في ذكرى زكي نجيب محمود
كنت ابن عشرين حين قرأتُ الكتاب أول مرّة، لكنني كنت أعود له باستمرار مع اختبار الحياة، والعقد الاجتماعي السياسيّ الذي عشناه على مدار سنوات العمر، عبر التحوّلات التي مرّت بها بلادنا، خصوصا مع تغيّرت الحكم العاصفة وغيرها، وما ارتبط بها دوما من ظهور وجوه جديدة تقود الحكم والإدارة، فكم كان الراحل زكي نجيب محمود عميقا وساخرا في آن واحد في أحد نصوص الكتاب.
وزكي نجيب محمود الموصوف بفيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، والذي يذكّرنا بأبي حيّن التوحيديّ، الذي سبق كاتبنا بألف عام (922-1023).
امتاز أبو حيان بالثقافة الموسوعية التي تمنح العمق من جانب والجرأة والسخرية من جانب آخر.
كان غزير المعرفة متنوعا، والمثير أنه ضمّن في كتاباته المتنوعة، شيئا عن الأوضاع الفكرية والاجتماعية والسياسية للفترة التي عاشها، التي جاءت من خلال رأيه تجاه نخب عصره من حكّام وعلماء وكتّاب، والتي اقتربت من الرؤية النقدية.
وظني، أنه سبق ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع (1332 – 1406) بثلاثة قرون في التحليل المبكّر للمجتمع وما يضطرب فيه، أبدع ابن خلدون في علوم مختلفة منحته أدوات تحليل عميقة للمجتمعات والتاريخ؛ فقد بنى رؤيته الخاصَّة في قراءة التاريخ بتجريده من الخرافات والروايات التي لا تتفق مع المنطق؛ ليكون أوَّلَ من طبَّق المنهج العلمي على الظواهر الاجتماعية.
لمنهجيته، تم توظيفه من قبل أهل الحكم، فامتَهَن الكتابة في ديوان الرسائل في شبابه، وأصبح رسولًا بين الملوك في بلاد المغرب والأندلس، قبل أن يهاجرَ إلى مصر ويُقلِّدَه السلطان الظاهر سيف الدين برقوق القضاء على مذهب المالكية.
كان العمل السياسيّ والقضاء وما زالا من أهمّ الأعمال التي يسعى لها الساعون للالتحاق بعالم النخبة، لما يدرّه من شهرة ومرتّب ماليّ، لكنه في مرحلة معيّنة بعد أن ضمن تأمين عيشه وأهله، انتبه إلى ضرورة التفرّغ للكتابة؛ فترك مُراسلة الملوك وانصرف للدراسة والتصنيف وألَّف عددًا من الكتب من أهمِّها "كتاب العِبَر، وديوان المُبتدأ والخَبَر، في أيام العَرَب والعَجَم والبَربَر، ومَن عاصَرَهُم من ذَوي السُّلطان الأكبر"، الذي اشتهرت مقدمته أكثر منه، والتي عرفت بمقدمة ابن خلدون، والتي جاءت كمدخل للكتاب الكبير.
ولما كانت كتابات الفلاسفة قد ظهرت في الحضارات القديمة في بلادنا وغيرها قبل الدولة العربية، كذلك، في بلاد اليونان وغيرهم، وما ارتبط بهم من حلقات وصلت بلادنا، فإننا ننظر لهذا الجهد المعرفيّ في رؤية المجتمع، فإننا إزاء القلم والحضارات والنظم الحاكمة وشخوصها.
بل لعلني أجد أن المكتوب وبخاصة في عصره، القريب من الرؤية الموضوعية للحياة السياسيّة وللتاريخ وفلسفته، هو من الأهميّة ما يؤشّر على الحياة الحقيقيّة التي سادت لا كما تغنّت به نخب السلاطين.
إن عودتي إلى كتاب زكي نجيب محمود عبر أكثر من مرحلة عمريّة لي ولآخرين مثلي قرأوا وعادوا مثلي تتعلّق بتلقي كل عمر بما فيه من خبرة، وصولا إلى خبرة طموحة للاقتراب من رؤية الكاتب عام 1953، حين أصدر الكتاب عام 1983، كان ابن 48 عاما.
لقد افتتحه الكاتب بفصل "عند سفح الجبل"، يصف فيه سكان رأس الجبل من النّخب المختلفة، ومنها الثقافيّة، وسكان السّفح من عامة الناس.
والراوي هنا إذ قسّم المجتمع الى رأس جبل وسفحه، يروي كيف أن النّخب تقضي وقتها من أجل الشعب، لذلك يختتم الفصل بفقرة ساخرة حين يلتقي بامرأة فقيرة في السفح، يطلب منها أن تدعو لسكّان رأس الجبل الذين يبذلون جهدهم من أجل أهل السفح؛ "فقد كانوا يتجادلون في نوع الإصلاح الدستوري الذي يستوردونه من فرنسا وبلجيكا، وكانوا يتناقشون في هل يخلق الفنان فنه لنفسه أو يصوغه ويوجّهه لك، ورأيتهم يبحثون كيف يهيئون لك مصيفا تستمتعين فيه بهواء عليل حين تشتد الحرارة.." صفحة 11، لترفع المرأة عينيها مرة أخرى نحو السماء وتبسط كفيها وتدعو لهم بالبركة.
وعودة إلى الفتى الذي كنته أول العشرين، فحين وقع الكتاب بيديّ، كنت أسمع باسم هذا الكاتب والمفكّر، الذي واكبت قراءة ما استطعت من منجزاته، خاصة في كتابه "في فلسفة النقد" الذي قرأته أيام الدراسة بمصر، ثم عدت إليه بعد سنوات من ممارسة النقد الأدبي والفني.
بدأت أقرا فصل "عند سفح الجبل"، لفت نظري من البدء لغته الرمزية، تابعت متفحصا الطبقتين الحاكمة والمحكومة، لكنني ما زلت أتذكر أنني كلما تابعت القراءة، وجدت الكاتب في لغته كأنه يسخر، بل إنه يفعل ذلك، وصولا إلى مفارقة النهاية، حين يصف بلغة تقريرية حالة النخب في عيشهم الرغيد، وتفكيرهم غير الجاد فعلا بأهل السفح-الشعب، ويذهب بالسخرية إلى آخر مدى حين يطلب من المرأة، ممثلة الشعب، بأن تدعو للنخب الساكنة رأس الجبل، بل تصبح السخرية أكثر مأساوية حين تستجيب المرأة وتدعو للنخب سكّان رأس الجبل.
كنت فتى لم يختبر تحوّلات الحياة ولا تحوّلات المجتمع وتغير الحكم، لكنني استطعت بما ملكته من وعي كاف فهم المكتوب، ثم ليتعمّق ذلك أثناء عيشي في المجتمع المصريّ ما بين 1988 و1992، أنا الفتى القرويّ القادم من قرى القدس المحتلة،
وهناك إذ تابعت قراءة الأدب ومشاهدة الأفلام والمسرحيات، وقراءة ما تيسّر من كتب عن تحوّلات المجتمع والحكم من بدايات مصر الحديثة من زمن محمد علي باشا وصولا إلى الفترة التي عشتها،
فقد امتلكت الوعي النظريّ، خصوصا ما ظهر من تحولات في الروايات والأفلام، والاطّلاع على مقالات وكتب ثقافية تجادل في أثر السياسة على الأدب والفن، ثم لأعود الى بلادنا فلسطين، حيث تتأسس سلطة فلسطينية ذات حكم يشبه الحكم الذاتيّ عام 1994، لأكون على موعد لاختبار تحوّلات مجتمعنا آخر ثلاثة عقود، لأجد نفسي مصطحبا زكي نجيب محمودا في رحلته في رأس الجبل وسفحه، بوجه متعدد المشاعر، لا يخلو من ابتسامات ساخرة، باختلاف ما طلبته من المرأة، بألا تدعو لسكان رأس الجبل، فيردّ عليّ زكي نجيب محمود بأن خطباء يوم الجمعة يدعون لأولي الأمر بالخير، ما يعني انتقال الخير للشعب؛ فقلت لتلك المرأة متذوقا حلواها التي اشتراها الراوي في النصّ وكأنني أهمس لنفسي: "يا ستي ادعي للكل بس ما تنسيش تركزي الدعاء على أهل سفح الجبل، فأهل رأس الجبل مدبرين حالهم كويس".
كان زكي نجيب محمود عام 1953 ابن 48؛ حيث بدأ تحوّل جديد في مصر، واكبه المفكّر الكبير، وشهد تغيّراته بين منظومة وأخرى، ليرحل في سبتمبر عام 1993، تاركا لي ولآخرين عبور حياة جديدة لها تحوّلاتها.
وأخيرا، لعلّ هناك من يتتبع في الأدب العربي والفكر كذلك، في كتب التراث وصولا الى الحديث فالمعاصر، ظاهرة رؤية الكتّاب لتحليل المجتمع، من خلال رؤية نقديّة موضوعية، تجيب على السؤال الأزليّ حول ظاهرة الحكّام والمحكومين، لمأسسة أولّ أساس للعقد بينهما، يقوم على أن الحكّام موظفون لدى الشعب فعلا، خصوصا فيمن اختار الانتخابات، حتى لو كانت شكلانيّة.
