عمان الثقافي

«هذه ليست رصاصة» لـ عبد الله ناصر:موت القاتل.. حياة القتيل

23 سبتمبر 2026
23 سبتمبر 2026

قبل أربعين سنة، غادرت خمسُ رصاصاتٍ مسدسَ أبٍ ما، لتسكن جسداً مُعادياً. كان على رواية الكاتب السعودي عبد الله ناصر «هذه ليست رصاصة» (دار الكرمة، القاهرة) أن تنتظر كلَّ هذه السنوات، إلى أن تمتد يدُ الابن إلى خزانة ذاك المسدس البعيد، لتُنظِّفها، أو لتعيد حشوها.

يستعيد الابنُ، الذي كان في الرابعة حين وقعت الواقعة، الحكايةَ أخيراً، فما الذي انتظره لكي يصبح راوياً للحكاية: أن يكبر، أم، أن يصبح كاتباً؟

أُرجِّح الاحتمال الثاني، ذلك أننا أمام نصٍ كتبه الضمير الأول واعياً بأنه «يكتب رواية»، مركزها الأب، الذي يصبح هو نفسه استعارةً لفعل الكتابة: «بات عليَّ أن أجاهد للّحاق به كما أفعل الآن حين أكتب هذه الفقرة».

هاتفٌ من العم للأب، يهرع على إثره ليقطع المسافة من مدينة حاضره إلى قرية مسقط رأسه. هناك، سيُشبع شخصاً ما ضرباً، وحين يعود أهل ذاك المُهان لرد الاعتبار، سيوجِّه الأبُ طلقاته لأبٍ آخر، أب ذاك الشخص. واقعةٌ غامضة، تتقشَّر تفاصيلها رويداً، لكن عمودها الفقري: خمسُ طلقاتٍ، ستُبقي الضحية حية، وستزج بالفاعل إلى السجن.

الروايةُ المتأهلةُ مؤخراً إلى القائمة القصيرة لجائزة نجيب محفوظ التي يمنحها قسمُ النشر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، تُشكِّل في مجملها مرويةً استعادية؛ تُسخِّن باروداً بائتاً في خزانة الذاكرة، تحولت من واقعة إلى نص، فقط لأن السارد صار روائياً.

بالضمير الأول، يسرد ابنٌ ذكرى لم يرها، ولم يُرو له منها سوى النتف المبتسرة، ويجد نفسه مطالباً ـ من قِبل نفسه ـ أن يرمم جداراً من هواء، كي يعيد رسم حكاية، تلفَت حتى ذاكرة من عاشوها. إنه ليس بساردٍ مشاركٍ، ولا شاهد عيان، إنه ليس سارداً متحرياً حتى، فلا يُلحّ من أجل اقتناص المستور، لا يحوم حول شهوده، رغم أنهم من الأقربين، لا يفكر مرة في الذهاب لمكان وقوع الحدث كي يسأل أو يسمع أو يرى بنفسه مسرح الجريمة المنصوب في ذاكرته، مكتفياً منه بما شيدته الطفولة، كأن كل طفولةٍ حاضر.

حتى سبب الواقعة، يُعبَّر عنه بأكبر قدرٍ من التورية، لدرجة أن القارئ إن لم يكن شديد اللماحية والانتباه، فلن يعرف لماذا حدث ما حدث، إذ يُفهم بإحالاتٍ من بعيد أن الجريمة هي انتهاك عرض، قام به الشاب ضد أخي «نايف» غير الشقيق، الذي كان لا يزال طفلاً.

هل سكنت رصاصاتُ الأب جميعها جسداً إنسانياً؟ لا. ثمة رصاصة سادسة أطلقها الأبُ لحظة الحادثة، ترهيباً، في الهواء القروي. من يدري، ربما أردى ذلك العيارُ المكان قتيلاً، فلن تعود القريةُ الحيةُ بعد الواقعة جسداً ينبض، بل جثماناً سيُوارى إلى الأبد ثرى ذاكرة شهودها وقاطنيها على حدٍ سواء. ست رصاصاتٍ إذن، تساوي، للمفارقة، عدد فصول هذه الرواية نفسها، كأن كل فصلٍ ينتزع طلقةً سكنت موضعاً مختلفاً في جسد المروية، ليعيد جثمان الحكاية حياً.

ربما بسبب ذلك، أخرج الساردُ مرويته مثل زفرات احتضار، كل باقةٍ منها تنهب هواءً مختلفاً، لتتباين الوحدةُ السردية -حد التنافر الأسلوبي التام أحياناً - مع جارتها. إنه عملٌ من صنع الذاكرة، ويحذو حذوها، فيستبق ويسترجع، يفصِّل هذه الجزئية ويلخص تلك ويُعتِّم الثالثة، وإجمالاً: يتكهن، فالذاكرة أداة تخمين وترجيح لما كان عليه الماضي، حتى لو يخص صاحبها، حيث التاريخ برمته محض احتمال، إذ ما إن ينزاح الماضي، حتى تتحول الأنا نفسها إلى آخر.

أنساق سردية مشتجرة

لا توصيف جامع يمكن إسباغه على كُلِّية الرواية. يبدو كما لو أن دمها توزَّع بين أنساقٍ سرديةٍ مشتجرة، تُموِّه الوقوف على فصيلته. ثمة طرائق متباينة في السرد بعدد الفصول الستة، تجرِّب، عمداً، غياب الانسجام الأسلوبي بين الحلقات السردية. نحن أمام هجنةٍ أسلوبية، فهناك نسق أقصوصي/ شعري كثيف في قسمها الأول يبدو فيه كل مقطع مرقَّم أقصوصةً متخمة بغرضٍ شعري، يليه نسق استعادي شارح لموقف السارد من المروية، يحيل إلى نسقٍ ثالث مبئر للحدث المستعاد في، ثم محكية اجتماعية تقليدية في الرابع، يكاد فيها الراوي الذاتي يتحول إلى راوٍ عليم، مختفياً كأنا وحاضراً كوعيٍ شبه كُلي، تفيض عن الحدث لتلم بإطاره تاريخياً وتُبرز حتى خصوصية اللسان شعراً شفهياً، قبل أن يحل نسقٌ خامس، ثوري، ينتمي دون لبس للرواية النظرية ويرُدّ كل ما فات من توهُّم إلى بُعدٍ ميتا سردي لنصٍ ذاتي الانعكاس، واعٍ بنفسه كخطاب أدبي، تخيم عليه لغةٌ ذهنية مجرَّدة تعمل على تعرية التقنية، لتنتهي الرواية بنسق تطهرٍ سيري ينتمي للتخييل الذاتي معمِّقاً اختبار الميتا سرد وقد اختلط المتوهم بالمختلق حتى لم نعد نعرف أين تنتهي الحكاية وأين يبدأ الخطاب.

تنبذ الرواية إذن، عمداً ومع سبق الإصرار، الانسجام، وربما يؤكد نسق ترقيم فصولها عمديةَ نهجها هذا، فأرقام كل فصل لا تُستكمل مع بداية الفصل التالي، إنما تبدأ من الأول، كأن كل حركةٍ جزيرة، تعترف بشيء من استقلاليتها، قدر ما تطوِّع هذه الاستقلالية النسبية في رفد البؤرة المركزية، التي تذهب إليها الأقسام الست، كرصاصاتٍ كل منها مصوب من اتجاه، من أسلحة مختلفة، لتصب جميعها في مركز «النشان» نفسه، ببنيةٍ دائرية تجافي تماماً النمط الخطي.

لا تنبذ رواية عبد الله ناصر «المسكوت عنه» قدر ما تستثمره مُدركةً أن عتمته تلك هي رصاصتها الفعّالة. تشبه هذه الرواية بالضبط مسدسات الأب المدفونة، ترقد تحت طبقات، ربما لأن الحكاية، كالمسدس، تقتل. الشاهد أن الساردَ يفكر داخل نفسه كأنه «هاملت» فيما تتوفر حلولٌ أقرب لكي يعرف، وحين يقرر، على استحياء، أن يفعل، يكون الوقت قد فات، مرة بالاستفسار من عمَّه، قبل موته بأسابيع، ومرة بسؤال أمَّه، التي لا يجيد فتح خزانتها الموصدة، حتى ينغلق باب الخزانة من تلقائه بغياب ذاكرتها. أغلب الظن أن السارد يبغي، لا واعياً، هذا النوع من حجب الوقائع، كي يعيد، بأنانية الفنان، خلق القصة الأكيدة، كقصة محتملة، كاقتراح يحتمل الكذب، أو يشتهيه. وهو على الأغلب يريد ذلك لأنه يريد أن ينجو بحاضره وقد تحوَّل إلى نصٍ روائي لا أكثر، لن تتحقق له فيه البطولة إلا بقدرٍ من الجهل.

ثمة في السرد تباطؤ مقصود في ما يخص الواقعة، مقابل تسريع تلخيصي لاهث لكل ما أعقبها من تحولات آلت إلى موت الأب. يمكن القول إن الاقتراب من الحادث يتحقق باشتغالٍ شعري، يتجاوز حتى المستوى اللغوي على ما يزخر به من نزوعات استعارية. على جانبٍ آخر، ثمة تجريد يجعل الرصاصة الحقيقية هي ذلك الإصبع المبتور في يد الضحية، والذي يعثر عليه شرطي في التراب أثناء معاينة موقع الجريمة، وعندما يكتشف أنه ليس برصاصة، يعيده إلى مكانه. ربما اتخذت الرواية عنوانها من هذا المشهد العابر، وأرادت ألا تلفت له النظر عمداً، وإلا لكان من السهل أن توضع جملة العنوان حرفياً في سياق المشهد. هذا الإصبع المتروك من الجسد، الذي لن يعود أحد للتفتيش عنه: لا الشرطة، ولا صاحبه نفسه، هو ما يفتش عنه السارد حقيقةً: كل منسي سقط في التراب، ويبدو أقل أهمية من رصاصات، أو فوارغها، أو بقعة دمٍ، أو حتى فردة حذاء.

يتوقف السارد ملياً أمام لوحة لماجريت، ليقدم أداءً تحليلياً ينتمي للنقد التشكيلي من جهة، وللتحليل العلاماتي من جهة أخرى، رابطاً مفردات اللوحة بمفردات الواقع: البندقية، وبقعة الدم، غير أن اللوحة، بخلاف الحكاية، تخلو من البشر، تخلو من الفاعل والضحية. و«الناجي»، وهو اسم اللوحة، ذاك المختفي، سيعبر عنه بشخصية تشبه بالضبط الذات الفنية المتبخرة، هي «سعود الناجي»، ذاك الذي يرى الواقع بعينٍ مفقودة، حلت محلها عينٌ من زجاج. إن الناجي في المحكية هو صاحب البندقية، بندقية صيد في الرواية كنظيرتها في اللوحة، صُممت لكي تُسيل دم الطيور لا البشر.

هل كُتبت الرواية كي تذهب بالواقع إلى الفن؟ أم نشأت اللوحة، كي يستعاد الواقع عبر الفن؟ الاقتراحان معقولان، ويضاف إلى اللوحة، بوصفها نصاً، نصٌ آخر، هو دفتر الأب، الذي يحتل بؤرة الحركة الأخيرة من الرواية، متقاطعاً مع دفتر الابن، وحيث يصبح السر صراحةً هو الكتابة، فالسارد يبدأ كأنه يحكي شفاهةً خارج التدوين، وينتهي واعياً بأنه يدوِّن، خارج مؤسسة الشفاهة.

***

... عفواً، لم تنته الرصاصات: ثمة رصاصة سابعة، أصابت السارد نفسه: «مرَّت حادثةُ أبي بحياتنا مرور رصاصةٍ في الكتف. لو انخفضت قليلاً لأصابتنا في القلب». رصاصةُ المجاز أصابت كتف السارد، كأنه الواقف الحقيقي بين القاتل والقتيل، فبات، من حيث أراد أن يكتب حياة الأب، الميت في زمن الخطاب بقوة حياته في زمن الحكاية، يكتب في حقيقة الأمر آخر ما تصوَرنا أنه نهض ليكتبه: موته الشخصي.

طارق إمام روائي مصري