No Image
عمان الثقافي

افتتاحية

23 سبتمبر 2026
23 سبتمبر 2026

قبل مائتي عام، غادر رفاعة الطهطاوي مصر إلى باريس ضمن البعثة التي أرسلها محمد علي سنة 1826. تحولت الرحلة بما أثمرته من معرفة وترجمة وتعليم وأسئلة جديدة عن الدولة والمجتمع إلى علامة رمزية على دخول الفكر العربي زمنه الحديث. واليوم، عند تخوم قرنه الثالث، تبدو العودة إلى تلك اللحظة فرصة لمساءلة الطريق الذي قطعناه أكثر مما هي استعادة للبدايات.

ينطلق هذا الملف من سؤال بسيط في ظاهره وثقيل في دلالاته، ماذا بقي من مشروع النهضة بعد قرنين؟ بعض المطالب التي شغلت الطهطاوي ومحمد عبده والكواكبي وطه حسين ما زالت حاضرة في حياتنا، من التعليم والعلم والحرية إلى الدولة العادلة وتجديد الفكر الديني. وفي الوقت نفسه تغير العالم الذي صيغت فيه تلك الأسئلة تغيرا جذريا، ودخلت البشرية عصر المنصات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي، فيما تبدلت موازين القوة وتراجعت مركزية النموذج الأوروبي الذي حكم طويلا فكرة «اللحاق».

لهذا تحاول مقالات الملف تجاوز الحكم السهل بنجاح النهضة أو فشلها. فقد عرف التاريخ العربي الحديث توسعا هائلا في التعليم والعمران والمؤسسات، وأنتج معرفة ونخبا وحراكا اجتماعيا غيّر حياة ملايين الناس، لكن كثيرا من هذه المكاسب ظل عرضة للانقطاع أو عاجزا عن التحول إلى قواعد مستقرة تتيح للمجتمع حماية ما أنجزه وتطويره. ومن هنا تعود أسئلة السلطة والثروة واستقلال المعرفة، وقدرة الجامعة والمؤسسة الثقافية والمجال العام على تحويل الفكرة إلى قوة اجتماعية قابلة للاستمرار.

ويتسع النقاش إلى معنى الكونية نفسها، فالفكر العربي الذي بدأ نهضته الحديثة بترجمة العالم يواجه اليوم مهمة أكثر تعقيدا تتمثل في المشاركة في إنتاج عالم مشترك، من موقع يعترف بالاختلاف ويخضع القيم الكونية للنقد، ويجعل الترجمة علاقة متبادلة تعيد فيها الثقافات صياغة المفاهيم وهي تتعلم بعضها من بعض.

مهمة هذا العدد هي إعادة فتح سؤال النهضة بعدما تغيرت شروطه، فالقرن الثالث للفكر العربي يحتاج إلى شجاعة البدايات، وإلى معرفة أعمق بما أخفقنا في تحويله إلى مؤسسات وحقوق وممارسات. وربما تبدأ النهضة المقبلة حين نستطيع أن نورث الجيل التالي نقطة بدء مختلفة، كي يواجه أسئلته بأدوات أوسع مما ورثناه نحن.