No Image
عمان الثقافي

الخروج من نقطة البدء.. النهضة العربية ومأزق الانسداد الحضاري

23 سبتمبر 2026
23 سبتمبر 2026

تأسست مدرسة الألسن سنة 1835، وارتبطت بمشروع رفاعة الطهطاوي في الترجمة والتعليم. وتعرضت المدرسة للإغلاق في فترات من تاريخها واستمر أثرها في أجيال من المترجمين. يتيح هذا التاريخ قراءة النهضة من جهة ما استطاعت أن تورثه للأجيال التالية وما اضطرت إلى استعادته بعد انقطاع. لقد خلّفت محاولات الإصلاح العربية رصيدا من المعرفة والمؤسسات تفاوتت قدرة المجتمعات على حمايته وتطويره.

انشغل الفكر العربي طويلا بتفسير التعثر، وأنتج نقدا لعلاقات السلطة التي تعوق الإصلاح. وتتفاوت قدرة هذا النقد على بلوغ الفئات المعنية به والتحول إلى خبرة تستعملها في الدفاع عن مصالحها. ويقتضي تجديد مشروع النهضة فهم ما يحدث للمعرفة في هذا الانتقال، حيث تواجه مؤسسات تحمي توزيعا قائما للنفوذ، وتحتاج إلى قوى اجتماعية تستطيع تحمل كلفة التغيير، كما يقتضي مراجعة التفسيرات التي اختزلت مجتمعات مختلفة في «عقل» واحد أو ردّت تاريخها إلى علة ثابتة.

يقتضي الأمر تحرير مفهوم الانسداد الحضاري من الدلالة التي توحي بتوقف التاريخ. لقد تغيرت المجتمعات العربية خلال قرنين في التعليم والعمران والصحة والاتصال، وظهرت قوى اجتماعية ومعارف ومطالب جديدة. وتختلف حصيلة هذه التحولات بين البلدان وداخل البلد الواحد، لذلك يصعب التعامل مع «النهضة العربية» على أنها مشروع واحد انتهى إلى نتيجة واحدة. والمقصود بالانسداد هنا تعطل انتقال المكاسب إلى قواعد عامة يمكن الدفاع عنها والبناء عليها. ويتعلق الحكم بالعلاقة التي تعطل استعمال قدرة اجتماعية نشأت بالفعل، وتمنع المتضررين من تعديل شروطها. وقد يستمر التراكم في مجالات أخرى من المجتمع نفسه مما يقتضي تحديد موضع التعطل وحدوده في كل تجربة.

شهدت المجتمعات العربية خلال العقود الماضية توسعا في الجامعات والاقتصاد والخدمات، غير أن أثر ذلك بقي مقيدا بضعف استقلال البحث وضيق فرص المشاركة الاقتصادية في الكثير من البلدان، ومحدودية قدرة المواطنين على مساءلة المؤسسات. وتبقى لهذه المنجزات قيمة ملموسة في حياة الناس، لكنّ هشاشتها تظهر حين يتوقف استمرارها على إرادة الجهة الراعية ولا تتحول إلى حقوق تحميها مؤسسات مستقرة. ويشير «الانسداد الحضاري» هنا إلى تشابك السياسة والاقتصاد والمعرفة والعلاقات الاجتماعية في إنتاج هذه الهشاشة. وهذا التشابك حصيلة تاريخية قابلة للتغيير، ويُقاس التقدم في تفكيكه بقدر ما يوسع قدرة المجتمع على كشف أخطائه وتصحيح مساره.

بين الكفاءة والاحتكار

نشأ جانب مهم من التحديث العربي داخل الدولة، تحت ضغط التفوق العسكري الأوروبي والحاجة إلى إعادة تنظيم القوة. لقد وجدت الدولة نفسها في حاجة إلى مهندسين وأطباء ومترجمين ومدارس وإدارة أكثر كفاءة. ونشأت إلى جانب هذا المسار صحافة وجمعيات ومبادرات أهلية وسجالات وسعت المجال العام، غير أن مركزا قويا ظل حاضرا في كثير من تجارب الإصلاح يحدد غايات المعرفة وحدود استعمالها. حمل هذا المركز إمكانية الإنجاز السريع وحمل أيضا احتمال تعطيل ما أنجزه عندما تتغير أولوياته. منذ تلك المرحلة ظهر التوتر بين حاجة الدولة إلى كفاءات حديثة وحاجتها إلى إبقاء القرار محتكرا لها.

في عدد من جمهوريات ما بعد الاستعمار، ارتبط التوسع في التعليم والخدمات بمشروع سياسي احتكر فيه الحزب أو القيادة تمثيل الإرادة الوطنية. وشهدت دول الخليج بناء مؤسسات حديثة وتوسعا في فرص الصعود الاجتماعي أسهمت عوائد النفط في تمويلهما، ونشأت علاقة مع الدولة كان للرعاية والتوظيف العام فيها وزن كبير. تستدعي المقارنة النظر في تاريخ كل بلد، وفي مقدار ما أتاحه اتساع التعليم والعمل لفئاته الجديدة من قدرة على تنظيم مصالحها والتأثير في القرارات التي تمسها.

أتاحت هزيمة 1967 مساءلة العلاقة بين اتساع أجهزة الدولة وقدرتها على مراجعة قراراتها. كان التسليح والتعبئة والتنظيم المركزي يجري في بيئة تضيق فيها مراجعة القرار وكشف الأخطاء قبل تحولها إلى كوارث. ولتلك الهزيمة أسباب عسكرية واستراتيجية لا تختزل في شكل الحكم. وتظهر المشكلة نفسها خارج الحرب، عندما تكون تكلفة نقل الخبر السيئ إلى صاحب القرار أعلى من تكلفة إخفائه.

نفوذ الثروة

دخلت موجات التحرير الاقتصادي اللاحقة إلى هذه العلاقات القائمة. وفي تجارب عربية متعددة، انتقلت أصول عامة وفرص اقتصادية إلى جهات خاصة من دون شفافية كافية في تقويم الأصول واختيار المستفيدين أو رقابة تضمن عدالة المنافسة والمساءلة. ويفسر هذا كيف يستطيع الانفتاح أن يعزز نفوذ شبكات كانت مستفيدة من الانغلاق. وقد يحجب وصف هذه النتائج بالفشل جانبا من حقيقتها؛ إذ حققت بعض السياسات ما احتاجه المستفيدون منها لتثبيت ثروتهم ونفوذهم. ولدى هؤلاء أسباب لحمايتها، حتى حين تتضح كلفتها العامة. يتصل تجاوز الانسداد هنا بقدرة المتضررين على تنظيم مصالحهم والتأثير في الشروط التي تجعل استمرار هذه السياسات مجديا لأصحاب النفوذ.

ويكشف هذا أن الانسداد يتجدد من خلال التفاعل بين السلطة والثروة والمعرفة، السلطة المقيدة للتنظيم تقلل قدرة المجتمع على مراقبتها، وضعف الرقابة يتيح توزيع الموارد بما يحميها، ثم تعيد المصالح المستفيدة دعم القيود التي ضمنت امتيازها. وقد توفر عائدات الموارد الطبيعية أو المساندة الخارجية لبعض الدول هامشا واسعا للاستغناء عن التفاوض الداخلي. ويتوقف الأثر السياسي لهذه الموارد على طريقة إدارتها وعلى المؤسسات التي تخضع لها؛ ويمكن توجيهها أيضا إلى تكوين قاعدة إنتاجية ومعرفية أوسع.

الأبوية المستحدثة

تستمد بنية الانسداد جانبا من قدرتها على البقاء من تحوّل السلطة إلى خبرة يومية يتعلمها الفرد قبل دخوله المجال السياسي. في المدرسة، يتفوق الطالب حينما يعرف جواب السؤال لا حين يستطيع أن يسائل الإجابة ويناقشها مع مدرسه. والأمر نفسه داخل الأسرة التي تمنح أفرادها السلطة بناء على العمر والجنس. وقد التقط هشام شرابي هذه الاستمرارية بمفهوم «الأبوية المستحدثة»،

مشيرا إلى حداثة في الأدوات والمؤسسات لم يصاحبها تحول مماثل في بنية السلطة. يفسر المفهوم كيف تستطيع العلاقات القديمة أن تعمل من داخل أشكال حديثة، لكن تحويله إلى وصف كلي للمجتمع العربي يحجب الفروق بين بلد وآخر والتحولات الجارية داخل المؤسسة الواحدة. وتظل الحياة اليومية مجالا للصراع على هذه القواعد؛ إذ تتكون داخل الأسرة والمدرسة والعمل خبرات في التفاوض والاعتراض وتقاسم المسؤولية. ومن تراكم هذه الخبرات ينشأ الفاعل الاجتماعي القادر على حمل الإصلاح وحمايته، فتغدو إعادة بناء علاقات السلطة في هذه المجالات جزءا أصيلا من مشروع النهضة.

وتكشف تجارب عربية كثيرة أن العلاقة بين إصلاح الثقافة وإصلاح السياسة أكثر تداخلا من أن تُرتب في مرحلتين متعاقبتين، تتكون القيم من خبرة الناس بالقواعد التي تدير حياتهم وبالنتائج المترتبة على احترامها أو خرقها. حين يهدد التعبير عن الرأي مورد رزق الإنسان يصبح الصمت اختيارا اضطراريا للبقاء، ولا يصلح وحده دليلا على ضعف الإيمان بالحرية. تنتج المؤسسات، بهذا المعنى، ثقافة تلائم طريقة عملها بقدر ما تستند هي نفسها إلى ثقافة المجتمع. لذلك يتطلب تغيير السلوك قواعد تجعل الالتزام ممكنا ومجديا، وتحمي المعترض من الانتقام وتحاسب من يحول النفوذ إلى امتياز. ويبقى نقد الموروث جزءا من هذا التحول على أن يقترن بفضاء يستطيع فيه الرأي الجديد أن يُقال ويُختبر ويتحول إلى ممارسة مستقرة.

الإصلاح الديني

ويمتد هذا التداخل إلى المجال الديني الذي استأثر بمساحة واسعة في كثير من تفسيرات التعثر العربي حتى عومل أحيانا كأنه علة قائمة بذاتها. تتشكل التأويلات الدينية داخل التاريخ وتتأثر بالمؤسسات وموازين القوة التي تحتضنها وتمنح بعضها سلطة أوسع من بعض. ويبدأ الانغلاق حين ترتفع قراءة بشرية فوق النقد وتغادر مجال الاجتهاد لتصبح أساسا يوزع الحقوق ويحدد مراتب الناس. غير أن تعليق هذه الحقوق على اكتمال إصلاح ديني شامل يمنح المستفيدين من الانغلاق قدرة دائمة على تأجيلها. ويهيئ القانون الذي يصون حرية الضمير ويعامل المواطنين على قدم المساواة شروطا أوسع لمراجعة التأويلات وتطويرها. وحين يعيش المختلفون متساوين في الحقوق، يتحول الخلاف الديني إلى مجال للنقاش والمراجعة، وتتراجع قدرة أي طرف على إخضاع حياة الآخرين لقراءته.

على أن تفسير الانسداد من الداخل يظل ناقصا إذا همّش الاحتلال والحروب والعلاقات الدولية غير المتكافئة. للاحتلال قوة تدمير مستقلة عن خيارات المجتمع الواقع تحته، وتستطيع الحرب أن تهدم خلال أشهر تراكما احتاج إلى عقود. ويكشف التاريخ الفلسطيني حدود أي تصور يجعل التحرر شأنا ثقافيا داخليا. وفي مواقع أخرى، تتشابك مصالح قوى خارجية مع مصالح محلية في حماية احتكارات أو إضعاف استقلال القرار. هذه العلاقات تفرض الجمع بين مقاومة الهيمنة ومساءلة البنى التي تستفيد منها. كما أن توسيع حقوق الناس يقوي قدرتهم على الدفاع عن بلدهم ومراقبة القرارات المتخذة باسم حمايته.

تتفاوت قدرة الترتيبات القائمة على مقاومة التغيير، لأن المصالح التي تستند إليها تتعارض في مسائل محددة. وقد تحتاج جهة داخل الدولة إلى معلومات موثوقة للحد من الهدر، ويحتاج منتجون إلى قواعد تمنع استبعادهم من السوق. يفتح هذا التقاطع مجالا لإصلاح يمكن أن يبدأ محدودا، ويتوقف اتساع أثره على انتقاله من اتفاق بين أطرافه إلى حق يستطيع آخرون استعماله.

من التعبير إلى المشاركة

وضعت انتفاضات 2011 إمكانات التغيير أمام اختبار حاد، فواجهت القوى المشاركة فيها مهمة الانتقال من التعبير عن مظالم مشتركة إلى التفاوض على مستقبل تختلف تصوراتها له. واحتاجت هذه المهمة إلى معرفة بمؤسسات الدولة وموازين القوة داخلها، وإلى تنظيم يحمل المطالب بعد انحسار التعبئة. وتكشف المسارات المتباينة أثر ما كان متاحا من هذه الخبرة، وما أُغلق أمامها بالقمع أو تغيّر بتدخل قوى خارجية.

في تونس، أسهمت وساطة رباعي الحوار الوطني في تجاوز أزمة 2013، مستندة إلى تنظيمات راكمت خبرتها وحضورها قبل الانتفاضة. وقد أتاح هذا الرصيد مجالا للتفاوض بين قوى متعارضة، ثم كشفت تطورات التجربة حدود الحماية التي وفرها. ظلت المحكمة الدستورية التي أقرها دستور 2014 دون تشكيل، وفي يوليو 2021 عُلّق البرلمان وتوسعت صلاحيات الرئيس. كان تعثر إقامة المحكمة أحد مواضع الضعف في تحويل التوافق إلى ضمانات تحمي انتظام الخلاف.

وتضيق فرص هذا المسار حين تتحول المواجهة إلى حرب. في ليبيا، تلقت حكومة الوفاق والقوات التابعة لخليفة حفتر دعما عسكريا خارجيا خلال حرب طرابلس في 2019 و2020، وتدهورت الخدمات واتسع النزوح. ويتيح تدفق الإمدادات للأطراف المسلحة موارد لمواصلة الصراع، فيما يُستنزف المجتمع في حماية شروط بقائه. وتكشف هذه الحال حدود تفسير المآلات بوعي المحتجين أو تصوراتهم وحدها. تتصل حماية إمكان التغيير كذلك بقدرة مؤسسات الدولة على مواصلة وظائفها العامة، وبالقيود التي تمنع إخضاع القرار العام لقوة السلاح ورعاته. وتبقى مسؤولية خيارات القمع والعسكرة على من اتخذوها.

تبدأ مهمة القرن الثالث ببناء إصلاحات توسع قدرة المجتمع على مواصلة التغيير. يكتسب الإصلاح أثره التاريخي حين تتحول نتائجه إلى ممارسة مؤسسية تحميها قاعدة اجتماعية ترى فيها حقا عاما، ويصبح الإنجاز عندئذ أساسا يستطيع الآخرون البناء عليه، وتمتد آثاره إلى مجالات أبعد من نطاقه الأول. وقد يبدأ هذا الأثر من إتاحة المعلومات العامة، ثم يتسع ليعزز قدرة المواطنين على مراقبة القرار والتأثير فيه. وعلى هذا الأساس، تُقاس فاعلية الإصلاح بما يرسخه في المجتمع من إمكان مواصلة التغيير.

استقلالية الجامعة

وتقدم الجامعة اختبارا عمليا لهذا المعيار، فتتحدد قيمة ما تحصل عليه من تمويل بوجود نظام أكاديمي يضمن استقلال القرار العلمي ويحمي نتائج البحث أيا يكن الطرف الذي تزعجه. وعندما تتصل هذه الاستقلالية بمشكلات المجتمع الفعلية تصبح الجامعة مرجعا معرفيا يرفع جودة القرار العام، وتتحول حريتها إلى مصلحة عامة تجد من يدافع عنها خارج الوسط الأكاديمي. ومع استقرار هذه العلاقة في قواعد العمل الجامعي، تكتسب المؤسسة قدرة على الاستمرار والتجدد مع تغير قياداتها.

في الاقتصاد تبدو الفكرة أقل تجريدا. سيطرة شبكات النفوذ على العقود والائتمان تحرم مشروعات صغيرة من النمو، وتضيق سوق العمل، وتجعل العامل أضعف في التفاوض. ولهذا يمكن أن يلتقي أصحاب المشروعات والعاملون حول مطلب واضح يتمثل في إخضاع الفرص الاقتصادية لقواعد معلنة يمكن مساءلة من يطبقها، مع بقاء كل طرف قادرا على التفاوض عن مصالحه داخل مجال أكثر عدلا.

يتطلب بناء كل هذه الروابط وغيرها مراجعة موقع الدولة في الكثير من التجارب العربية. يتعين عليها توفير الخدمات والبنية الأساسية وحماية الحقوق وتمويل مجالات لا تستطيع السوق وحدها تحمل كلفتها. ويكتسب أداؤها قوة حين يخضع للمراجعة، وتملك مؤسساتها ذاكرة مهنية تتجاوز تغيّر المسؤولين. في المقابل، تحتاج التنظيمات الاجتماعية إلى استقلال يسمح لها بالتعاون معها والاعتراض عليها. وتتكون العلاقة عبر صراع وتفاوض وضمانات. وتحتاج القواعد الجديدة إلى حماية الخلاف الذي سيستمر داخلها. يستحيل أن يتفق المجتمع على تعريف نهائي لمصلحته أو لهويته، ويؤدي اشتراط هذا الاتفاق إلى منح جهة ما سلطة فرضه.

أوروبا لم تعد النموذج

يفرض القرن الثالث كذلك مراجعة الغاية التي تقاس بها النهضة. كان التفوق الأوروبي مرجعا أساسيا لسؤال اللحاق، ويقتضي اختيار المستقبل اليوم النظر في كلفة النماذج المتاحة على المجتمع وقدرته على توجيهها. ويعيد التحول الرقمي طرح هذه المسألة حين ترتبط أعمال الناس ومعارفهم بمنصات تتحكم في شروط الوصول إليها. تصبح حماية ما يراكمه المجتمع من خبرة مرتبطة بحقه في معرفة كيف تُستعمل بياناته، وبقدرته على مراجعة القرارات المبنية عليها. ويشمل التعلم من تجارب الآخرين عندئذ امتلاك القدرة على تعديل الأدوات المستعارة وفق حاجاته

وتمنح الصلات العربية هذا العمل مجالا يتجاوز قدرة البلد الواحد. يمكن لمؤسسات علمية تتبادل نتائجها وخبراتها أن تخفف كلفة البدء من جديد، وأن تحفظ معرفة تعطل إنتاجها في أحد البلدان. يتوقف أثر هذا التعاون على انتظامه وعلى حماية صلاته من تقلب العلاقات السياسية. وتكتسب النهضة امتدادها العربي بقدر ما تصبح خبرة المجتمع متاحة لغيره وقابلة للنقد والتطوير، مع بقاء حق كل مجتمع في اختيار مساره.

وتكتسب النهضة صفتها العربية من إمكان تداول هذه الخبرات وتوسيع أثرها عبر مجتمعات تجمعها اللغة وصلات التاريخ والمصالح. يحمل كل بلد شروطه ومشكلاته، ويمكن لنجاح محدود في أحدها أن يضيف معرفة عملية إلى الآخرين. يتطلب ذلك قبول تعدد المسارات، وفتح المجال للنقد المتبادل، وحماية الصلات العلمية والثقافية والاجتماعية من تقلب العلاقات السياسية.

بعد قرنين من رحلة الطهطاوي، يمكن التفكير في «ترجمة ثانية» للنهضة تتصل بقدرة المجتمع على تقرير مصير مؤسساته. ورثنا عن المحاولات الأولى معرفة دخلت في التعليم والإدارة وغيرت الحياة؛ والمهمة المتجددة هي توسيع دائرة من يستطيعون استعمال هذا الإرث وتوجيهه. ينشأ جانب من المعرفة المطلوبة خلال العمل نفسه، حين تكشف الممارسة مصالح وقيودا لم تتبينها الفكرة الأولى. وتظل مهمة النقد قائمة داخل المؤسسات التي شارك الفكر في تأسيسها

بدأ الخروج من نقطة البدء حين يصبح في وسع المجتمع أن يختلف على ما ورثه وأن يغيّره، مستندا إلى حقوق تحفظ له إمكان هذا الخلاف. عندئذ يجد الجيل التالي أمامه عملا يمكن استئنافه وتصحيحه، ويملك من أدواته ما يسمح له باختيار مستقبل قد لا يشبه ما أراده أسلافه.

عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة عمان