاصيل أكثر حول ذلك في كتاب إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، في الجزء الأول، قائلًا: "يروى أن شجر الأمبا (المانجو) كان لا يوجد بعُمان، فجلبه هذا السلطان -يعني السلطان فلاح بن محسن النبهاني- وغرسه في مقنيات فأنجب، ثم انتشر في بقية البلدان، وسبب ذلك أنه تزوج بنت ملك من ملوك الهند، وأسكنها ببلد مقنيات، فلما استقرت معه قالت له: إن هذه الدار خير دار، لكن لا أرى فيها شجرة صفتها كذا، وصفة ثمرتها كذا، وهي لذيذة الطعم، فبعث عرار بالحال رجالًا من أصحابه، وجهز لهم مركبًا إلى الهند ولما رجعوا وافوه بشجر كثير من الأمبا، فأمر بغرسه في مقنيات وتتابع الناس بغرسه في عُمان حتى كثر".

هذا ما ذكرته المصادر العُمانية حول كيفية وصول شجرة المانجو إلى عُمان. ومن أقدم الإشارات إلى المانجو كسلعة مهمة في كتابات بعض الرحَّالة الذين زاروا عُمان في القرن الثامن عشر الميلادي، للرحَّالة والقنصل التجاري الإنجليزي أبراهام بارسونز (ت: 1785م). فقد بدأ رحلاته بمغامرات تجارية في آسيا الصغرى من عام 1772 إلى 1774م، زار خلالها حلب وبغداد، وفي عام 1775م قام برحلة طويلة إلى الهند، مر فيها على المخا ومسقط.

ووصل مسقط في أول أغسطس من عام 1775م، وشاهد في مينائها 34 سفينة حربية تتهيأ للتزود بالمؤن لإنقاذ مدينة البصرة وكسر الحصار الفارسي عنها.

ومن جملة إشارات كثيرة تحدث عنها بارسونز عن النشاط الاقتصادي في مسقط، ذكر المانجو العُماني بأنه عالي الجودة وأفضل بكثير من الأمبا الهندي، بل صرح بأن لُبّ الأمبا العُماني يعد هدية مرضية للنبلاء في الهند، أصحاب البساتين الكبيرة، ليزرعوه فيها. ويقول بأنه ومن معه في سفينته اشتروا من مسقط ألف حبة أمبا بروبيتين فقط، هدية لأصدقائهم في مومبي.

هذا وتوجد إشارات كثيرة ذكرها لوريمر في دليل الخليج (القسم الجغرافي) حول المانجو كمحصول مهم في عدد من القرى في عُمان، ومن اللافت أنه لم يذكر هذا المحصول في مقنيات، المكان الذي احتضن الشتلة الأولى للمانجو.

ومن المدن والقرى التي أشار لوريمر إليها لزراعة المانجو؛ مسكن: "قرية من قرى قبيلة بني كلبان تقع في منطقة الظاهرة في سلطنة عُمان... ويزرع بها القمح كما تزدهر زراعة النخيل والمانجو ولسان الحمل والنبق والتين والعنب". وأشار أيضًا إلى غلا، ووادي بني خروص، وقرية الفلج (بوشر) وأماكن أخرى.

ونحن أبناء سهل الباطنة كبرنا أمام أشجار المانجو يوم كانت مزارعنا تكتسي باللون الأخضر قبل أن تغزوها الآفات الزراعية وتقضمها قضمًا، ومعها تقضم ذاكرتنا. وقد تحدث لوريمر عن سهل الباطنة وذكر الغلات الرئيسية فيه، وهي: "القمح والشعير والقطن والسكر والبريسم... وتشمل الفاكهة إلى جانب البلح المنجة والموز والرمان والتين والليمون والبطيخ والسفرجل والزيتون والموز".

وذكرت الموسوعة العُمانية أحد أصناف المانجو (سفيدا ملجوا) المستوردة من الهند التي انتشرت في المناطق الساحلية، تحديدًا في سهل الباطنة. ومن أهم مميزاته أن ساقه قصيرة وأغصانه وفروعه السفلية متدلية تلامس الأرض، وهو صنف وفير المحصول، وتنضج ثماره في منتصف يونيو ويوليو، شهري القيظ في عُمان.

رحلة المانجو في عُمان متواصلة، ولم تكن راسخة في تربتها الطيبة المباركة فحسب، بل انتقلت إلى صفحات الكتب لتخلَّد في وثيقة علمية، فقد تم إصدار موسوعة علمية نوعية متخصصة في المانجو تحت عنوان "موسوعة أشجار المانجو (الأنبا)"، تعد هذه الموسوعة الأولى من نوعها على مستوى الموسوعات العالمية، وتم إصدارها من قبل شؤون البلاط السلطاني. استغرق العمل على هذه الموسوعة ما يقارب العشر سنوات، ابتداءً من 2006م وانتهاءً بتدشينها في عام 2016م، وتم فيها حصر وزيارة الدول المنتجة لهذه الثمرة والبالغ عددها 65 دولة.

وتعد هذه الموسوعة مرجعًا شاملًا للباحثين والأكاديميين والدارسين لما تضمه من أبحاث ودراسات متخصصة أجريت حول أشجار المانجو، كما تشكل بيئة خصبة للبحث العلمي.

وجاء إصدار موسوعة أشجار المانجو تنفيذًا للأوامر السامية لجلالة السلطان قابوس -طيَّب الله ثراه- عام 2005م، السلطان الذي قدَّم للمكتبة العربية والعالمية موسوعات قيمة في مجالات العلم والمعرفة والثقافة، منها: موسوعة أرض عُمان، وموسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب، والموسوعة العُمانية، وموسوعة عُمان عبر الزمان. وبانتظار موسوعات نوعية قادمة بإذن الله، لتظل عُمان مصدرًا للعلم والمعرفة.