لا يلوح في الأفق نظام عالمي جديد!

21 سبتمبر 2026
21 سبتمبر 2026

يستضيف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الأسبوع في البيت الأبيض نظيره الصيني شي جين بينغ، فيما يجتمع قادة العالم الآخرون للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.

وفي كلتا المناسبتين، ستصوّر التغطيات الإعلامية وما يصاحبها من تعليقات وتحليلات مشهدًا يعتقد كثيرون أنه يعكس عالمًا يندفع مسرعًا من النظام إلى الفوضى.

ولكن، هل هذه السردية صحيحة؟ قد تبدو الحروب التجارية والحروب الفعلية نذيرًا بعصر جديد من الاضطراب والفوضى الدولية، لكن ذلك لا يعني أن العالم قبل الولاية الرئاسية الأولى لترامب، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والغزو الروسي لأوكرانيا، كان عالمًا مستقرًا. ففي الواقع، حتى الليبراليون أصحاب النوايا الحسنة ارتكبوا نصيبهم من الفظائع الطائشة وأثاروا قدرًا لا بأس به من الاضطراب.

لذلك، لا ينبغي لنا أن نستسلم للحنين العاطفي إلى «النظام» الدولي الليبرالي لمجرد أن الشعبويين يشمتون في انهياره. ما نحتاج إليه هو سردية لا ترسم حدًا فاصلًا بهذه الحدة بين نظام دولي ليبرالي آخذ في التحلل وخليفته الذي يأتي بعد الليبرالية، وتفسح المجال في الوقت نفسه للتعامل مع ما هو معرض للخطر فعلًا. ويمكن لسردية بديلة أن تبدأ بتقديم تصور مختلف للنظام الذي يُقال لنا إنه ينهار. فبدلًا من تسميته نظامًا دوليًا ليبراليًا ــ رغم أنه كان في كثير من الأحيان غير ليبرالي وتسوده الفوضى ــ سيكون من الأدق وصف حقبة ما بعد عام 1945 بأنها عصر سعينا فيه إلى تحقيق المنافع المشتركة من خلال ترتيبات جمعت بين سمات ليبرالية وأخرى غير ليبرالية. وفي البداية، كانت المنفعة المشتركة ذات الأولوية القصوى هي منع اندلاع حرب عالمية ثالثة.

لكن المؤسسات الدولية تطورت بمرور الوقت لتتصدى أيضًا للمصالح الاقتصادية والعلمية والثقافية وغيرها من المنافع المشتركة.

سعى نظام المنافع المشتركة إلى استيعاب التكاليف والمخاطر الناجمة عن عالم مترابط وتوزيعها، بحيث لا تدخل الدول في نزاعات حول من يتحمل أعباءها.

وسعت شبكة من المعاهدات وآليات الرقابة إلى منع الصراعات، والحد من الأضرار، وتوزيع المخاطر، بما يتيح مزيدًا من التجارة، ومزيدًا من التبادل الثقافي، وتحسين الصحة، وتعميق التكامل.

وقد كان هذا النظام أكثر فاعلية مما يحب منتقدوه من اليمين الاعتراف به، وحتى القوى الكبرى تعتمد عليه، لأن ذلك يخدم مصالحها.

وقد تحملت الولايات المتحدة جانبًا كبيرًا من المسؤولية بوصفها «شرطي» هذا النظام، وبوصفها أيضًا مُصدِر العملة الاحتياطية العالمية؛ لكنها جنت في المقابل مكاسب هذا الدور، وكان بوسعها أن تختار أي الفواتير تريد أن تدفعها.

ومن هنا، كانت الولايات المتحدة تُسقط حكومات منتخبة، في الوقت الذي تُشهِّر فيه بغيرها إذا فعل الشيء نفسه.

وكانت ترفض التوقيع على معاهدات تريد، مع ذلك، من الآخرين أن يوقعوا عليها؛ فقد رحبت إدارة بايدن، على سبيل المثال، بمذكرة التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لكنها رفضت الاعتراف بسلطة المحكمة على الأمريكيين. كما كانت تضغط على دول أخرى لإبقاء أسواقها مفتوحة أمام الصادرات الأمريكية.

وقد شكّلت هذه الامتيازات جزءًا من أدوات السياسة الخارجية الأمريكية على مدى أجيال. وترامب ليس استثناءً؛ إنه فقط يأخذها إلى أقصى مداها.

أما أكثر البقع وضوحًا في سجل نظام المنافع المشتركة، فتتعلق بحقوق المهاجرين. فبعد عام 1945، أقرت المعاهدات والالتزامات القانونية بحق أي شخص في طلب اللجوء إذا استطاع إثبات تعرضه للاضطهاد على يد حكومته. وكان الهدف هو جعل الحقوق العالمية إحدى دعائم السلام.

لكن، في الوقت الذي عمّم فيه النظام الحق في التنقل، ظلت الدول قادرة على اختيار من ترغب في استقباله. أما غير المرغوب فيهم، بدءًا بالفلسطينيين بعد عام 1948، فقد انتهى بهم المطاف في مخيمات تحيط بها الأسلاك الشائكة. والدول التي أغلقت أبوابها أمام اللاجئين نقلت كلفة التعامل معهم إلى وكالات تابعة للأمم المتحدة تعاني الحصار ونقص التمويل.

فإلى أين تقودنا هذه السردية البديلة؟ بدايةً، إن الخط الفاصل بين الماضي والمستقبل ليس حادًا بالقدر الذي يصوره أنصار النظام الدولي الليبرالي المتحسرون عليه، أو الشعبويون المنتشون بزواله.

والواقع أن العالم ازداد ترابطًا واعتمادًا متبادلًا رغم توترات العقد الماضي. وكان مروّجو الإنذارات قد أعلنوا ذات يوم نهاية العولمة، لكن التجارة العالمية، بقيادة آسيا، بلغت مستوى قياسيًا قدره 35 تريليون دولار في عام 2025، فيما نما حجم التجارة العالمية بنسبة 4.6%، متجاوزًا معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وفي ما يتعلق بالضروريات، مثل الغذاء والوقود والألياف، لم تكن المجتمعات يومًا أشد حاجة إلى بعضها بعضًا مما هي عليه الآن.

وقد يكلّف افتراض ترامب أن الولايات المتحدة تستطيع تجاوز إغلاق مضيق هرمز بسهولة، لأنها تمتلك نفطها وغازها، حزبه ثمنًا باهظًا في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.

والتاريخ الاقتصادي حافل بأمثلة لمنافسين يعتمد بعضهم على بعض، يستند كل منهم إلى الآخر فيما يتبادلون المناوشات كالأشقاء.

وحتى الروابط بين الولايات المتحدة والصين لا تزال متشابكة رغم جهود «فك الارتباط»؛ فقد بلغت التجارة الثنائية بين الصين والولايات المتحدة ذروتها في عام 2022، بعد عقد من التلويح بالقوة، فيما ارتفعت الصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة بالفعل بعد الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على السلع الكندية في مارس 2025.

ولا يمكن التراجع عن الاعتماد المتبادل من دون دفع ثمن؛ فالمجتمعات تعاني حتمًا عندما تفك ارتباطها بمن أصبحت تعتمد عليهم.

وفي ثلاثينيات القرن الماضي، حين فككت الدول القوية الضوابط التي كانت تكبح الرسوم الجمركية والتخفيضات التنافسية لقيم العملات، فاقمت الكساد الكبير. ومن الدروس التي يمكن استخلاصها من استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قبل عقد أن الانفصال قد يمنحك قدرًا من الاستقلالية، لكن بثمن سيصل معظم الناخبين في نهاية المطاف إلى الندم على دفعه.

ولا يقتصر الاعتماد المتبادل على الاقتصاد وحده. فخطر الحرب النووية وواقع تغير المناخ يذكّراننا بأننا نحتاج بعضنا إلى بعض من أجل البقاء، والتعاون ضرورة لتحقيق الأمن الإنساني.

وقد كانت شبكة علمية عالمية هي التي ابتكرت لقاح الحمض النووي الريبي المرسال «mRNA» الذي أسهم في كسر شوكة جائحة كوفيد-19.

ومن السهل أن نتعامل مع نظام المنافع المشتركة وكأنه أمر مفروغ منه، وفي الوقت نفسه نعلن موته. فقد أصبحت مناهضة العولمة رائجة لأنها تحرر الأقوياء من القيود، مع إبقائهم قادرين على مواصلة جني المنافع، في حين يظل الأكثر ضعفًا معتمدين إلى حد بعيد على نظام معيب، لكنه لا غنى عنه.

والخطر الأكثر إلحاحًا ليس حدوث قطيعة بقدر ما هو استنزاف هذا النظام؛ فمع تضاؤل الموارد، بات يُطلب من نظام المنافع المشتركة أكثر مما يستطيع احتماله. لقد حال دون وقوع أسوأ أنواع الكوارث العالمية، لكنه يتعرض لضغوط متزايدة. وينبغي أن يقلقنا أكثر تآكل موارده وقدراته بصورة تدريجية وتراكمية، لا نهاية كارثية دراماتيكية. وبدلًا من التبشير بفجر «الفوضى» أو «نظام» جديد، لماذا لا نواجه أهداف الاعتماد المتبادل القائم بيننا وأوجه قصوره؟

جيريمي أدلمان مدير «مختبر التاريخ العالمي» في جامعة كامبريدج، وهو مؤلف كتاب صدر مؤخرا بعنوان «الحقبة الرأسمالية: تشكّل العقل العالمي وتفكّكه».

خدمة بروجيكت سنديكيت