الفكر الفلسفي العربي المعاصر ومسألة الكونيَّة
23 سبتمبر 2026
23 سبتمبر 2026
تطرح الكونيَّة، على المستوى الفلسفي، وبما هي مبدأ يقوم على افتراض أنَّ المعارف أو القيَّم أو المعايير صالحة لجميع البشر، بصرف النظر عن اختلاف الثقافات والتواريخ، مشكلات معرفيَّة يمكن إجمالها في خمسة مستويات على الأقل: أولا، مشكلة الذات العارفة، إذْ كيف يمكن لذات تنتمي بالضرورة إلى لغة وثقافة وسياق تاريخي محدَّد أنْ تنتج معرفة تتجاوز موقعها وتكون صالحة للجميع؟ وهنا يظهر التوتُّر بين تاريخية المعرفة وادعاء الكونيَّة. وثانيا، مشكلة التسويغ، فعندما نقول إنَّ قضية أو قيمة ما كونية، فبأي معيار نسوِّغ ذلك؟ هل بالعقل، أم بالتجربة، أم بالطبيعة الإنسانية؟ إنَّ كل جواب عن هذا السؤال يثير بدوره مشكلة، فإذا قلنا إنَّ العقل هو المعيار الكوني، يمكن أنْ يطرح السؤال: أيُّ تصوُّر للعقل؟ ومن أين اكتسب هذا التصوُّر سُلطته؟ وثالثا، مشكلة اللغة والمفاهيم، ذلك أنَّ المعرفة والقيم لا تظهران خارج اللغة، والمفاهيم التي نصوغ بها تصوُّراتنا، مثل: العقل والحرية والحق والعدالة، لها تواريخ ودلالات مختلفة، أو بالأحرى لها خصوصياتها، وبخاصة عندما ترتبط بتصوُّرات أو رؤى دينية مثلما هو الحال في الثقافة العربية. وهنا يصبح السؤال: كيف نضمن أنَّ ما يبدو مفهوما كونيا ليس في الحقيقة تعميما لمفهوم خاص نشأ داخل تقليد لغوي وفلسفي مخصوص؟ ورابعا، مشكلة ارتباط الكونيَّة بالهيمنة والمركزية الغربية، أو، إذا شئنا التعبير عن ذلك بصورة أكثر وضوحا، مشكلة العلاقة بين المعرفة الكونيَّة والسلطة المهيمنة. وهنا لا يعود السؤال مقتصرا على: هل هذه القضية الكونيَّة صحيحة، وإنَّما يمتد أيضا إلى السؤال عن الشروط التاريخية التي سمحت بظهورها بوصفها حقيقة كونيَّة، وعن المؤسَّسات والممارسات وعلاقات القوة التي منحت خطابا معيَّنا سُلطة قول الحقيقة؟ وخامسا، مشكلة النسبية المضادَّة، ذلك أنَّ نقد الكونيَّة نفسه يواجه مأزقا معرفيا: فإذا قلنا إنَّ كل معرفة محلية وتاريخية وخاصة، وإنَّه لا توجد معايير تتجاوز السياقات، فبأي حق ننتقد الاستعمار أو العنصرية أو الهيمنة خارج ثقافتنا؟ إنَّ الرفض المطلق للكونية قد ينتهي إلى نسبية تجعل النقد نفسه بلا أساس يتجاوز السياق المحلي.
ومما لا شك فيه أنَّ المستويات الثالث والرابع والخامس، على وجه الخصوص، هي الأكثر حضورا في نقاشات الفكر الفلسفي العربي المعاصر، وذلك منذ بدايات ما أصبح يُعرف بالنهضة العربية الحديثة. فقد طُرحت الإشكالات المتصلة بها تحت عناوين متعدِّدة، من قبيل الأصالة والتراث والهويَّة، وهي عناوين يمكن جمعها، على اختلاف دلالاتها، تحت مسألة الخصوصية التي حضرت، بصورة صريحة أو ضمنية، في مختلف تيارات هذا الفكر ولدى أبرز مفكريه. وقد ازدادت هذه المسألة إلحاحا مع انفتاح الفكر العربي المعاصر على الفكر الغربي الحديث وميراث عصر التنوير، الذي جعل من الكونيَّة قيمة مركزية ناظمة لخطاباته وممارساته، وهي كونية لم تنفصل، في امتدادها التاريخي، عن المشروع الحضاري للحداثة من جهة، وعن أشكال الهيمنة والاستعمار من جهة أخرى.
وفي تقديري، فإنَّ أي نقاش منصف لهذه المسألة، بمختلف مستوياتها، ينبغي أنْ ينطلق من الإقرار بأنَّ العلاقة بين الكونيَّة والخصوصيَّة ليست علاقة بسيطة، ويمكن حسمها بقرار، بل هي علاقة معقَّدة ومشدودة بتوتر دائم بين القيم الإنسانيَّة التي تطمح إلى تجاوز الحدود الثقافية والتاريخية، وبين أشكال الهيمنة التي قد تتَّخذ من الكونيَّة مسوِّغا لفرض نموذج مخصوص بوصفه نموذجا صالحا للجميع. وهنا تتحدَّد مهمة الفكر الفلسفي، بما هو فكر نقدي، في الكشف عن حدود هذه التصوُّرات والأطروحات، وفحص مسوِّغاتها وافتراضاتها وما تنطوي عليه من إمكانات ومآزق.
ولمَّا كان المجال لا يسمح بعرض مختلف المواقف التي بلورها الفكر الفلسفي العربي المعاصر ومناقشتها، وهي مواقف يمكن، على سبيل الإجمال، ردّها إلى اتجاهين كبيرين: اتجاه يدعو إلى تواصل مع الكونيَّة القائمة، واتجاه يدفع نحو القطيعة معها باسم أصالة ثابتة وهوية جوهرية، فإنَّ المسلك الذي يبدو لي أكثر ملاءمة هو تجاوز هذا التقابل نفسه، والانطلاق من تحليل يعترف بالحدود المعرفيَّة والثقافيَّة لكل ادعاء كوني، من دون أنْ يتخلَّى، في الوقت ذاته، عن البحث في إمكان بناء كونيَّة تتسع للاختلاف ولا تختزل الخصوصيات.
ولعل أحد المسالك الممكنة لتجاوز التقابل الحاد بين الكونيَّة والخصوصية يتمثل في إعادة النظر في معنى الكونيَّة نفسها، فلا يجب أنْ نفهمها باعتبارها مجموعة من القيم والمفاهيم المكتملة التي نشأت في سياق حضاري معيَّن ثم انتقلت منه إلى بقيَّة الثقافات، ولا باعتبارها، في المقابل، مجرَّد وهم ينبغي رفضه باسم الخصوصيَّات الثقافيَّة. يمكن، بدلا من ذلك، النظر إلى الكونيَّة بوصفها أُفقا يتشكَّل من خلال ما يمكن أنْ أُسمِّيه (الترجمة الحضارية).
ولا يُقصد بالترجمة الحضارية هنا مجرَّد نقل الكلمات والمفاهيم والنصوص من لغة إلى أخرى، وإنَّما يقصد منها تلك العمليَّة التي تعيد من خلالها الثقافات قراءة مفاهيم بعضها بعضا، وإدخالها في سيَّاقاتها الخاصة، ومنحها دلالات جديدة. فالحرية والعدالة والمساواة والكرامة، مثلا، لا تنتقل من ثقافة إلى أخرى كما تنتقل الأشياء، بل تدخل في شبكة من المعاني والتجارب والتقاليد المختلفة التي تعيد صيَّاغتها وتأويلها. ومن ثم، لا تكون الكونيَّة نقطة بداية مفروضة سلفا، بل نتيجة مفتوحة لعمليَّة مستمرة من الترجمة والتفاوض وإعادة البناء بين الثقافات.
فلا يُطرح الكوني بمعنى واحد ومتطابق، وإنَّما ينبغي النظر إليه من منظور تعدُّدي، وذلك لسببين مختلفين، ولكنهما متكاملان. أولهما إنَّ كل ملفوظ كوني، كحقوق الإنسان على سبيل المثال، يتموضع بالضرورة ضمن سيَّاق جغرافي وتاريخي وحضاري مخصوص، يؤثِّر في شكله ومضمونه وفي الكيفيَّة التي يُفهم بها ويُمارس. وثانيهما ما بات يثيره كل دعوة كونية من حذر وشك، بعد أنْ أصبحنا أكثر وعيا بالفارق الذي قد يفصل بين النظرية والتطبيق، وبين المبادئ والنتائج، وازدواجية المعايير، والتوظيف الجائر...إلخ. فالخطاب الكوني لا يكتفي بوصف قيَّم أو مبادئ يُفترض أنَّها مشتركة بين البشر، بل يُسهم، حين يعلنها ويحدِّد مضامينها وشروط تحقُّقها، في إنتاج تصوُّر معيَّن لما ينبغي أنْ يكون عليه هذا المشترك. ومن هنا، لا يعني الحذر من دعاوى الكونيَّة رفض إمكان الكوني أو الاحتماء بخصوصية مغلقة، وإنَّما يعني إخضاع كل صياغة له للنقد، والنظر إليها بوصفها صياغة مفتوحة على الترجمة والتأويل وإعادة البناء في ضوء تجارب الثقافات المختلفة.
وإذا كانت ثمة استراتيجيات متعدِّدة يمكن من خلالها البحث عن الكوني المشترك، فإنَّ الترجمة الحضارية في تقديري، تمثل أحد المسالك الممكنة لتحقيق ذلك. غير أنَّ هذا المسلك لا يخلو من صعوبات واعتراضات، فالترجمة بين الثقافات لا تكون كاملة، إذ تظل بعض المعاني مرتبطة بسياقاتها التاريخية والدينية والاجتماعية، كما أنَّ انتقال المفاهيم من ثقافة إلى أخرى قد يؤدي إلى تغيير دلالاتها أو اختزالها أو إخضاعها لمفاهيم الثقافة المستقبِلة. يضاف إلى ذلك أنَّ الترجمة لا تجري دائما بين أطراف متكافئة، بل قد تتم في ظل علاقات غير متوازنة من القوة والهيمنة، بحيث تفرض ثقافة ما لغتها ومفاهيمها ومعاييرها على غيرها تحت اسم المشترك أو الكوني.
ومع ذلك، فإنَّ هذه الصعوبات لا تنفي إمكان الترجمة الحضارية، فقد تحقَّق هذا الإمكان عمليًّا وعلى نطاق واسع في حضارتنا الإسلامية قديما، ولا يزال يثبت فاعليته في نهضتنا الحديثة. غير أنَّ هذه الصعوبات تدعونا إلى النظر إلى الترجمة الحضارية بوصفها عملية نقدية مفتوحة، لا تهدف إلى محو الاختلاف، ولا إلى تحقيق تطابق مستحيل بين الثقافات، وإنَّما إلى بناء فضاء مشترك يتيح التفاهم والتفاعل وإعادة بناء المعاني والقيم من خلال الاختلاف نفسه.
وفي مواجهة هذه الصعوبات، نجد لدى عدد من المفكرين والفلاسفة المعاصرين، في الفكرين العربي والغربي على حد سواء، مسعى إلى جعل الترجمة والتواصل بين الثقافات أحد السبل الممكنة لبناء المشترك الإنساني. ولا يمثل هذا المسعى موقفا معزولا، بل يلتقي مع اتجاهات عديدة في الفكر المعاصر، ولا سيما عند بعض تيارات ما بعد الكولونيالية.
ويمكن أنْ أشير هنا، وذلك على سبيل المثال لا الحصر، إلى الفلاسفة الفرنسيين إتيان باليبار وبول ريكور وجاك دريدا، وإلى المفكرين العرب عبد الكبير الخطيبي ومحمد أركون وعلي حرب، وإنْ اختلفت مفاهيمهم ومداخلهم. ويعدُّ الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان من أكثر المفكرين المعاصرين تعبيرا عن هذا التوجه، فقد جعل من الحوار بين الفلسفة الإسلامية والفكر الإفريقي والفلسفة الغربية أحد المحاور الأساسية لمشروعه، مستفيدا، على وجه الخصوص، من قراءته لمحمد إقبال وليوبولد سيدار سنغور. ومن هذا الموقع دافع عن (كونيَّة الترجمة)، مستندا إلى التمييز بين كونيَّة تنظر إلى الثقافات من أعلى، وكونيَّة جانبيَّة تنشأ من العلاقات التي تقيمها الثقافات بعضها مع بعض. وبهذا المعنى، فإن الأمر لا يتعلق بكونيَّة جاهزة تمتلكها ثقافة معينة ثم تنقلها إلى غيرها، وإنَّما بكونيَّة تتشكَّل أفقيا من خلال اللقاء والترجمة والتفاعل بين تجارب تاريخيَّة وثقافيَّة مختلفة.
وفي تقديري، فإنَّ هذا التصوُّر تزداد أهمِّيته في عالم لم تعد فيه الثقافات وحدات مغلقة ومستقلة، بل أصبحت، بفعل الهجرات والعولمة والتواصل المتزايد، شبكات متداخلة تخضع باستمرار لعمليَّات التبادل والهُجنة وإعادة تشكيل الهويَّات. ومن ثمَّة، لا يكون الاختلاف الثقافي عائقا أمام بناء المشترك، بل يصبح أحد شروطه، لأنَّ الترجمة الحضاريَّة لا تسعى إلى إزالة الاختلاف، وإنَّما إلى جعل التواصل ممكنا من خلاله. وهكذا لا يعود الكوني حقيقة مكتملة تسبق لقاء الثقافات، بل أُفقا مشتركا يتشكَّل ويتجدَّد عبر الترجمة والتفاعل المتبادل.
وضمن هذا الأفق، تبدو الكونيَّة التعدُّديَّة، على الرغم مما تنطوي عليه العبارة من مفارقات، وما تثيره من مشكلات معرفيَّة وقيميَّة، مسلكا يسمح بإقامة حوار نقدي بين التصوُّرات المختلفة للكوني. ويعنينا هذا المسلك بصورة خاصة في الفكر العربي والإسلامي المعاصر، وهما مجالان متداخلان من دون أنْ يكونا متطابقين، جمعتهما، منذ عصر النهضة، أسئلة متقاربة حول العلاقة بالحداثة والتراث، والكونيَّة والخصوصية، والهوية والاختلاف. ومن هنا، لا يتعلَّق الأمر برفض الكونيَّة باسم خصوصية عربيَّة أو إسلاميَّة مغلقة، ولا بقبول نموذج كوني جاهز بوصفه معيارا وحيدا، وإنَّما بإخضاع مختلف أطروحات الكونيَّة للعمل النقدي نفسه، بما في ذلك التصوُّرات الكونيَّة التي تشكلت داخل التراث الإسلامي وتجليَّاته الحديثة والمعاصرة.
ويقتضي ذلك، في المقام الأول، مُساءلة مكانة الإنسان فيها، وحدود قيمة المساواة التي تظل في تقديري المعيار الأهم لكل ادعاء كوني: مساواة لا تعني التماثل، ولا تلغي الاختلاف، وإنَّما تُقرُّ بحق الأفراد والجماعات في أنْ يكونوا متساوين من دون أنْ يكونوا متطابقين. ومن هذا المنظور، تصبح قضايا العلاقة بين الرجل والمرأة، وبين المسلم وغير المسلم، وبين الأغلبية والأقليات، اختبارات فعلية لمدى قدرة أيّ تصوُّر كوني على الوفاء بوعده بالمساواة. ومن ثمَّة، فإنِّ المهمة التي تواجه الفكر العربي والإسلامي المعاصر لا تتمثَّل في الاختيار بين كونيَّة وافدة وخصوصيَّة مكتفيَّة بذاتها، بل في الإسهام في بناء كوني مشترك ومتعدِّد، يقوم على المساواة والاعتراف بالاختلاف، ويتشكَّل من خلال مراجعة نقديَّة للذات وحوار وترجمة وتواصل متبادل مع التجارب الإنسانية المختلفة.
الزواوي بغورة أكاديمي بقسم الفلسفة، جامعة الكويت
